التقرير السياسي

التقرير السياسي لشهر أكتوبر تشرين الأول 2025  

مقدمة

شهد شهر أكتوبر/ تشرين الأول تحولات عالمية وإقليمية مهمة تؤثر على الوضع السوري السياسي والاقتصادي والأمني. على الصعيد الدولي، تستمر الولايات المتحدة وعدد من القوى الكبرى في إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط، مع تصاعد الدور المصري في ملف غزة في مرحلة ما بعد الصراع، بينما تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذ استراتيجي عبر تفعيل أدوات دبلوماسية واقتصادية مع سلطة الأمر الواقع في دمشق.

إقليمياً، عقدت قمة شرم الشيخ حول غزة، برعاية مصرية، وبمشاركة عدد من القوى الإقليمية والدولية، وسط نقاشات حول آليات إعادة الإعمار ووقف الأعمال العسكرية، من دون وضع ترتيبات واضحة للتنفيذ على الأرض، ما يجعل النتائج الجزئية والقابلة للتطبيق محل مراقبة دقيقة.

سورياً، زار الرئيس الانتقالي أحمد الشرع موسكو، في أول لقاء رسمي، وتناولت الزيارة –بحسب ما أعلن عنها ملفّات سياسية واقتصادية وأمنية، بما في ذلك القواعد الروسية في الساحل، وتعكس الزيارة سعي سلطة الأمر الواقع إلى تثبيت وجودها الإقليمي والدولي، لكنها تثير أسئلة جدية حول الأهداف الفعلية وأبعادها الاستراتيجية على السيادة الوطنية والشرعية السياسية.

أولاً- الملف الدولي:

شهدت الحرب الروسية الأوكرانية تطورات عسكرية وديبلوماسية، إذ استهدفت روسيا بكثافة محطات الغاز والطاقة ومحطات الكهرباء والسكك الحديد في أوكرانيا، في الوقت الذي أطلقت فيه موسكو حملة تجنيد تستهدف إلحاق حوالي 135 ألف جندي جديد في صفوف جيشها.

الرئيس الأوكراني زار واشنطن، في محاولة إقناع الإدارة الأمريكية تسليم قواته صواريخ “توماهوك” لكن من دون أن يحصل على رد حاسم، خصوصاً أن الرئيس ترامب لا  يزال يصب تركيزه  على إقناع روسيا بالتفاوض، حيث أعلن الرئيس عن تواصل جديد مع الرئيس بوتين، لعقد قمة جديدة بينهما، من المتوقع أن تستضيفها العاصمة المجرية بودابست.

الولايات المتحدة صعّدت من جديد حربها التجارية على الصين، وهو ما واجهته الصين بقرارات سريعة، تضع المزيد من الموانع أمام تصدير المعادن النادرة ذات الأهمية الفائقة لصناعات التكنولوجيا الرقمية الأمريكية.  

في الوقت نفسه، تركز واشنطن على الملف الإيراني والحرب الإسرائيلية–الإيرانية المحتملة، مع تعزيز التعاون مع إسرائيل لضمان تفادي أي تصعيد مباشر على خطوط الإمداد والنفط في الخليج،

ثانياً-الملف الإقليمي

عقدت في شرم الشيخ في مصر قمة دولية إقليمية عربية لإعلان وقف الحرب الإسرائيلية على غزة،  وشارك فيها حوالي 30 دولة ومنظمة إقليمية ودولية. هدفت القمة إلى تثبيت هدنة مرحلية في قطاع غزة ووضع خطوط عامة لإعادة الإعمار، مع تأكيد على أهمية حماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية.

صدر عن القمة “إعلان شرم الشيخ للسلام الدائم والازدهار”، وتضمن يتضمن التزامات عامة لإعادة الإعمار وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وكان هناك غياب جزئي لبعض الأطراف الأساسية، بما في ذلك الجانب الإسرائيلي، وبعض الفصائل الفلسطينية.

الإعلان كان رمزيّاً بدرجة كبيرة، حيث لم تتضمن البنود آليات تنفيذ دقيقة، أو جدولاً زمنياً محدداً، أو ترتيبات رقابية على الأرض،كما أن غياب الأطراف الأساسية عن المشاركة الفعلية يجعل من احتمال فشل التطبيق كبيراً، وحدوث فجوات في الالتزام تجاه البنود.

ثالثاً- الملف السوري

1-سياسياً:

الحدث السياسي الأبرز، كان زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو، والتي تأتي بعد تعثّر وصول سلطة الأمر الواقع في دمشق إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بخصوص الجنوب السوري، وقد حملت الزيارة عناويناً معلنة، مثل إعادة الإعمار، وملف الطاقة، ووجود القواعد الروسية في الساحل السوري.

أعلنت سلطة الأمر الواقع التزامها بكل الاتفاقيات السابقة الموقعة بين حكومة روسيا الاتحادية والحكومات السابقة في دمشق، في خطوة متوقعة، لضمان إمكانية أن تلعب روسيا دوراً أساسياً في موازنة محصلة موازين القوى الدولي في سوريا.

2- أمنياً:

شهدت سوريا خلال شهر تشرين الأول 2025 تصعيدًا أمنيًا ملحوظًا في عدة مناطق، ما يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار في البلاد، إذ تجددت الاشتباكات بين قوات تابعة لجيش السلطة وبين قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في مدينة حلب، وبعد التفوض، جرى الاتفاق على وقف إطلاق النار، في حيي الأشرفية والشيخ مقصود.

كما استمرت الحوادث الأمنية في مدن متعددة، بما فيها الاشتباكات مع الأمن العام، كما حدث في واقعة اقتحام قوات الأمن العام لحفل زفاف في وادي بردى، بالإضافة إلى حالات  القتل خارج القانون، أو حالات الاختطاف على أساس طائفي، خصوصاً في مدينة حمص.

3– اقتصادياً:

 على الرغم من التصويت في مجلس الشيوخ الأمريكي على إمكانية رفع العقوبات عن سوريا، بعد مواءمتها مع الكونغرس، إلا أن مقترح الإلغاء جاء مشروطاً بسلسلة من الإصلاحات السياسية والأمنية خلال أربعة أعوام.

من جهة أخرى، فإنه وفق البنك الدولي، فإن مستوى المساعدات لسوريا لا يزال أقل بالثلث مما كان عليه في العام السابق، مع توقعات أن تؤدي موجة الجفاف غير المسبوقة منذ 36 عاماً إلى زيادة الأزمة الغذائية، وما يترتب عليها أضرار لمجمل العاملين في القطاع الزراعي، وارتفاع الأسعار بالنسبة للمواطن المستهلك.

4-السويداء: على الرغم من دخول مساعدات جزئية إلى المحافظة، لكن هذه المساعدات لا تغطي من الناحية الفعلية مجمل الاحتياجات الغذائية والإنسانية في المحافظة، التي توقفت فيها الحياة بشكل كبير بعد المجازر التي ارتكبتها قوات تابعة لسلطة الأمر الواقع بحق أبناء المحافظة في يوليو/ تموز الماضي،  خصوصاً أن المحافظة تعاني تاريخياً من ضغف في أنشطتها الاقتصادية،  ما يجعل من الظروف الراهنة بمثابة نكبة شاملة للمحافظة وسكانها.

رأي الحزب:

نحن في الحزب الدستوري السوري، نجد أن الأوضاع العالمية، تحمل مخاطر كبرى في مجال الصراع بين واشنطن وبكين، وأن مفاعيلها بدأت تنعكس بشكل كبير وكارثي في مجمل الاقتصاد العالمي، وما تنطوي عليه من أزمات سياسية شاملة، وانتعاش الخطاب القومي، خصوصاً في أوروبا، إذ تواجه الحكومات أوضاعاً اقتصادية معقدة، انعكست في تراجع التأثير الأوروبي في السياسات العالمية.

