لماذا تعثّر العمل السياسي في سوريا؟

عمر المختار ونوس
بعد رحيل سلطة بشار الأسد، وانتهاء أكثر من خمسة عقود من حكم الأسدين وما يقارب ستة عقود من هيمنة الحزب الواحد على الحياة العامة، بدا لكثير من السوريين أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة، وأن الفضاء العام أصبح أكثر اتساعاً للتعبير والنقد، وأكثر استعداداً لاستعادة السياسة بوصفها فعلاً مجتمعياً لا وظيفة تحتكرها السلطة. كما بدا أن الفرصة أصبحت متاحة أمام الأحزاب السياسية لإعادة بناء نفسها وصياغة رؤى قادرة على مواكبة التحولات التي تشهدها البلاد.
غير أن الأشهر الأولى كشفت واقعاً مختلفاً، فلم تكن الأزمة أزمة ضعف أحزاب أو نخب سياسية فحسب، بل أزمة أعمق أصابت التفكير السياسي نفسه، وبدت في عجز جزء كبير من النخب عن فهم التحولات الجارية أو تقديم بدائل تتناسب مع حجمها.
إن أزمة العمل السياسي في سوريا هي، في جوهرها، أزمة دولة. فسوريا التي ورثت مؤسسات الدولة الحديثة بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، لم تتح لها فرصة استكمال بناء الدولة الوطنية، إذ سرعان ما قادت الانقلابات العسكرية إلى إعادة تشكيلها حول مركزية السلطة، فتحولت المؤسسات إلى أدوات لتنفيذ إرادتها أكثر من كونها مؤسسات عامة مستقلة.
ولم تستعد البلاد جزءاً من حيويتها السياسية إلاّ خلال المرحلة الديمقراطية القصيرة في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تشكل الوحدة عام 1958 نقطة تحول كرست مركزية السلطة ورسخت نموذج الدولة السلطانية، حيث أصبحت السلطة هي محور الدولة، بينما تراجعت المؤسسات إلى دورها التنفيذي.
وقد أخفى الاستقرار الذي عاشته سوريا لعقود ضعف البنى المؤسساتية. وحين ضعف مركز السلطة، لم يظهر نظام سياسي قادر على إدارة الانتقال، بل عاد المجتمع إلى أنماط الولاء السابقة على الدولة، مثل الطائفة والعشيرة والقبيلة والجهة. ولذلك فإن ما يبدو اليوم تفككاً اجتماعياً وسياسياً هو نتيجة لعجز الدولة السلطانية عن بناء رابطة مواطنة تتجاوز الانتماءات التقليدية.
ومن هنا، فإن أزمة العمل السياسي الحالية تعكس انهيار العقد الاجتماعي الذي قام على معادلة الأمن مقابل الطاعة. ومع سقوط هذا العقد، لم تجد البلاد قوى سياسية قادرة على إنتاج عقد جديد، لأن معظم الأحزاب والنخب التقليدية، بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية المختلفة، تشكلت داخل بنية الدولة السلطانية وتأثرت بثقافتها وآلياتها، فالسلطات المأزومة كثيراً ما تنتج معارضات مأزومة تعيد إنتاج البنية نفسها التي تعارضها، وقد رأينا وتابعنا كيف ظهر الخطاب الطائفي في مواقف عدد من الأحزاب أو الشخصيات المحسوبة تاريخياً على المعارضة الديمقراطية، وذلك في مساندتها غير المشروطة للسلطة الجديدة ذات الأيديولوجية الدينية السلفية، أو في تبرير أفعالها.
كما أن إحجام قطاعات واسعة من السوريين عن الانخراط في العمل السياسي لا يعود فقط إلى ضعف الأحزاب، بل إلى ثقافة سياسية طويلة حصرت السياسة في الحاكم والسلطة، فلم يترسخ مفهوم المشاركة بوصفها حقاً ومسؤولية، وإنما بقيت مرتبطة بالولاءات أكثر من ارتباطها بالمواطنة.
والعمل السياسي، في جوهره، ليس مجرد تنافس على السلطة، بل هو تنظيم للمصلحة العامة، وصياغة للسياسات، وإدارة سلمية للاختلاف، ولذلك فإن قيمة الحزب السياسي لا تكمن في وجوده التنظيمي وحده، وإنما في قدرته على تمثيل المصالح الاجتماعية وتحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ.
ولأن السياسة انعكاس للبنية الاجتماعية والاقتصادية، فقد أسهمت السياسات الاقتصادية منذ دولة الوحدة، ثم خلال مرحلة الاشتراكية، في إضعاف البرجوازية الوطنية والطبقة الوسطى، وهي الفئات التي كانت مؤهلة لحمل مشروع الدولة الحديثة. ومع تراجعها، استعادت الروابط التقليدية حضورها في تنظيم المجتمع، وعادت الولاءات الأولية لتزاحم مفهوم المواطنة.
وازداد هذا المسار عمقاً بعد عام 2011، حين أدى تحول الحراك المدني إلى الصراع المسلح، مع الانهيار الاقتصادي وتدفق المال والسلاح، إلى نشوء ولاءات جديدة ارتبطت بالفصائل المسلحة وقادتها، بينما عززت المرجعيات الأيديولوجية المتشددة الانقسامات الطائفية والجهوية، فتراجعت فرص تشكل قوى سياسية وطنية قادرة على المنافسة في مجال عام بات تحكمه القوة والتمويل أكثر مما تحكمه السياسة، وقد لعبت القوى الدولية والإقليمية دوراً كبيراً في جعل موازين القوة تميل بشكل كبير لمصلحة السلاح والأيديولوجيا الدينية على حساب العمل السياسي، وذلك في إطار منطق الحرب التي تجاوزت حدود الوطن السوري، وحولته إلى ميدان لصراعات إقليمية ودولية.
ولم يتغير هذا الواقع جذرياً بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ اتجهت السلطة الجديدة، في كثير من سياساتها، إلى توظيف الفصائل والعشائر في تثبيت نفوذها، ولا سيما في الساحل والسويداء، حيث ارتكبت قوات السلطة وفصائل عشائرية مجازر بحق العلويين والدروز، ذات طابع انتقامي وطائفي عمقت الانقسامات المجتمعية، وعززت شعور كثير من السوريين بأن الحماية ما تزال تُطلب من الجماعة لا من الدولة.
في المقابل كشفت الأوضاع الجديدة حالة الضعف والتردي الفكري والسياسي لدى معظم الأحزاب التاريخية، وظهرت في حالة ارتباك، فقد كانت تتشكى على الدوام من ضغط الواقع الأمني لسلطة نظام الأسد، إلاّ أنها بدت غير قادرة على التعامل مع الواقع الجديد، حيث هناك مساحة تمنحها حالة الهشاشة التي دخلت فيها البلاد للحركة والتعبير، وقد بقيت تلك الأحزاب عند حدود رفع الشعارات من دون طرح برامج، كما أنها لم تعمل على تقديم أي نقد لتجربتها التاريخية.
ونتيجة لذلك، تشكل وعي سياسي اعتاد انتظار القرار أكثر من المشاركة في صنعه، والتكيف مع السلطة أكثر من مساءلتها، فأصبح العمل السياسي، في كثير من الأحيان، أسيراً لذاكرة الانقسامات القديمة، بدلاً من أن يكون أداة لبناء المستقبل.
إن عدم جاهزية المجتمع السوري، ومعه كثير من القوى السياسية، لممارسة العمل السياسي هو حصيلة عقود من الاستبداد، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتآكل المجال العام، وهيمنة الولاءات ما قبل الوطنية. غير أن استمرار هذه الحالة بعد سقوط النظام السابق لم يعد مجرد إرث من الماضي، بل أصبح خطراً على مستقبل الدولة، لأن الفراغ السياسي لن يبقى فراغاً دائماً، وهذا مكمن الخطر، فبدل أن تبادر القوى السياسية الوطنية والمواطنية إلى ملء هذا الفراغ، فإننا قد نتجه إلى تعبيرات سياسية على أساس طائفي وعشائري ومناطقي.
ولذلك فإن إعادة بناء سوريا لا تبدأ بتغيير السلطة وحده، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات، وبإحياء حياة سياسية قادرة على تمثيل المصالح الاجتماعية وإدارة الاختلاف سلمياً.
إن الفرصة التي أتيحت للسوريين بعد سقوط النظام السابق ليست فرصة لتغيير الحكام فحسب، بل فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والسياسة. وإهدار هذه الفرصة يعني، مرة أخرى، إعادة إنتاج الحلقة نفسها التي دارت فيها سوريا لعقود طويلة، حيث تتغير السلطات، بينما تبقى الدولة السلطانية بمنطقها وآلياتها وثقافتها حاضرة بأسماء مختلفة. أما الخروج من هذه الحلقة، فلن يكون إلاّ ببناء دولة المؤسسات، واستعادة السياسة بوصفها شأناً عاماً يشارك فيه المواطنون، لا وظيفة تحتكرها السلطة، ولا امتيازاً تمنحه لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.