قراءة نقدية في ورقة “الخطوط الوطنية الحمراء”
علاء الخطيب
أصدر الحزب الدستوري السوري (حدس) والكتلة الوطنية السورية وثيقة مشتركة بعنوان “ورقة الخطوط الحمراء”، كاستجابة للظرف الذي تعيشه سوريا منذ سقوط نظام الأسد، واحتكار السلطة من قبل قادة عملية “ردع العدوان”. ولعلّ هذه الوثيقة هي الاستجابة السورية الأولى المُنظمة سياسياً، التي تعلن رفضها لسلطة الأمر الواقع بقيادة السيد أحمد الشرع.
طرحت الوثيقة تسعة خطوط حمراء، تتناول فيها أسس وطنية وحقوقية وأخلاقية لا خلاف عليها مبدئياً. لكن مع ذلك، ومن باب النقد البناء، أسجل اختلافي مع بعض ما جاء في الوثيقة، واقتراحات لإغناء وشمولية الطرح.
من يحقّ له إطلاق حكم الخيانة العظمى؟
ورد في الفقرة 1 ما يلي: “إن أي مساس بوحدة سوريا الجغرافية والسياسية هو خيانة وطنية كبرى“.
إن التمسك بوحدة سوريا الجغرافية والسياسية بحدودها الدولية المعترف بها هو بالتأكيد ليس فقط خطاً أحمراً، بل أيضا يجب أن يكون مبدأً فوق دستوري. لكن هذه الصياغة التي تطلق حكم “الخيانة العظمى” على أي “مساس” بوحدة سورية غير موفقة للأسباب التالية:
- كمبدأ ديمقراطي، من حق المواطنين أن يطالبوا باستقلال أو انفصال مقاطعة ما، فالمطالبة بحد ذاتها ليست ضد الديمقراطية وحقوق الانسان التي نصبو لها كسوريين.
- هذه الصياغة صياغةٌ عائمة، فماذا يعني “المساس”؟ ومن يقرر أن رأياً أو موقفاً سياسياً هو “مساس” بالوحدة الوطنية. هذه المبادئ أو الخطوط الحمراء يجب أن تكون واضحة ومحددة ولا تحتمل الكثير من الاختلاف بالتفسير أو التأويل.
- وهذه هي النقطة الأهم، لقد عانى السوريون الكثير بسبب احتكار نظام الأسدين، والآن السلطة المؤقتة، لتعريف الوطنية والشرف، مثلهم مثل الشيوخ الإسلاميين الذين يحتكرون حكم الإيمان والكفر. وهذه الممارسة، أي توزيع أحكام الخيانة والوطنية، هي ممارسة لصيقة بأشكال الحكم الديكتاتوري. وقد تم استخدامها، وما زال، لتعميق الشروخ الطائفية والقومية والسياسية بين السوريين. لذلك يجب مواجهة أي دعوات لإطلاق أحكام التخوين ضد أفراد أو جماعات سورية بسبب الاختلاف معها. بكلمات أخرى يجب أن يكون حكم الخيانة محصوراً بالمحاكم المختصة ضمن نظام قضائي شفاف عادل ومحايد.
قد يُقال، لكن العبارة لا تتوجه لأشخاص أو جماعات معينة، بل تحكم على السلوك بحد ذاته، وهذا صحيح؛ لكن التجربة الإنسانية عموماً والسورية خصوصاً علمتنا أن هذه النصوص تفتح أبواباً لأعاصير لا يمكن مواجهتها. وخصوصاُ في هذه المرحلة، حيث نشهد استسهال توجيه الاتهامات بالخيانة والعمالة والانفصالية، من دون تقدير للظرف القائم، ولا لتعقيد الأزمة السورية.
نفس النقاش يمكن أن ينطبق على الفقرة 4، التي أوردت “تجريم الطائفية والتنظيمات التكفيرية بكلّ مسمياتها، واعتبارها عدوّاً وطنياً …“. وهنا أشير لعامل مهم جدا وهو أن الشعب السوري كان أشبه باليتيم على مائدة اللئام طوال 14 سنة، فكل الوسائل الإعلامية، الكبيرة والصغيرة، ومن كل الأطراف عملت على زرع وترسيخ المشكلة الطائفية والقومية، فإطلاق حكم “العداء للوطن” أيضا عام وغير عادل.
كذلك يجب التمييز هنا بين عموم الناس، وبين الجهات والأشخاص الذين يستخدمون هذه النداءات التحريضية لغايات وأهداف مختلفة خارج نطاق الهدف الوطني، وبشكل منظم. إن أحد أهم مهام الدولة السورية الجديدة هي محاولة إنقاذ الجيل الصغير والشاب من قناعات وأفكار ومشاعر تدور حول القوميات والدين والطوائف، وتسير بهم للتطرف.
في كلا الحالتين، سوريا بحاجة لقوانين تجرم التحريض وخطاب الكراهية ضد أيٍ من المكونات السورية، لكن هذا لا يعني بأي شكل التخوين أو العداء. طبعاً، هذه الإجراءات القانونية شديدة الحساسية ودقيقة وبحاجة لتوسع بدراستها وتحليلها كي لا تتحول لأدوات ضغط سياسي.
الشروخ الطائفية والقومية الشاقولية
ركزت الوثيقة على الشرخ الشاقولي الطائفي الذي عانى منه السوريون منذ خمسين سنة، لكنها أهملت الإشارة إلى أن الانتماء القومي، خاصة ما بين العرب والكورد، تم استغلاله ليشكل انشقاقاً شاقولياً لا يقل خطورة عن الانشقاق الطائفي. فمنذ عشر سنين تصاعدت المشكلة العربية الكوردية في سوريا بشكل كبير، مع بدايات تشكيل قوات سورية الديمقراطية؛ وقد ظهر عند الطرفين فئات متطرفة بطرحها القومي لدرجة الإقصاء، والتهجم على الأخر بما يمكن وصفه حتى بالعنصرية.
تشكل هذه المشكلة أحد الأدوات التي تستخدمها السلطة المؤقتة في سياسة “فرق تسد”، ناهيك عن تأثر وتأثير هذه المشكلة بدول الإقليم والصراع الجيوسياسي حول وفوق سوريا. لذلك مواجهة ورفض خطاب التحريض القومي، سواء العربي أو الكوردي، ضرورة قصوى أيضا.
طرح البديل: شكل سوريا المستقبل
الوثيقة تفتقر لطرح شكل الدولة السورية المأمولة بشكل واضح ومحدد، خصوصاً أننا أمام سلطة أمر واقع لا تقدم رؤيةً، بل تسعى للدولة الديكتاتورية.
ما أعرفه عن الجهتين المصدرتين للوثيقة يتسق مع ما أطرحه هنا حول شكل سوريا المستقبل. سوريا يجب أن تكون دولة مبنية وفق بنية مؤسساتية حديثة وقوية وخبيرة؛ وتقوم كدولة وكعقد اجتماعي على ثلاث ركائز هي: الديمقراطية، والعلمانية، وشرعة حقوق الإنسان الدولية والمعاهدات الدولية المنبثقة عنها.
هذا الطرح سيشكل أيضا طرحا بديلا لما تم رفضه في الفقرتين 3 و4 (رفض الاستبداد، ورفض التطرف والإرهاب)؛ وبالتالي يزداد غنى الوثيقة بطرح البديل وليس الاكتفاء بالنقد.
المصالحة الشعبية-الشعبية السورية
رغم أن الصراع داخل وفوق سوريا لم يكن لأهداف طائفية أو قومية؛ لكن الحقيقة المرّة هي أن صناع هذا الصراع الداخليين والخارجيين استخدموا واستغلوا التنوع الطائفي والقومي للمجتمع السوري، وتحول الانتماء الطائفي والقومي لدافع يمكن استغلاله من قبل صناع قرار الصراع؛ وبالتالي تم بناء أوهام كبرى حول سوريا، مثل أن “العلويون حكموا سوريا، والآن السنة يحكمون سوريا”، ومثل أن “العرب حكموا سوريا، والآن لا ثقة بحكم العرب”.
فبعد 40 سنة من حكم الأسدين اللذين رسخا ديكتاتوريتهما باستخدام مبدأ “فرق تسد”، وبالتالي استغلال التنوع الطائفي والقومي؛ وبعد 14 سنة من الصراع الدامي داخل وفوق سوريا؛ والآن مع سلطة الأمر الواقع التي تستغل نفس الأدوات؛ فإن أصعب وأخطر التحديات التي تواجه بناء الدولة السورية هو الشروخ الشاقولية الطائفية والقومية، بل والسياسية والمناطقية؛ ومواجهتها ليس مجرد قرار، أو دعوات عاطفية وطنية، ولا يكفي تشريع القوانين أو العقوبات.
مواجهة الانشقاق الاجتماعي السوري الشاقولي تحتاج لإطلاق خطة بعيدة المدى لمواجهة هذا التحدي. خطة مبنية بشكل علمي ومدروس ويستفيد من تجارب الشعوب الأخرى، ويسير وفق ثلاث مراحل: قصيرة، ومتوسطة، وبعيد المدى. فالوثيقة بحاجة لطرح واضح يتضمن ضرورة إطلاق حملة مدروسة للمصالحة الشعبية-الشعبية السورية.
خاتمة
تشكل هذه الوثيقة أول عمل منظم سياسيا في سورية بعد سقوط نظام الأسد، وهي خطوة مشكورة من حيث المبدأ، وتتضمن أيضا الأسس الصحيحة الضرورية لبناء سورية المستقبل، والتي تلبي أهداف الثورة السورية. لذلك فنقاشها ونقدها ضرورة لإغنائها، ولإعادة محاولة إطلاق حياة سياسية سورية حقيقية، والخروج من نمط المعارضة الفردي أو المجموعاتي.