أخبار

في محاولة لتقصي شروط الإبداع السورية الجديدة

“الفن في زمن الثورة والحرب” بين عمومية العنوان والحاجة إلى التوثيق

سميّة الجندي  

نظّم الحزب الدستوري السوري (حدْس) ، مساء  العشرين من نيسان، ندوة بعنوان  “الفن في زمن الثورة والحرب”، عبر تطبيق “زوم”،  أشرف على إدارتها كل من فيكتوريوس بيان شمس وسوزان سالمة، ومشاركة الفنانة التشكيلية يارا عيسى، والمخرج عروة الأحمد، والمسرحي والصحفي حسين برو، وحضرها عدد من المهتمّات والمهتمين بالشأن الفني والسياس، وهي الندوة الأولى في سياق برنامج تحت العنوان نفسه، يستمر لمدة عام، ويستضيف مبدعين من حقول مختلفة.

الفن والاستجابة للواقع

تحدث الفنانون الثلاثة حول آليات استجابة الفنان للواقع بشكل عام، وفي الظرف السوري بشكل خاص، حيث اعتبرت التشكيلية عيسى أنه لا توجد استجابة محددة واحدة لدى كل الفنانين لواقع الثورات والحروب، وذكرت عدداً من الأمثلة حول انخراط عدد من الفنانين التنشكيلين إلى جانب الديكتاتوريات والمؤسسات القمعية، بينما وقف فنانون آخرون مع الثورات من أجل تغيير الواقع للأفضل، وتحدثتعيسى عن تجربتها الخاصّة، واستلهامها للون الأزرق الذي يمثل السماء والبحر، اللذين شهدا  مآسي عدد كبير من السوريين.  

أما المخرج عروة الأحمد، فرأى أنه من الضروري التمييز بين الفنان ونتاجه الفني، حيث يمكن أن يكون الفنان متميزاً، مثل الموسيقي الألماني ريتشارد فاغنر، ويقف مع سلطة استبدادية، كما وقف فاغنر مع النازية، لكن ذلك لا ينفي أن موسيقاه لا تزال أحد أهم ما أنتج موسيقياً.  

ورغم أن الفن قد يكون أداة في يد السلطة، ينبغي التفريق بين الفنان ومنتوجه الفني، ومعايرة هذا المنتوج بنظرة موضوعية (عروة الأحمد). كمثال، تقتضي الموضوعية التفريق بين ريتشارد فاغنر وبين موسيقاه العظيمة حتى لو تم توظيفها لخدمة السلطة النازية، ورأى الاحمد أن الفن السوري يعاني منذ ما قبل الثورة غياب المؤسسات، وازدادت الحالة سوءاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً أن الإنتاج المسرحي مثلاُ، يعاني من غياب المؤسسات المهتمة، بالإضافة إلى حالة الشتات، حيث يتواجد المسرحيون في بلاد  متعددة، ويصعب بالتالي تحقيق شرط الإنتاج.

وركّز  المسرحي والصحفي حسين برو على ضرورة تمحيص مقولة حيادية الفن، إذ لا يوجد فن محايد، واعتبر أن الفن بطبيعته فعل تغييري،و هو مرتبط بشرط الحرية،  وهو شرط محدود في الحالة السورية، خصوصاً في أماكن معينة، ومع ظهور  قوى معادية للحرية، تحمل أفكاراً دينية تقليدية، كما أكد برو على تأثير حالة الشتات السوري على الفنون الجماعية، وتحديداً فن المسرح، ورى أن الفن يمكن أن يلعب مهماً في معالجة بعض القضايا السياسية، مثل الهوية الوطنية.

لوحة للفنانة التشكيلية يارا عيسى

في الحاجة إلى التحديد

 القسم الأول من عنوان الندوة، ” الفن” كان فضفاضا. الفن بحد ذاته كحقل من حقول النشاط الإنساني يشتمل على أنواع إبداعية لا تحصى: المسرح، الغناء، التأليف الروائي أو الكتابة الأدبية، وفن نظم الشعر، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي، أي الفن التشكيلي بكل أنواعه.  

أما القسم الثاني من العنوان، “زمن الثورة والحرب” فهو لا يحدد إن كانت الثورة أو الحرب منحصرة بمنطقة جغرافية محددة، سوريا مثلا، أو غير مرتبطة بمنطقة معينة، محددة بفترة تاريخية أو غير مرتبطة. وبالتالي لا غرو أن يقع بعض التخبط عند تناول الإبداع الفني. هل الفن هو ما يخاطب العين، (مبدأ الفن هو الجمال أو الفن لذاته)؟ هل هو ما يخاطب العقل؟ هل هو الملتزم بخطاب سياسي؟ أو غير الملتزم؟ وتقييم الفن…هل نقيم الفن كحامل لرسالة؟ أم ليس بالضرورة أن يكون الفن حاملا لرسالة؟          الحروب والسلطة والفنون كانت على مر الأزمنة ومنذ فجر التاريخ البشري في حالة تأثير متبادل وكانت الفنون مصورة تسجيلية للحروب، إما منددة بها أو مشيدة بها وبصناعها. لكن في الوضع السوري بشكل خاص كان هناك فن صوّر بصمت فترة القمع السياسي في سوريا، وبعد اندلاع الأحداث رصد الفن حالة الويلات التي تعرض لها الشعب السوري، وفي مرحلة ما بعد الثورة حدث تداخل بين الفنون البصرية (الصور المتحركة، الكاريكاتير، الصوت والفيديو) تداخلاً لا يحدّه حدّ. و هيمنت ثقافة الانترنيت المرئية المنفتحة، وصار الفن أكثر حضورا بما وفرته شبكات التواصل الاجتماعي من آنية واستمرارية. ومما يلاحظ عن الأعمال الفنية التي عايشت الأحداث في سوريا هو أنها كانت عفوية قدمت بأسلوب تفاعلي، لاسيما مع انتشار التغطيات العفوية التي قدمها مواطنون مناوئون عبر أفلام غير احترافية صنعت بكاميرات بدائية، على الأغلب كاميرات موبايل (هواتف جوالة)، ولافتات و فن شوارع أو ما يعرف باسم الغرافيتي.

الشامي ولوحة  “الكيمياوي” أو زفير الموت

الفن في مواجهة العنف السوري

لو أخذنا فقط فن الغرافيتي كمثال، للاحظنا أن الحيطان لم “تعد دفاتر المجانين” بل صارت بمعنى الكلمة دفاتر العصيان ومدونات الوجع والذاكرة الجمعية. فنانون كثيرون من سوريا لا يقلون شأنا عن “بانكسي”، استطاعوا التعبير عبر فن الشارع. فن الغرافيتي في سوريا كان أصلا شرارة من شرارات العصيان المدني وأثناء وبعد الحرب صار ضرورة لا بد منها لإيصال رسائل الشعب إلى العالم. أبو مالك الشامي مثلا ورسوماته على جدران مدينة داريا. مجد معضماني وجدارياته، عزيز الأسمر وجدران مدينة بنش المليئة برسومه. الأمثلة كثيرة ينبغي رصدها والتوسع في البحث فيها والتأريخ لها. 

في فن الرسم فنانون كثيرون من سوريا لا يقلون شأنا عن بيكاسو واجهوا العنف داخل المشهد السوري، وبحثوا في أسبابه عبر الصورة والأشكال السمعية البصرية والأشكال ثلاثية الأبعاد أو ثنائية الأبعاد، تماما مثلما فعل بيكاسو في “الغيرنيكا”. وليس يوسف عبدلكي فقط الفنان التشكيلي الوحيد الذي استلهم “الغيرنيكا” في تصوير العنف والرعب داخل محفل الموت السوري. هناك عدد كبير من الفنانين السوريين الاحترافيين وغير الاحترافيين الذين استلهموا “الغيرنيكا” في تصوير أهوال الحرب السورية.

في فن التصوير الفوتوغرافي لا يتسع المجال لذكر جميع من واكبوا الثورة والحرب بأقلامهم وريشهم، فهناك عدد هائل من مدونات الحرب من الأعمال التصويرية الاحترافية وغير الاحترافية. وهنا يحضرني اسمان وسط العجالة: أكرم الحلبي، ومجموعة التصوير الضوئي خاصته، وشابان مجهولان أطلقا على صفحتيهما الفيس بوك اسمين “عدسة شاب حلبي تافه”، و”عدسة شاب ديري”، والصفحتان هما غيض من فيض من الصفحات التوثيقية التي تم حظرها على وسائل التواصل،

 لكن الإبداع الفني بأشكاله التقليدية (نحت ورسم) مثله مثل المشهد الثقافي برمته، انحسر على نحو ملحوظ خلال سنوات الحرب في سورية، مثلما انحسر دور المثقف والفنان بشكل عام. ولا غرابة، فالمشهد مشوّش والمؤسسات الثقافية في حالة شلل، والتطورات الكارثية عاتية، والعنف يفوق قدرة العقل.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق