تحليل سياسي

لماذا صمدت إيران؟ …حدود القوة العسكرية وأسباب بقاء الدولة والنظام تحت الحرب

حدْس – هيئة التحرير:

مقدمة:

لم تدخل إيران الحرب وهي في أفضل أوضاعها. فقد كانت تعاني اقتصاداً أنهكته العقوبات، وتراجعاً في نفوذ حلفائها الإقليميين، واحتجاجات اجتماعية، فضلاً عن اختراقات استخباراتية كشفت ضعف قدرتها على حماية قياداتها ومنشآتها الحيوية. وعندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما المشترك في 28 فبراير/شباط 2026، لم تقتصر الضربات على المواقع النووية والقواعد العسكرية ومنصات الصواريخ، بل طالت رأس النظام نفسه، وأدت إلى مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين. بدا المشهد، في أيام الحرب الأولى، أقرب إلى لحظة انهيار محتمل منه إلى مواجهة تستطيع طهران إدارتها زمناً طويلاً.

ولم تُخفِ واشنطن أن الحرب تجاوزت مجرد توجيه ضربة عقابية محدودة. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية أن أهدافها تشمل تدمير ترسانة إيران الصاروخية وقدراتها على إنتاج الصواريخ، والقضاء على قوتها البحرية، وقطع دعمها عن القوى المسلحة الحليفة لها، وضمان عدم حصولها على سلاح نووي.

غير أن ما حدث بعد ذلك لم يطابق توقعات الحسم السريع. فقد تلقت إيران ضربات عسكرية قاسية، وخسرت قيادات ومنشآت وقدرات يصعب تعويضها في وقت قصير، لكنها لم تتحول إلى دولة بلا قيادة. تولى مجلس مؤقت مهام المرشد بعد مقتله، ثم اختارت المؤسسات الحاكمة مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، في انتقال أكد بقاء التيار المتشدد ومراكز القوة الأساسية داخل النظام. ولم تنقسم القوات المسلحة إلى معسكرات متقاتلة، ولم تنهَر أجهزة الأمن والإدارة، كما لم تتمكن المعارضة في الخارج من تحويل حضورها الإعلامي إلى قيادة داخلية قادرة على ملء الفراغ أو إدارة مرحلة انتقالية.

واحتفظت طهران، رغم التفوق الجوي والتقني الأمريكي والإسرائيلي، بقدرة كافية على مواصلة الحرب ورفع تكلفتها. استمرت في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، والضغط على الملاحة والمنشآت الحيوية في دول الخليج. وبعد قرابة خمسة أشهر من بدء الحرب، كانت الولايات المتحدة لا تزال تنفذ جولات جديدة من الضربات، بينما واصلت إيران مهاجمة أهداف أمريكية وإقليمية، وتعثرت محاولات تحويل الهدن المؤقتة إلى تسوية دائمة. وبحلول أواخر يوليو/تموز، بلغت التكلفة الأمريكية المعلنة للحرب نحو 37.5 مليار دولار، في وقت تصاعد فيه الجدل داخل الكونغرس بشأن صلاحيات الرئيس واستمرار العمليات العسكرية.

كما استطاعت إيران توظيف موقعها الجغرافي لتعويض جانب من اختلال ميزان القوة. فمضيق هرمز، الذي عبره في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً، بما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، لم يكن مجرد ممر بحري بجوار ساحة الحرب، بل تحول إلى إحدى أهم أدوات الضغط الإيرانية. ولم تكن طهران بحاجة إلى إغلاقه كلياً كي تحدث أثراً عالمياً، إذ يكفي تهديد السفن وتعطيل انتظام العبور ورفع تكاليف التأمين والنقل كي تنتقل آثار الحرب إلى أسعار الطاقة والأسواق والداخل الأمريكي نفسه.

أولاً- رؤية أمريكية – إسرائيلية قاصرة:

أثارت الضربات الأمريكية والإسرائيلية، منذ أيامها الأولى، توقعات بأن تؤدي الخسائر الكبيرة في القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية إلى تفكك النظام أو إلى انقسام مؤسساته على نحو يفتح الطريق أمام تغيير سياسي داخلي. وقد تعززت هذه التوقعات بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، واستهداف منشآت عسكرية ونووية ومراكز للقيادة والاتصال. إلاّ أن الدولة الإيرانية، على الرغم من تعرضها لأخطر أزمة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تنهَر، ولم تتحول خسارة رأس النظام إلى فراغ كامل في السلطة.

ولا يعود ذلك إلى غياب آثار الحرب أو إلى قوة إيرانية مكافئة للقوة الأمريكية، بل إلى طبيعة النظام الإيراني نفسه، وإلى امتلاكه مؤسسات أمنية ودينية وبيروقراطية متداخلة، صُممت جزئياً لضمان استمراره في مواجهة الاغتيالات والحروب والعقوبات والاضطرابات الداخلية. فالسلطة في إيران شديدة المركزية من حيث القرار الاستراتيجي، لكنها ليست مختزلة بالكامل في شخص المرشد، إذ تتوزع أدوات الحكم بين مكتب القيادة، والحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحكومة، والبرلمان، وأجهزة الاستخبارات والقضاء.

ولهذا لم يكن مقتل خامنئي، على خطورته الرمزية والسياسية، كافياً لإسقاط البناء المؤسسي دفعة واحدة. إذ ينص الدستور الإيراني على أن يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار المرشد الجديد، كما ينص على تشكيل مجلس مؤقت يتولى مهام القيادة إلى حين إنجاز الاختيار عند وفاة المرشد أو عجزه عن أداء وظائفه. ويضم مجلس الخبراء 88 عضواً، وهو المؤسسة المخولة دستورياً اختيار المرشد وعزله، وإن كانت موازين القوة داخل النظام تجعل الحرس الثوري وشبكات رجال الدين والمؤسسات الأمنية أطرافاً حاسمة في عملية الاختيار الفعلية.

ثانياً- الدولة الإيرانية أوسع من رأس النظام:

بُنيت الجمهورية الإسلامية منذ بدايتها على ازدواج مؤسسي يضع إلى جانب مؤسسات الدولة التقليدية مؤسسات ثورية موازية. فإلى جانب الجيش النظامي يوجد الحرس الثوري، وإلى جانب الحكومة المنتخبة توجد مؤسسات دينية وأمنية غير منتخبة، وإلى جانب أجهزة الإدارة المدنية توجد شبكات اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالحرس والمؤسسات الدينية. وقد أنتج هذا التداخل نظاماً يعاني من التنافس وتعدد مراكز القرار، لكنه يمنحه في الوقت نفسه قدرة على الاستمرار عند فقدان بعض القيادات.

فمقتل قائد عسكري لا يؤدي تلقائياً إلى توقف المؤسسة التي يقودها، لأن الحرس الثوري يمتلك هيكلاً قيادياً واسعاً، وقوات برية وبحرية وجوية واستخباراتية، فضلاً عن شبكة اقتصادية وإدارية كبيرة. كما أن القيادة الإيرانية راكمت، خلال عقود من الصراع، إجراءات لتأمين تسلسل القيادة وحماية مراكز القرار وإنشاء مواقع بديلة ومنشآت تحت الأرض. وتشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية قبل الحرب إلى أن الجيش النظامي الإيراني كان يضم نحو 350 ألف عسكري، فضلاً عن قوات الحرس الثوري والتعبئة، ما يوضح أن الحرب واجهت جهاز دولة عسكرياً وأمنياً واسعاً، لا مجموعة صغيرة مرتبطة بشخص واحد.

وقد بدا هذا العامل واضحاً بعد مقتل خامنئي. فعلى الرغم من أن الحادث أحدث صدمة في هرم السلطة، تحركت المؤسسات الإيرانية لتشكيل قيادة مؤقتة وإدارة عملية الخلافة، بدلاً من أن تدخل البلاد فوراً في فراغ دستوري. وذكرت تحليلات نُشرت عقب مقتله أن النظام الإيراني كان قد أعد، في السنوات السابقة، تصورات وترشيحات للخلافة، وأن توزيع القوة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري أتاح احتواء الصدمة الأولى.

ولا يعني ذلك أن الانتقال كان سلساً أو أن موازين السلطة لم تتغير. فغياب مرشد امتلك طوال عقود سلطة الفصل بين المؤسسات فتح المجال أمام صعود أكبر للحرس الثوري، كما أضعف قدرة القيادة المدنية على التأثير في القرارات العسكرية. وظهرت لاحقاً مؤشرات على تباينات بين الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، اللذين سعيا إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، وبين قوى أكثر تشدداً دفعت باتجاه توسيع المواجهة. لكن هذا الصراع بقي حتى الآن داخل أطر النظام.

ثالثاً- خبرة طويلة في إدارة الأزمات:

من أسباب صمود الدولة الإيرانية أيضاً أنها لم تدخل الحرب من دون خبرة سابقة في التعامل مع الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية. فقد عاشت إيران ثماني سنوات من الحرب مع العراق بين عامي 1980 و1988، ثم واجهت عقوداً من العقوبات والعزلة، وسلسلة من الاغتيالات والهجمات الإلكترونية والاحتجاجات الواسعة. وأنتجت هذه التجارب دولة شديدة الحساسية تجاه احتمالات الاختراق والانهيار، وقادرة على العمل في ظروف الحصار وانقطاع الاتصالات وتضرر البنية التحتية.

وقد استخدمت السلطات خلال الحرب أدوات السيطرة نفسها التي طورتها في مواجهة الاحتجاجات السابقة، وفي مقدمتها تقييد الاتصالات والإنترنت، والسيطرة على وسائل الإعلام، ونشر قوات الأمن والتعبئة، وتجريم التعاون مع الخارج. وتُظهر دراسة تقنية عن انقطاع الإنترنت في إيران خلال يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026 أن السلطات استطاعت تعطيل الوصول إلى الشبكة بصورة مركزية، وأن ما بين 96.5 و97.4 في المئة من نطاقات الإنترنت الإيرانية التي شملها القياس أصبحت غير قابلة للوصول من الخارج خلال الإغلاق. ويشير ذلك إلى وجود بنية تقنية شديدة المركزية تمكّن الدولة من تقليص قدرة المعارضين على التنظيم والاتصال في أثناء الأزمات.

رابعاً- أثر العامل القومي:

كان من افتراضات الداعين إلى تغيير النظام أن الضربات ستفصل بين الإيرانيين والدولة، وأن المجتمع الذي شهد موجات متكررة من الاحتجاج سيستقبل إضعاف النظام بوصفه فرصة لإسقاطه. إلاّ أن الحرب الخارجية لا تنتج دائماً هذا الأثر. فقد يتعارض رفض قطاعات واسعة من الإيرانيين للنظام مع رفضهم أيضاً تعرض بلادهم للقصف أو فرض قيادة سياسية عليها من الخارج.

وتمتلك إيران هوية وطنية وتاريخاً سياسياً لا يمكن اختزالهما في أيديولوجية الجمهورية الإسلامية. وقد سمح استهداف الأراضي الإيرانية للسلطة بدمج خطاب الدفاع عن النظام بخطاب الدفاع عن الدولة والوطن. ولهذا لم يكن من السهل تحويل الغضب الاجتماعي والاقتصادي القائم إلى تأييد واسع لحرب أمريكية إسرائيلية، ولا سيما مع وقوع ضحايا مدنيين وتدمير بنى تحتية وظهور خطاب أمريكي يتحدث أحياناً عن فرض شكل القيادة المقبلة على إيران.

كما أن التاريخ الإيراني الحديث يحمل ذاكرة قوية للتدخلات الأجنبية، من النفوذ الروسي والبريطاني في القرن التاسع عشر، إلى الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، ثم دعم العراق خلال الحرب الإيرانية العراقية، وبذلك ساهمت الحرب في إنتاج استجابة مزدوجة: لم تُنهِ الغضب من النظام، لكنها جعلت إسقاطه تحت القصف أقل قبولاً لدى قطاعات من المجتمع. وهذا أحد الأسباب التي تفسر عدم تحقق الرهان على انتفاضة داخلية سريعة عقب الضربات.

