سوريا من وعد التحرّر إلى خيبة الانقسام
مجد إيراهيم
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد حدثًا عابرًا في تاريخ سوريا الحديث، بل مثّل لحظة فارقة انتظرها ملايين السوريين بعد عقود من القمع والاضطهاد. ومع انطواء صفحة الطغيان، بدا وكأن الأفق يفتح على ولادة وطن جديد، يرفع راية التحرر وكرامة الإنسان. غير أن الأمل الذي عمّ الشارع السوري في الأيام الأولى سرعان ما تبدّد أمام سياسات سلطات ما بعد الأسد، التي ورثت ممارسات النظام السابق وأعادت إنتاجها بأشكال أكثر فجاجة.
لقد ترك النظام السابق وراءه بلدًا مثقلاً بالانقسامات الطائفية والاجتماعية، غذّاها على مدى سنوات بسياسة “فرّق تسد”. ورغم أن جزءًا من المجتمع ظل مؤيدًا له حتى اللحظة الأخيرة، إلا أن معظم أنصاره آثروا الصمت بعد السقوط وقد خاب أملهم من تعنّت قيادتهم. هنا برزت فرصة نادرة أمام السلطة الجديدة لتبني نهج المصالحة والعدالة الانتقالية، لكنها أهدرت هذه الفرصة التاريخية، واختارت بدلاً منها طريق الانتقام والتحريض الطائفي.
بدأت الانتهاكات في حمص وريفها وريف حماة، حيث استُهدفت الطائفتان العلوية والشيعية بذريعة “ملاحقة فلول النظام”. تدرجت الأحداث من خطف واعتقالات تعسفية إلى تهجير جماعي، قبل أن تمتد إلى الساحل السوري. وهناك، تحولت حادثة محدودة في جبلة إلى ذريعة لاقتحام بانياس وجبلة وأجزاء من اللاذقية، ارتُكبت خلالها مجازر بحق المدنيين، وسط نهب وقتل ممنهج.
ورغم الإدانات الدولية، واصلت السلطة الجديدة نهجها التدميري، لتطال حملاتها لاحقًا الطائفة الدرزية في دمشق وضواحيها، ثم الأحياء المسيحية التي شهدت تفجير كنيسة مار الياس في الدويلعة، وأخيرًا محافظة السويداء التي عانت اجتياحًا دمويًا شاركت فيه بعض العشائر العربية، وسط تدخل إسرائيلي بدعوى حماية الدروز.
بهذا النهج، أثبتت سلطة أحمد الشرع أنها لم تأتِ لتبني سوريا جديدة، وإنما لتعيد إنتاج أسوأ ما عرفته البلاد: القتل على الهوية، والتحريض الطائفي، وغياب أي مشروع وطني جامع. ومع كل مجزرة جديدة، ازداد الشرخ بين المكونات السورية، وتبددت ثقة الناس بقدرة هذه السلطة على قيادة البلاد نحو مستقبل مختلف.
تذكّرنا الفيلسوفة الألمانية حنّة أرندت بأن العنف لا يصنع شرعية، وهو دليل على غيابها، فالسلطة التي تستعيض عن الرضا العام بالإكراه، تُقايض زمنًا قصيرًا من السيطرة بتآكل طويل المدى لأسس الدولة. ما حدث في سوريا بعد سقوط الأسد يشي بأن المشكلة ليست في تغيير رأس الهرم بقدر ما هي في غياب عقد اجتماعي جديد يَستمد السلطة من موافقة محكوميها لا من خوفهم. ومن دون قواعد لعبة متفق عليها—دستور ضامن للحقوق، ومواطنة تُقدّم الفرد على الجماعة، ومؤسسات تُحاسِب—ستبقى أي سلطة رهينة فائض القوة لا فائض الشرعية
وكان عبد الرحمن الكواكبي في كتابه ” طبائع الاستبداد” قد حذّر من أن الاستبداد يتناسخ حين لا تُفكّك بيئته الحاضنة: الجهل، والطائفية، واحتكار الثروة والقوة. وعليه، لا يكفي تبديل الأسماء واليافطات؛ المطلوب تفكيك منظومة الامتيازات عبر مسارات واضحة: استقلال القضاء فعلاً لا قولًا، قانون أحزاب وتمويل سياسي شفاف، لامركزية إدارية تُعيد توزيع السلطة والثروة، رقابة مدنية على الأجهزة الأمنية، وتجريمٌ صريح لخطاب الكراهية مع ضمان حياد الدولة الديني والقومي. هذه ليست كماليات إصلاحية، بل شروط النجاة من دورة استبدادٍ جديدة بملامح ثورية.
قد تحوّل الحلم الذي رافق سقوط الأسد إلى كابوس آخر. وبينما كان السوريون يتطلعون إلى العدالة والحرية، وجدوا أنفسهم أمام سلطة أكثر عجزًا وقسوة، لا تملك سوى سلاح التخويف والانقسام.
إن سقوط نظام وصعود آخر، واستبدال رئيس “قومي” ب”سلفي”، لا يبني شرعية شرعية سياسية، فالشرعية تقاس برضا الناس، وقدرة المؤسسات على حماية حياتهم وكرامتهم بالتساوي، ومن دون ذلك، سنكتب فصلًا جديدًا في كتاب الاستبداد ذاته—بغلافٍ مختلف فقط.