لماذا السلطة مفلسة مالياً؟

حسام ميرو
بات واضحاً لعموم السوريين أن سلطة الأمر الواقع في دمشق في حالة شبه إفلاس مالي، وكانت قد أشاعت في بداية وصولها للحكم بأن تحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية مرهونان بإلغاء قانون قيصر، لكن على الرغم من إلغاء القانون، فإن الأوضاع ذاهبة إلى حالة تدهور سريع، ظهرت بشكل فاضح في فرضها تسعيرة كهرباء جديدة، لا تتناسب مع دخل المواطنين العاملين، سواءً في القطاع العام أو في القطاع الخاص، فكيف الحال إذن مع شريحة واسعة من السوريين فقدوا أعمالهم خلال سنوات الحرب، أو غير قادرين على العمل، وبشكل آلي، ارتفعت أسعار سلع غذائية أساسية في مقدمتها الخبز، وكل ما هو مرتبط بقطاع الطاقة، خصوصاً قطاع النقل.
كان واضحاً منذ البداية أن السلطة مهتمة باكتساب شرعيتها من الخارج، خصوصاً لكونها كانت مصنفة على قائمة الإرهاب في مجلس الأمن، وأرادت إظهار صورة مختلفة عن نفسها، لكنها، هي وداعميها الإقليميين، نسوا أو تناسوا ضرورة اكتساب أي سلطة تأتي بعد الحرب لشرعية داخلية، في بلد عانى لسنوات طويلة من انقسامات مجتمعية عميقة، ويحتاج كي يستعيد تعافيه إلى وضع خطط قانونية وعملية للتخفيف ما أمكن من حدة الانقسامات التي ضربت بناه الاجتماعية، ومزقت نسيجه الوطني.
تجارب ما بعد الحروب، تؤكد بوضوح أن التعافي الاقتصادي لا يبدأ بإصلاح الموازنة أو استقرار سعر الصرف، وإنما بوابته الأساسية كتابة عقد اجتماعي جديد يُنهي الانقسامات، ويُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ يستحيل جلب الاستثمارات في بيئة يحكمها الخوف، ولا يمكن تحقيق أي نمو في ظل استمرار الانقسامات، ولا تمويلات دولية في ظل احتمالات عودة العنف، فرأس المال – سواء كان محلياً أم دولياً – لا يتحرك نحو بلد خرج للتو من حرب أهلية إلا إذا حصل على إشارة سياسية واضحة بأن قواعد اللعبة تغيرت، وأن البلاد ذاهبة نحو استقرار طويل الأمد لا نحو جولة جديدة من الصراع.
من هذا المنظور، تبدو الأزمة المالية الراهنة نتيجة سياسية بقدر ما هي مالية، فبدل أن تضع السلطة الجديدة مساراً واضحاً لحوار وطني شامل يؤسس لتسوية انتقالية جامعة، اتجهت إلى إعادة تركيز القرار في دائرة ضيقة، متجاوزة الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي يطمئن المجتمع ككل، كما أسرعت نحو السيطرة السريعة على مؤسسات الدولة، وتسريح حوالي نصف مليون موظف من الدولة، كانوا جزءاً أساسياً من البيروقراطية السورية، التي حمت انهيار مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب، وقامت بتعيين كوادر لا تمتلك المؤهلات والخبرات الكافية لإدارة المؤسسات، معتمدة قاعدة الولاء والمحسوبية.
ولم يقتصر الأمر على مسألة احتكار القرار، بل تعززت المخاوف مع المجازر التي طالت العلويين في الساحل والدروز في السويداء، في مرحلة انتقالية يُفترض أن يكون عنوانها المصالحة واحتواء الجراح، ما زاد من عمق الانقسامات، ومنحها طابعاً طائفياً، ومن الناحية الاقتصادية، يتحول هذا السلوك إلى عامل مخاطرة مباشر، فهو يبعث برسالة سلبية إلى الداخل والخارج مفادها أن الاستقرار لا يزال هشاً، وأن الضمانات الأمنية غير موجودة، وبالتالي فإن رأس المال المحتمل يصبح في حالة تأجيل، أو حتى انعدام الثقة ببيئة الاستثمار السورية إلى أمد غير منظور.