كما نجد أن التصعيد العسكري الروسي يأتي في سياق كسب نقاط إضافية، مستفيداً من استمرار واشنطن التعويل على إمكانية إنهاء الحرب تفاوضياً، ومن المناخ المأزوم  في عموم القارة الأوروبية، والمشكلات السياسية المتصاعدة التي تواجه عدداً من الدول الأوروبية، وتراجع مؤشراتها الاقتصادية، واستفحال أزمة العجز في الموازنات الحكومية.

وبما يخص قمة شرم الشيخ، فإننا إذ نرحب بطي صفحة الحرب الأخيرة على المدنيين في غزة، لكننا نعتقد أن الضغط الأمريكي للوصول إلى اتفاق هو استمرار لنهج الإدارة الأمريكية الحالية القائم على عقد صفقات سلام، قد لا تصمد بالضرورة لفترات طويلة، لكن الغاية منها تقليل عدد الجبهات لمصلحة الجبهة الأكثر أهمية، المتمثلة بتصاعد الحرب التجارية مع الصين، وما تنطوي عليه من مخاطر تصعيد عسكري محتمل.

بالنسبة للاتفاق، فإن حزبنا يجده عمومياً، ويحمل انحيازاً واضحاً لحكومة بنيامنين نتنياهو، خصوصاً أنه يتجاهل المطلب الأساس المتعلق بحل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، ويتعطى مع ملف غزة بوصفه ملفاً منفصلاً عن القضية برمّتها، كما أنه من الناحية التقنية لا يتضمن التزامات دولية سياسية ومالية واضحة بشأن إعادة إعمار غزة، التي أصبحت مدمرة بشكل شبه كامل، كما لا توجد أي التزامات تجاه عائلات الضحايا المدنيين.

من الناحية العملية، تسعى واشنطن وتل أبيب عبر هذا الاتفاق إلى تبريد موجة المناصرة العالمية لقضية الشعب الفلسطيني، التي أخذت زخماً كبيراً، عبر  اعتراف عدد من الدول المهمة بدولة فلسطين، أو من خلال موجات الاحتجاج الكبرى التي شهدتها كبريات العواصم العالمية، دعماً لحقوق الشعب الفلسطيني.  

في الوقت ذاته، يؤكد حزبنا على ضرورة إجراء القوى السياسية الفلسطينية لمراجعة شاملة، لتخطي حالة الانقسام الفلسطيني، وإعادة بناء بوصلة سياسية وبرنامج عمل جديد، خصوصاً بعد المتغيّرات الكبرى التي عصفت بالإقليم في العامين الأخيرين.

وبما يخص زيارة الرئيس الانتقالي إلى موسكو، فإن حزبنا يجد أن هذه الخطوة في جانب مهم انعكاس لأزمة تضارب مصالح اللاعبين الأساسيين في الميدان السوري، ومحاولة لإحداث شيء من التوازن بين إسرائيل وتركيا، بالإضافة إلى كونها جزءاً من نهج سلطة الأمر الواقع للقول إنها تكتسب شرعية متزايدة من القوى الكبرى في العالم، لكن من الناحية العملية، لا يمكن التكهّن حتى الآن بالجدوى العملية للزيارة، خصوصاً فيما يتعلق بجدول الأعمال المعلن، إذ أن ملف الإعمار ملف مؤجل في سوريا إلى إشعار آخر، كما أن قرار إعادة تسليح الجيش ليس قراراً سيادياً لسلطة دمشق في إطار موازين القوى القائم.

إننا في الحزب الدستوري، نعيد التأكيد على أن محاولة اكتساب سلطة الأمر الواقع في دمشق لشرعيتها من خلال الخارج، وسعيها للبقاء من خلال إدارة التوازنات بين القوى الخارجية، التي تتقاسم الأرض السورية، هو استمرار لنهج التفريط بالسيادة السورية، وتأكيد على إدراكها بعدم امتلاك الشرعية الوطنية والدستورية،  ومحاولة التعويض عن هذه الشرعية من خلال تقديم تنازلات سيادية لقوى الاحتلال في سوريا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق