تقرير سياسي لشهر ديسمبر/ كانون الأول 2023
فرضت تطورات الأوضاع في غزة نفسها كحدث رئيسي، أعاد الأنظار مجدداً إلى الشرق الأوسط كساحة ساخنة ومهمة، وعلى الرغم من الهدنة لأيام معدودة، جرى خلالها تبادل أسرى بين “حماس” والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن أسئلة المآلات أصبحت أكثر إلحاحاً من الواقع الميداني، ليس فقط على جانب حكومة الكيان، التي تواجه استحقاقات داخلية عديدة، من أهمها التحقيقات التي ستطال أسماء مهمة، وما سينجم عن هذا الأمر سياسياً، بل أيضاً على جانب دول الإقليم، والولايات المتحدة الأمريكية.
اللقاء الذي كان مرتقباً بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن، والصيني شي جين بينغ في كاليفورنيا، كان تتويجاً لاتصالات سابقة و مكثفة بين خارجيتي البلدين لاحتواء التصعيد بينهما، في ظل أوقات صعبة تمرّ بها مجمل الاقتصادات في العالم، ومراوحة الحرب الروسية الأوكرانية مكانها، لكن في الشق السياسي الشرق أوسطي، عبّر الرئيس الصيني عن ضرورة وجود مسار سياسي للقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي بدا واضحاً من موقف المندوب الصيني في الأمم المتحدة، ما يعزز فعلياً اتجاه الصين للعب دور سياسي أكبر في منطقتنا.
الموقف السعودي الساعي للتطبيع مع إسرائيل، لم تظهر أية مؤشرات على مراجعته، وبدا هذا الأمر خارج أي نقاش سياسي وإعلامي في المملكة، كذلك في دولة الإمارات، التي شارك فيها وقد إسرائيلي في قمة المناخ في نسختها الثامنة والعشرين، التي استضافتها الإمارات، وهذا الموقف المشترك (السعودي-الإماراتي) من الحدث الفلسطيني، من شأنه أن يترجم في صيغة إضعاف للمفاوض الفلسطيني، وليس لطرف محدد فلسطينياً، لكن أيضاً من شأنه أن يظهر أكثر حالة تبلور وانقسام ما بين الخليج و عموم المشرق العربي، بين خليج مستقر ومزدهر اقتصادياً، من وجهة نظر صنّاع القرار في الخليج، وبين مشرق غارق في الفوضى والاضطراب والأزمات.
في سوريا، تستمر الغارات الإسرائيلية في قصف مواقع ممتدة من الجنوب والعاصمة وحتى الشمال، في الوقت الذي قامت فيه قوات “النظام” الجوية بقصف بلدات في محافظة إدلب، من دون أن يكون لهذا القصف أي مغزى عسكري محدّد، كما عادت المناوشات بين قوات عشائرية في ريف دير الزور وقوات “قسد”، وفي السويداء يستمر الحراك الشعبي، من دون أن تتبلور حالة تلاقي سياسي بين الحراك والقوى السياسية السورية في المعارضة، تظراً لأسباب موضوعية عديدة، من بينها غياب حوامل جامعة للمعارضة، خصوصاً القوى الوطنية الديمقراطية، كما عاد الحديث مجدّداً عن تفعيل “المجلس العسكري”، من خلال حوارات أجراها الفرنسيون مع عدد من الساعين في هذا التشكيل.
اقتصادياً، وصل مستوى التضخم في سوريا إلى حوالي 800%، الأمر الذي يظهر جلياً في خروج بعض المعامل المحلية عن العمل، إذ أصبحت تكلفة إنتاج السلع داخل البلد أكبر من قيمة المستورد منها، ما سينعكس في الفترة القريبة المقبلة على تراجع جديد في قيمة العملة الوطنية، وبالتالي تدهوراً أكبر في الأوضاع المعيشية والاجتماعية للسوريين، في تزامن مع ندرة القطع الأجنبي في البنك المركزي، حيث لجأ “النظام”، كعادته، إلى إصدار قانون جديد للبدل عن العسكرية لمن هم فوق الأربعين عاماً، للحصول على مورد للعملة الأجنبية.
في الحزب الدستوري السوري، نعتقد أن الأوضاع العالمية مقبلة على عام مملوء بالأزمات، خصوصاً الاقتصادية، حيث دخلت بعض الاقتصادات في حالة ركود، الأمر الذي سيجعل من “الهدنة” الأمريكية الصينية محل اختبار، خصوصاً مع ازدياد حدة الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الصيني، وهذا الوضع العالمي المتردي، من شأنه أن يزيد من صعوبة الأوضاع المعيشية للسوريين في الداخل، حيث أنه من غير المتوقع أن يحظى “النظام” بأي دعم مالي من روسيا وإيران، وكذلك فإن تراجع الأوضاع الاقتصادية في تركيا، سيزيد من معاناة اللاجئين السوريين في داخلها، أو المقيمين في الشمال الغربي.