إن القاعدة الأساسية في متانة الملاءة المالية للدولة، مطلق دولة، تأتي بشكل رئيس من الإيرادات العامة، التي تستند على إمكانية بناء نظام ضريبي متوازن، لكن من الناحية العملية، فإن بلداً طحنته الحرب، وهشّمت مقومات اقتصاده من صناعة وتجارة وسياحة وعمران، لا يمكن فيه البدء بتوسيع الضريبة من دون أن تبدأ دورة الإنتاج الكلية بالعمل، وهي دورة تستلزم بالدرجة الأولى تحقيق مناخ سياسي وأمني وتشريعي مستقر، لكن القفز عن كل هذه المتطلبات، بل والعمل على نقيضها، هو وصفة كارثية لاندثار ما تبقى من مقومات الاقتصاد السوري.
هذا المناخ السياسي انعكس بشكل مباشر على بنية الإيرادات العامة، فالدولة التي لا يثق بها جزء من مجتمعها تجد صعوبة في توسيع قاعدتها الضريبية، لأن الامتثال الطوعي يرتبط بالإحساس بالمواطنة المتساوية، كما أن الاقتصاد غير الرسمي يتوسع كلما ضعفت الثقة بالمؤسسات، ما يقلّص قدرة الدولة على الجباية، وفي المقابل، ترتفع النفقات في مرحلة ما بعد الحرب، إذ تُطالب السلطة بإعادة بناء المؤسسات الأمنية، ودفع رواتب القطاع العام، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، واحتواء التوترات الاجتماعية، وعبر هذا المسار يتشكل عجز هيكلي، معادلته إيرادات محدودة في مقابل التزامات متزايدة.
أما الرهان على الموارد الطبيعية أو التمويل الخارجي، فيبقى محدود الأثر ما لم يُدعَم بإطار سياسي مطمئن، فالموارد تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها، ولاستثمارات تحتاج إلى استقرار، والتمويل الدولي، مهما بدا متاحاً في الخطاب، فإنه يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالحوكمة، وحقوق الإنسان، ووضوح المسار السياسي، وإذا سادت قناعة بأن البلاد قد تنزلق إلى صراعات داخلية جديدة، فإن الدعم سيتحول إلى مساعدات إنسانية محدودة بدل برامج إعادة إعمار واسعة وطويلة الأمد.
وفي ظل هذا الانسداد، تزداد مخاطر اللجوء إلى أدوات مالية قصيرة الأمد، مثل التوسع النقدي لتغطية العجز، وهو ما يفتح الباب أمام تضخم يُضعف القوة الشرائية ويقوّض الثقة بالعملة الوطنية، والتي هي بالأساس منهارة، وعندما تتآكل الدخول الحقيقية للمواطنين، تتراجع القدرة الاستهلاكية، فينكمش الطلب، ويزداد الركود، وتدخل الدولة في حلقة مفرغة، بين العجز والتضخم، وهذه الحلقة المفرغة موجودة أساساً، وهي تزداد كل يوم، مع تآكل غير مسبوق للقدرة الشرائية للمواطن السوري، مع أن نسبة السكان كانت قبل وصول هذه السلطة إلى الحكم قد بلغت حوالي 90% من مجمل السكان.
إن الإفلاس المالي الذي وصلت إليه، كان مساراً أكيداً نتيجة خياراتها العديدة في الداخل، ابتداءً من حرمان السوريين فرصة كتابة عقد وطني جديد، أو تضييق دائرة صنع القرار، بصيغة عائلية – فصائلية، وتصعيد الانقسام الطائفي عبر المجازر، ومحاولة أدلجة الدولة والمجتمع سلفياً، وكل هذه العوامل أوضحت للدول والمستثمرين الخارجيين والمحليين باستحالة الاستثمار في هذه البيئة، التي لا تزال امتداداً للحرب الأهلية.