خامساً- غياب البديل السياسي المنظم:

لم ينهَر النظام أيضاً لأن معارضيه لم يمتلكوا قيادة موحدة أو تنظيماً داخلياً قادراً على ملء الفراغ. فالمعارضة الإيرانية موزعة بين تيارات ملكية وجمهورية ويسارية وقومية وإثنية، وبين قوى تعمل في الداخل وأخرى في المنفى، ولا تتفق على شكل النظام البديل أو على العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو على قضايا القوميات والأقاليم.

وقد برز رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، بوصفه أحد أكثر وجوه المعارضة ظهوراً خلال الحرب، لكنه لم يستطع تحويل حضوره الإعلامي وعلاقاته في الخارج إلى تنظيم سياسي واسع داخل إيران. وأظهر تحقيق لوكالة رويترز في يوليو/تموز 2026 أن محاولته تقديم نفسه قائداً لمرحلة انتقالية فقدت جانباً من زخمها، بسبب غياب شبكة تنظيمية واسعة داخل البلاد، وانقسام المعارضة حوله، وتردد الإدارة الأمريكية في تبنيه رسمياً. كما فشل في توحيد الأطراف المعارضة المتنافسة أو تقديم ضمانات مقنعة بشأن طبيعة الحكم بعد سقوط الجمهورية الإسلامية.

وتكشف هذه المسألة أحد أوجه القصور في استراتيجية تغيير النظام بالقوة. فإضعاف السلطة القائمة لا يخلق تلقائياً سلطة بديلة، بل قد يفتح الباب أمام صراع بين المؤسسات العسكرية والقوى السياسية والجماعات القومية والمناطقية. وإيران دولة كبيرة يزيد عدد سكانها على تسعين مليون نسمة، وتضم جماعات قومية ومذهبية متعددة، ولديها مؤسسات أمنية وعسكرية ضخمة. ولذلك فإن انهيار السلطة المركزية، من دون اتفاق داخلي على البديل، قد يقود إلى تفكك وفوضى إقليمية بدلاً من انتقال منظم نحو نظام موالٍ للغرب.

ويبدو أن هذا الخطر كان أحد أسباب تردد واشنطن في تبني شخصية معارضة محددة. فقد تحدث ترامب عن تغيير النظام، لكنه لم يقدم خطة واضحة لما بعده، ولم تعترف إدارته بحكومة بديلة أو قيادة انتقالية. وهكذا بقيت الدعوة إلى انهيار النظام منفصلة عن وجود قوة سياسية قادرة على إدارة الدولة إذا وقع الانهيار.

سادساً- الحرس الثوري بوصفه عماد الاستمرار:

أدت الحرب إلى إضعاف الحرس الثوري وإلحاق خسائر كبيرة بقياداته ومنشآته، لكنها عززت في الوقت نفسه موقعه داخل ما تبقى من النظام. ففي لحظات التهديد الخارجي تتقدم المؤسسات القادرة على إدارة الحرب والأمن على المؤسسات المدنية، ما يمنح الحرس سلطة أكبر في توزيع الموارد واتخاذ القرار وتحديد العلاقة بين التفاوض والتصعيد.

ولا يقتصر نفوذ الحرس على المجال العسكري، إذ يمتلك حضوراً واسعاً في قطاعات الطاقة والبناء والاتصالات والنقل والتجارة، فضلاً عن تأثيره في السياسة والإعلام والأجهزة المحلية. ولذلك لا يمكن تفكيكه بمجرد قتل عدد من قادته. بل قد تؤدي خسارة القيادة الدينية التقليدية إلى تحول الجمهورية الإسلامية تدريجياً نحو نظام أكثر عسكرية، يحتفظ بالمؤسسات الدينية والدستورية شكلياً بينما يصبح الحرس مركزه الفعلي.

وهنا تظهر مفارقة الحرب: كان إضعاف الحرس الثوري أحد الأهداف الأمريكية، لكن استهداف بقية مراكز الدولة وارتفاع التهديد الخارجي قد يجعلان المؤسسة العسكرية أكثر أهمية لبقاء النظام. ولا يعني ذلك أنها خرجت أقوى عسكرياً، بل أنها قد تصبح أقوى سياسياً.

إن استراتيجية إيران، على الرغم من قسوتها وكلفتها، ركزت على البقاء واستعادة قدر من الردع، وأن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً بعدد من المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة، وبحسب تقديرات عدة، تعرض ما يصل إلى 17 موقعاً عسكرياً أمريكياً لأضرار متفاوتة، وهو ما سمح لطهران بإظهار أنها لم تُجرّد تماماً من القدرة على الرد.

سابعاً- التكيف العسكري والاعتماد على وسائل أقل كلفة:

لم تحاول إيران خوض حرب تقليدية متكافئة مع الولايات المتحدة، لأنها تدرك استحالة تحقيق تفوق جوي أو بحري على قوة بهذا الحجم. وبدلاً من ذلك اعتمدت على الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنشآت المحصنة والقواعد المنتشرة، وعلى توسيع ساحة الحرب من الخليج إلى العراق واليمن والبحر الأحمر.

وتقوم هذه الاستراتيجية على رفع تكلفة الحرب، لا على الانتصار العسكري المباشر. فإطلاق صاروخ أو طائرة مسيّرة لا يضمن إصابة الهدف، لكنه يجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على نشر منظومات دفاعية باهظة الثمن واستهلاك مخزون من صواريخ الاعتراض. كما أن التهديد المستمر للسفن يكفي لرفع أقساط التأمين وتعطيل التجارة، حتى عندما لا تستطيع إيران إغلاق الممرات البحرية بصورة كاملة.

وقد ساعد انتشار منشآت الصواريخ تحت الأرض وتعدد مواقع الإطلاق في الحفاظ على جزء من القدرة الهجومية بعد الضربات. وتشير التقديرات المفتوحة قبل الحرب إلى أن إيران أنشأت شبكة من القواعد الصاروخية المحصنة، المعروفة باسم “مدن الصواريخ”، بهدف منع تدمير الترسانة في ضربة أولى واحدة. وعلى الرغم من أن هذه الشبكة تعرضت لأضرار واسعة، فإن استمرار إطلاق الصواريخ بعد أشهر من الحرب يوضح أن الولايات المتحدة لم تتمكن من اكتشاف جميع المخازن والمنصات أو القضاء عليها.

ثامناً- بقاء شبكة الحلفاء رغم تراجعها:

استفادت إيران أيضاً من امتلاكها شبكة من القوى المسلحة التي تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلال في العراق واليمن ولبنان ومناطق أخرى. وقد تعرضت هذه الشبكة لضربات شديدة قبل الحرب وفي أثنائها، ولم تعد بالقوة أو التماسك اللذين تمتعت بهما سابقاً، لكنها بقيت قادرة على تشتيت الجهد الأمريكي وفتح جبهات إضافية.

وتمنح هذه الشبكة طهران إمكان الرد من خارج أراضيها، وتجعل إنهاء الحرب أكثر تعقيداً، إذ لا يكفي التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين واشنطن وطهران لضمان توقف جميع الأطراف. كما تسمح لإيران بإنكار المسؤولية المباشرة عن بعض الهجمات، أو باستخدامها ورقة تفاوضية من دون إدخال قواتها التقليدية في مواجهة مفتوحة.

لكن هذه الشبكة تحولت في الوقت نفسه إلى أحد مصادر ضعف إيران. فقد ساهم دعمها العسكري والمالي الطويل لحلفائها في استنزاف الاقتصاد الإيراني، ومنح إسرائيل والولايات المتحدة مبرراً لتوسيع الحرب. وترى دراسة صادرة عن تشاتام هاوس أن استراتيجية “الدفاع المتقدم” الإيرانية تحولت إلى نتيجة عكسية، إذ إن شبكة الحلفاء التي أنشأتها طهران لردع الحرب أسهمت في النهاية في نشوب الحرب التي سعت إلى تجنبها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق