أخبار سورية

التقرير السياسي لشهر يناير/ كانون الثاني 2026 …. تفكك قواعد القانون الدولي وعالم مفتوح على حروب جديدة

مقدمة

يشهد النظام الدولي مع مطلع هذا العام تحولات عميقة مرتبطة بكشل مباشر بمسار  التآكل الطويل الذي أصاب منظومة العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. غير أن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها الخطوة الأمريكية في كراكاس، وتصريحات الرئيس ترامب حول رغبته في استحواذ بلاده على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك،  وقراراته بوقف تمويل عدد كبير من منظمات تابعة للأمم المتحدة، تشير إلى أننا نعيش في عصر  تفككت فيه قواعد القانون الدولي المؤسسة للأمم المتحدة.  

أولًاً: القسم الدولي

1-كراكاس: اعتقال مادورو كنهاية رمزية للنظام الدولي بعد 1945

يمثّل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعملية عسكرية مباشرة، خارج أي تفويض أممي أو إطار قانوني دولي، نقطة انعطاف مفصلية في مسار النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، فهذا النظام قام، نظريًاً وعملياً، على: مبدأ سيادة الدول، وحصر استخدام القوة بقرارات مجلس الأمن، وتنظيم العلاقات الدولية عبر مؤسسات متعددة الأطراف. 

غير أن ما جرى في كراكاس يعكس تخلي القوة الأعظم في النظام عن هذه الأسس، وانتقالها إلى منطق الفعل الأحادي غير المقيد بالقانون الدولي، ولئن لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتصرف فيها أمريكا خارج الأمم المتحدة، فقد فعلتها في عام 2003 في العراق، لكن منذ ذلك الوقت ولغاية اليوم، وخصوصاً بعد غزو روسيا لأوكرانيا، وتصاعد الصراع الأمريكي الصيني، وحالة شبه لشلل التي عانى منها مجلس الأمن في السنوات الأخيرة، تبدو الخطوة الأمريكية إعلاناً صريحاً عن التخلي عن منطق العلاقات الدولية والقواعد القانونية الأممية اللتي تحكمها. 

2- وقف تمويل المنظمات الأممية: تفكيك متعمد للنظام الدولي

يتكامل المشهد السابق مع قرار إدارة ترامب وقف دعم وتمويل أكثر من 30 منظمة وبرنامجاً تابعًا للأمم المتحدة، وهو قرار لا يمكن فهمه باعتباره خلافاً إدارياً أو مالياً، وإنما بوصفه خياراً منسجماً مع الانسحاب من التزامات الأمم المتحدة، أو العمل المشترك مع الأطراف الدولية، خصوصاً في قضايا عالمية، تحتاج إلى توافقات وتمويلات كبرى، مثل قضايا الصحة والغذاء والهجرة. 

3-غرينلاند: العودة إلى الجغرافيا الصلبة ومنطق النفوذ المباشر

تندرج خطوة واشنطن الأخيرة تجاه جزيرة غرينلاند ضمن منطق التحرك أحادي الجانب الذي يكرسه السلوك الأمريكي في كراكاس. فقد أظهرت واشنطن أن التحالفات التقليدية والقوانين الدولية لم تعد قيوداً على نفوذها، وأن الجغرافيا الصلبة والموارد الطبيعية هي محدد رئيس في اتخاذ القرارات الاستراتيجية. ويؤكد هذا الموقف أن الولايات المتحدة تعود إلى أسلوب النفوذ المباشر في إدارة مناطق ذات أهمية جيوسياسية.

4- الحرب في أوكرانيا: صراع طويل في عالم بلا قواعد

تستمر الحرب الروسية–الأوكرانية من دون أفق سياسي واضح، ويستمر معها التصعيد العسكري المتبادل من الطرفين، واستهداف البنى التحتية المدنية، ومحطات توليد الكهرباء، في الوقت الذي يزداد فيه العبء الاستراتيجي على أوروبا، وكذلك عبء خياراتها تجاه أوكرانيا، بما يخص استمرار الدعم المالي والعسكري، ناهيك عن بحث خيارات الاستقلال الدفاعي، في ضوء تراجع متانة التحالف مع الولايات المتحدة، وزيادة عدم الثقة الأوروبية بواشنطن. 

5- الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية: البحث عن بدائل في عالم مضطرب

مع عودة دونالد ترامب للحكم منذ عام، وتصاعد حدة التوتر بين واشنطن وأوروبا، والآن خطوة ترامب في فنزويلا، تسعى أوروبا إلى إعادة موضعة شراكاتها لتقليل الاعتماد على واشنطن وبكين، وهو ما يفسر توقيع الاتحاد الأوروبي عدداً من التفاهمات مع دول مهمة في أمريكا اللاتينية في مقدمتها البرازيل والأرجنتين، وهي تفاهمات مهمة لطرفين يعانيان ضغوطاً سياسية وتجارية وضريبية من واشنطن. 

ثانياً- القسم الإقليمي

1- إيران بين احتجاجات الداخل وضغوط الخارج : 

تستمر الاحتجاجات المطلبية في إيران، لكن بوتيرة أقل من السابق، وتمثل شعاراتها طبقة “البازار”، والتي تجمع بين التجار والطبقة الوسطى، مع محاولات النظام احتواء هذه المظاهرات والدعوة للحوار، في الوقت الذي أظهرت فيه أمريكا وأوروبا وإسرائيل دعمها لهذه المظاهرات، والإعلان الإسرائيلي الأمريكي عن قرب توجيه ضربة قوية لإيران، لكن سرعان ما جرى التراجع أمريكياً وإسرائيلياً عن التصعيد الإعلامي. 

2- الخلاف السعودي–الإماراتي: 

أظهرت الوقائع العسكرية والسياسية في الملف اليمني تبايناً وخلافاً بين السعودية والإمارات، وقد حاولت الدولتان تهدئة الموقف واحتوائه، مع تقدم عملي للرياض في إدارة وتكشيل العلاقات بين الحكومة اليمنية والقوى السياسية في الجنوب، حيث تعدّ الرياض اليمن عامة، وجنوبه خاصة، مسألة أمن قومي.

الخلاف في اليمن يوحي بوجود قراءات مختلفة قد تتجاوز ملف اليمن إلى ملفات أخرى، خصوصًا أن هذا التباين موجود أيضاً في الملف السوداني، لكن لا تزال المؤشرات أقل من أن تجزم بوجود افتراق تام في السياسات.

3– العراق: عودة المالكي: 

تأتي عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وقد انسحب رئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني من المنافسة على المنصب، نتيجة اختلال موازين القوى الداخلية، خصوصاً في الإطار التنسيقي، ووجود ضغط كبير من القوى السياسية والعسكرية الموالية لإيران، تصب في مصلحة تولي المالكي رئاسة الحكومة،  وهو ما يعكس رغبة طهران في  إظهار  مدى نفوذها في الساحة العراقية. 

ثالثا- سوريا: 

1-العودة للتفاوض بين حكومة سلطة الأمر الواقع في دمشق وبين إسرائيل: 

بعد انقطاع في التفاوض لأكثر من ثلاثة أشهر، بدأت جولة تفاوض جديدة بين الطرفين في 5 و6 منن الشهر الجاري، في العاصمة الفرنسية باريس، وقد حضرها من جانب “السلطة” وزير الخارجية أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات حسن سلامة، وعن الجانب الإسرائيلي سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يشييل ليتر ومستشارون أمنيون من جانب رئيس الوزراء،. 

البيان الصادر عن الاجتماع، والذي أقرّ بإنشاء “آلية تنسيق مشتركة” ضم النقاط التالية: 

  • مشاركة المعلومات الاستخبارية.
  • التواصل العسكري لتخفيف حدة التوتر.
  • التعاون الدبلوماسي.
  • فتح إمكانات للتعاون في المجالات التجارية.

وتظهر هذه النقاط أن التفاوض على عودة إسرائيل للالتزام باتفاقية الهدنة مع سوريا لعام 1974، لم يكن على جدول الأعمال، وأن البنود نفسها، بالإضافة إلى غموضها، تكشف مستوى غياب القرار السيادي لدى سلطة دمشق، أو حتى انعدام معنى هذا القرار. 

2- معارك سلطة دمشق وقسد في حلب: 

مرة أخرى اندلعت الاشتباكات بين قوات سلطة دمشق وقوات قسد في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وانتهت المعركة إلى تفاهم يقضي بانسحاب مقاتلي قسد، بعد معارك نزح خلالها آلاف المدنيين الكرد، وأتت هذه المعركة بالأصل كنتيجة لفشل المسار التفاوضي لاتفاق “الشرع-عبدي” في العاشر من مارس/ آذار الماضي، وتصعيد تركيا لهجتها ضد قسد، والتي دفعت جدياً تجاه هذه المعركة عبر فرق تابعة لها، لاستكمال وضع يدها على حلب. 

3-استمرار التدهور الأمني والطائفي: 

في حمص، أقدم مسلحون على قتل أربعة من الكادر التمريضي العاملين في مشفى الكندي، وهم من الطائفة العلوية، وتأتي هذه الحادثة بعد وقت قصير من تفجير مسجد للطائفة، راح ضحيته 8 مواطنين وجرح فيه حوالي 30 مواطناً. 

وفي الساحل، طالت موجة اعتقالات عدداً من المشاركين في المظاهرة التي دعا إليها الشيخ غزال غزال للمطالبة بالفيدرالية، وعدد المعتقلين 27 مواطناً، ولم يتم إطلاق سراح أي منهم. 

4- تراجع قيمة الليرة: 

بدأت الليرة تهوي لتصل إلى سعر صرف أمام العملات الأجنبية قريب من سعر صرفها قبل سقوط نظام بشار الأسد، ليؤكد أن عمليات الضخ الخارجية بالعملات الصعبة شحيحة، وأن ما حاولت السلطة الترويج له من استثمارات عارٍ عن الصحة.

5- تسوية علنية بين “حمشو” و”السلطة”:

 أجرت سلطة دمشق عملية تسوية قانونية ومالية مع محمد حمشو، المعروف بأنه أحد ممولي وشركاء نظام بشار الأسد، وقد وقف مواطنون ومواطنات وقفة احتجاجية على هذه التسوية، مطالبين السلطة بتوضيح أسبابها، في الوقت الذي لم يتمكن فيه سكان مناطق متضررة من فساده ودعمه لعمليات قصف المباني، من العودة لبيوتهم، مثل أهالي حي جوبر الدمشقي.

رأي الحزب: 

نحن في الحزب الدستوري السوري، نرى:
1-أن النظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، وتجلّت موازين قواه في بنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بات اليوم فاقداً إلى حدٍّ كبير لفعاليته العملية، حيث يشهد العالم تآكلاً متسارعاً في منظومة القواعد القانونية الدولية الناظمة للعلاقات بين الدول، ما أفضى إلى حالة من الفراغ المعياري، تترافق مع تشكّل تحالفات دولية جديدة في سياق إعادة تموضع القوى الكبرى، ولا سيما في مواجهة تراجع الدور الأميركي عن الالتزام بتلك القواعد.

2-إن السلوك الأمريكي في فنزويلا وغرينلاند يستعيد الاستعمار القديم بشكله المباشر، بعيداً عن أي حاجة لوجود تبريرات ذات طابع سياسي أو أخلاقي. 

3- أوروبا على مفترق طرق، وأمام خيارات استراتيجية صعبة، لمواجهة ضغوط واشنطن وبكين، ومحاولة تأكيد مصالحها، من خلال إعادة بناء قواها الدفاعية، وضمان عدم تراجع اقتصاداتها، وعدم تحوّل هذه التحديات إلى مشكلات وخلل في بنية الاتحاد. 

4- أن مظاهرات إيران هي جزء من مظاهرات عرفتها البلاد منذ عام 2009، من أجل إصلاح النظام السياسي والاقتصادي، لكنها تأتي بعد أشهر قليلة من حرب شنتها إسرائيل، حاولت من خلالها إسقاط النظام، ومن شأن هذا الضغط الداخلي والخارجي أن يضع القيادة الحالية أمام خيارات صعبة، خصوصاً أن تجارب الربيع العربي التي أدت إلى تفتيت الدول لا تزال حاضرة وراهنة. 

5-أن المفاوضات بين سلطة دمشق وإسرائيل هي احتياج للسلطة من أجل تثبيت اعتراف إسرائيلي بها، من شأنه أن يمكنها من الاستمرار، لكن إسرائيل، ضمن موازين القوى الحالية لا تجد مبرراً للوصول إلى اتفاق نهائي مع هذه السلطة، وأنها ستبقي أي اتفاق في صيغة تفاهمات فقط.  

6- لم يكن مفاجئاً غلبة فصائل سلطة دمشق على قوات قسد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، نظراً لعدم وجود طرق إمداد، لكن بغض النظر عن هذا الأمر، فإنه كان متوقعاً أن تضغط السلطة، ومن ورائها تركيا على قسد في خاصرة رخوة، وكان الأفضل من الناحية العسكرية عقد اتفاق يقضي بانسحاب مقاتلي قسد مقابل حماية الأهالي. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق