التلوث البيئي في سوريا: الواقع والتحديات والآثار

دقّ ناقوس الخطر
خلال السنوات الماضية، انشغل السوريون بتداعيات الحرب، والأزمة الاقتصادية، وتراجع الخدمات الأساسية، حتى باتت كثير من التحديات البيئية تتسلل إلى حياتهم اليومية من دون أن تحظى بالاهتمام الذي تستحقه. فلم يعد انقطاع مياه الشرب، أو انتشار المكبات العشوائية، أو تصاعد الدخان الناتج عن حرق النفايات، أو تلوث الأنهار، أو تراجع المساحات الخضراء، مجرد مظاهر بيئية مألوفة، لكنها أصبحت مؤشرات على أزمة تتجاوز البيئة لتطال الصحة العامة، والأمن الغذائي، والاقتصاد، وجودة الحياة.
وقد دق هذا الواقع ناقوس الخطر بصورة واضحة مع عودة أمراض ارتبطت تاريخياً بتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، وفي مقدمتها الكوليرا خلال عامي 2022 و2023، إلى جانب تزايد التحذيرات الدولية من تدهور الموارد المائية، وارتفاع مستويات التلوث، وتفاقم آثار التغيرات المناخية في سوريا. ولم تعد هذه المؤشرات تعكس مشكلات قطاعية منفصلة، وإنما تكشف عن تداخل متزايد بين التحديات البيئية والصحية والاقتصادية، بما يجعل البيئة أحد العناصر المؤثرة في مستقبل التعافي والاستقرار.
وعلى الرغم من أن الاهتمام العام ينصرف غالباً إلى الآثار المباشرة للحرب، فإن الأضرار البيئية تمثل أحد أكثر آثارها استمراراً، لأنها لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تبقى آثارها لعقود من خلال تلوث المياه والتربة والهواء، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع المخاطر الصحية. كما أن كثيراً من هذه التأثيرات تتراكم تدريجياً، فلا تكون واضحة في بدايتها، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى تحديات تنموية يصعب معالجتها إذا لم تُفهم أبعادها مبكراً.
أولاً- كيف تغير الواقع البيئي في سوريا؟
لم تتشكل التحديات البيئية التي تواجهها سوريا خلال السنوات الأخيرة بصورة مفاجئة، وإنما كنتيجة تراكمات امتدت لعقود، تداخلت فيها عوامل طبيعية وبشرية واقتصادية وسياسية. فقبل اندلاع الحرب السورية بعد عام 2011، كانت البلاد تواجه بالفعل عدداً من المشكلات البيئية، أبرزها محدودية الموارد المائية، واتساع رقعة التصحر، وتراجع الغطاء النباتي في بعض المناطق، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن النمو السكاني والتوسع العمراني وازدياد الطلب على المياه والطاقة. ومع ذلك، بقيت هذه المشكلات ضمن حدود يمكن التعامل معها من خلال مؤسسات الدولة والبنية التحتية القائمة، على الرغم من وجود تفاوت واضح بين المحافظات في مستوى الخدمات البيئية.
غير أن السنوات اللاحقة شهدت تغيراً جذرياً في طبيعة الضغوط البيئية، فقد أدت الحرب إلى انتقال البيئة السورية من مرحلة مواجهة تحديات تنموية تقليدية إلى مرحلة التعرض لضغوط استثنائية مستمرة، تمثلت في تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتعطل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وتراجع القدرة المؤسسية على إدارة الموارد الطبيعية، فضلاً عن تغير أنماط استخدام الأراضي نتيجة العمليات العسكرية وحركة النزوح الداخلي.
وفي هذا السياق، فإن التلوث البيئي تعددت أسبابه، ولم يعد ناتجاً فقط عن النشاط الصناعي أو الزيادة السكانية، كما هو الحال في كثير من الدول، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بظروف الحرب نفسها، فقد أدى تدمير المنشآت الصناعية والخدمية، وظهور أنشطة اقتصادية غير نظامية، والاعتماد على مصادر طاقة منخفضة الكفاءة، إلى نشوء مصادر جديدة للتلوث لم تكن موجودة سابقاً بهذا الحجم أو الامتداد الجغرافي. كما أسهمت كميات الأنقاض الهائلة الناتجة عن تدمير الأبنية، وانتشار المكبات العشوائية، وتراجع عمليات جمع النفايات ومعالجتها، في زيادة الضغوط الواقعة على البيئة الحضرية والريفية على حد سواء.
ومن ناحية أخرى، تعرضت الموارد المائية لضغوط متزايدة نتيجة تداخل عدة عوامل. فإلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، شهدت المنطقة الشرقية والوسطى من سوريا خلال السنوات الأخيرة انخفاضاً في معدلات الهطول المطري وتكرار سنوات الجفاف، وهو ما انعكس على حجم الموارد السطحية والجوفية. كما أدى تراجع خدمات معالجة مياه الصرف الصحي إلى زيادة احتمالات تلوث الأنهار والمجاري المائية والمياه الجوفية، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
ولم تقتصر آثار هذه التحولات على المدن، بل امتدت إلى المناطق الزراعية أيضاً. فقد تأثرت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بتراجع خدمات الري، وارتفاع كلفة الإنتاج، وضعف صيانة شبكات المياه، إضافة إلى تضرر أجزاء من الأراضي بسبب العمليات العسكرية أو الحرائق أو التلوث النفطي في بعض المناطق. وأسهم ذلك في انخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية في عدد من المحافظات، وزيادة الضغوط على الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم.
وفي الوقت نفسه، برز التغير المناخي بوصفه عاملاً يزيد من تعقيد المشهد البيئي. فالشرق الأوسط عموماً يعد من أكثر أقاليم العالم عرضة لارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية، وسوريا ليست استثناءً من ذلك. ومع تزايد موجات الجفاف وارتفاع معدلات التبخر وتراجع الغطاء النباتي، أصبحت النظم البيئية أكثر ضعفاً، وأقل قدرة على التعافي من آثار الضغوط البشرية والاقتصادية.
ومن المهم الإشارة إلى أن التدهور البيئي في سوريا لا يتوزع بصورة متساوية بين مختلف المناطق. فطبيعة النشاط الاقتصادي، والكثافة السكانية، ومستوى الخدمات، والظروف الأمنية، جميعها عوامل تؤدي إلى اختلاف مصادر التلوث وحدته من محافظة إلى أخرى. ففي حين تتركز بعض مظاهر التلوث في المدن الكبرى نتيجة الازدحام والأنشطة الصناعية والخدمية، تبرز في مناطق أخرى مشكلات مرتبطة بإدارة الموارد المائية أو التلوث النفطي أو تدهور الأراضي الزراعية. لذلك، فإن الحديث عن “البيئة السورية” لا يعني وجود واقع بيئي واحد، وإنما مجموعة من البيئات المحلية التي تختلف في خصائصها ومستوى تعرضها للمخاطر.
ثانياً- مؤشرات التلوث في سوريا:
لا يمكن تقييم واقع التلوث في أي دولة من خلال الانطباعات العامة أو الملاحظات الميدانية وحدها، وإنما من خلال مجموعة من المؤشرات التي تسمح بقياس حجم المشكلة واتجاهاتها ومقارنتها زمنياً وجغرافياً. وتشمل هذه المؤشرات جودة الهواء، ونوعية المياه، وحالة التربة، وإدارة النفايات، ومدى الحفاظ على الغطاء النباتي والتنوع الحيوي. ورغم محدودية البيانات البيئية الصادرة عن المؤسسات السورية خلال السنوات الأخيرة، فإن التقارير الدولية والدراسات العلمية توفر قدراً مهماً من المعلومات التي تساعد في رسم صورة عامة لواقع البيئة في البلاد.
ومن بين مختلف أشكال التلوث، يحتل تلوث الهواء مكانة خاصة، نظراً إلى ارتباطه المباشر بصحة السكان، واتساع نطاق تأثيره، وصعوبة الحد من آثاره في ظل الظروف الاقتصادية والخدمية الراهنة.
- تلوث الهواء:
يعد تلوث الهواء من أكثر التحديات البيئية تأثيراً على الإنسان، لأنه يرتبط بصورة مباشرة بما يستنشقه الأفراد يومياً، ويؤثر في مختلف الفئات العمرية، ولا سيما الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء يعد أحد أبرز عوامل الخطر البيئي المسببة للوفاة المبكرة على مستوى العالم، نتيجة ارتباطه بأمراض القلب والرئتين والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة.
وفي الحالة السورية، يصعب الحديث عن مصدر واحد لتلوث الهواء، إذ تتداخل عدة عوامل أسهمت في تدهور جودته خلال السنوات الأخيرة. فقبل عام 2011، كانت الانبعاثات الناتجة عن وسائل النقل والمنشآت الصناعية ومحطات توليد الكهرباء تمثل المصادر الرئيسة للتلوث في المدن الكبرى، كما هو الحال في معظم الدول النامية. إلا أن السنوات اللاحقة شهدت ظهور مصادر جديدة أكثر تعقيداً، ارتبط كثير منها بظروف الحرب والأزمة الاقتصادية.
ويأتي في مقدمة هذه المصادر الاعتماد الواسع على المولدات الكهربائية الخاصة، التي أصبحت وسيلة أساسية لتأمين الكهرباء في كثير من المناطق نتيجة تراجع ساعات التغذية الكهربائية. وتعتمد معظم هذه المولدات على وقود الديزل، وتعمل لساعات طويلة داخل الأحياء السكنية، الأمر الذي يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين والكبريت وأول أكسيد الكربون، وهي ملوثات ترتبط مباشرة بتدهور جودة الهواء وارتفاع معدلات الأمراض التنفسية.
كما أسهمت الأزمة الاقتصادية في إطالة عمر عدد كبير من المركبات القديمة، التي تعمل بمحركات منخفضة الكفاءة وتفتقر إلى أنظمة الحد من الانبعاثات، إضافة إلى استخدام أنواع وقود متفاوتة الجودة في بعض المناطق، وهو ما أدى إلى زيادة الانبعاثات الصادرة عن قطاع النقل، خاصة داخل المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
ومن العوامل التي برزت بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة أيضاً انتشار عمليات الحرق المكشوف للنفايات. ففي ظل الصعوبات التي تواجه جمع النفايات ونقلها ومعالجتها، أصبحت عملية الحرق وسيلة للتخلص من المخلفات في عدد من المناطق، سواء من قبل البلديات أو الأفراد. ويؤدي هذا الحرق إلى إطلاق مزيج معقد من الغازات والجسيمات الدقيقة والمواد الكيميائية، التي لا تقتصر آثارها على تلوث الهواء، بل تمتد إلى التربة والمياه من خلال ترسب الملوثات.
إلى جانب ذلك، شهدت بعض المناطق، ولا سيما في شمال شرقي سوريا، توسعاً في عمليات التكرير البدائي للنفط، التي تتم باستخدام وسائل بسيطة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاشتراطات البيئية، وينتج عن هذه العمليات دخان كثيف يحتوي على جسيمات دقيقة ومركبات عضوية متطايرة وملوثات أخرى، تؤثر في جودة الهواء ضمن نطاق واسع، فضلاً عن آثارها على التربة والمياه المجاورة.
ولا يمكن إغفال الآثار غير المباشرة للعمليات العسكرية، التي أسهمت خلال سنوات الحرب في زيادة مستويات الغبار والدخان الناتج عن القصف والحرائق وانهيار المباني، إضافة إلى الحرائق التي طالت منشآت صناعية ومستودعات وقود في بعض المناطق. ورغم أن هذه المصادر قد تكون مؤقتة في بعض الأحيان، فإن تكرارها خلال سنوات طويلة جعلها أحد العوامل المؤثرة في البيئة الحضرية.
- تلوث المياه:
قبل عام 2011، كانت سوريا تواجه تحديات متزايدة في إدارة مواردها المائية نتيجة النمو السكاني والتوسع الزراعي وتكرار سنوات الجفاف، إلا أن منظومة المياه والصرف الصحي كانت لا تزال تؤدي دورها بدرجات متفاوتة في معظم المحافظات. وقد تغير هذا الواقع بصورة ملحوظة خلال السنوات اللاحقة، نتيجة تداخل عدة عوامل، في مقدمتها الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتراجع القدرة المؤسسية على تشغيلها وصيانتها، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والمناخية التي أثرت في توافر المياه وجودتها.
وتعرضت شبكات نقل المياه ومحطات الضخ والمعالجة وخطوط الصرف الصحي في العديد من المناطق إلى أضرار متفاوتة، أدت إلى انخفاض كفاءة الخدمات وازدياد الفاقد من المياه، كما أصبحت عمليات الصيانة الدورية أكثر صعوبة بسبب نقص التمويل والمعدات والكوادر الفنية. وانعكس ذلك على قدرة المؤسسات المحلية على توفير مياه شرب آمنة بصورة منتظمة، خصوصاً في المدن التي شهدت دماراً واسعاً أو زيادة كبيرة في أعداد السكان نتيجة النزوح الداخلي.
ومن أخطر التحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة ازدياد احتمالات اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر المياه السطحية والجوفية، سواء بسبب تضرر الشبكات، أو تعطل محطات المعالجة، أو اللجوء إلى تصريف المياه الملوثة مباشرة في الأنهار والمجاري المائية. وتؤدي هذه الظاهرة إلى انتقال الملوثات الكيميائية والبيولوجية إلى مصادر المياه المستخدمة للشرب أو الري، بما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، ويؤثر في سلامة المنتجات الزراعية.
كما واجهت الموارد المائية تحدياً إضافياً تمثل في تراجع كميات المياه المتاحة. فالتغيرات المناخية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير أدت إلى انخفاض معدلات الهطول المطري في عدد من السنوات، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة معدلات التبخر، الأمر الذي انعكس على تدفقات الأنهار ومستويات الخزانات والسدود، كما دفع كثيراً من المزارعين والسكان إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية، وهو ما ساهم في استنزاف عدد من الأحواض المائية.
ولا تقتصر مصادر تلوث المياه على مياه الصرف الصحي، بل تشمل أيضاً الملوثات الصناعية، والمخلفات النفطية في بعض المناطق، والمبيدات والأسمدة الزراعية التي قد تتسرب إلى المجاري المائية أو المياه الجوفية عند استخدامها بكميات كبيرة أو بصورة غير منظمة. ورغم اختلاف حجم هذه المصادر من منطقة إلى أخرى، فإن تأثيرها التراكمي يصبح أكثر وضوحاً عندما يقترن بضعف أنظمة المراقبة البيئية وتراجع قدرات المعالجة.
ويلاحظ كذلك أن أزمة المياه في سوريا لم تعد تتعلق بكمية المياه وحدها، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بجودتها. فقد يصبح المصدر المائي متوافراً من الناحية الكمية، لكنه غير صالح للاستهلاك البشري بسبب التلوث، أو يحتاج إلى معالجة إضافية قد لا تكون متاحة في كثير من المناطق. وهذا التحول يجعل قضية جودة المياه إحدى أهم القضايا البيئية والصحية في البلاد.
ومن الناحية الاقتصادية، يؤدي تلوث المياه إلى زيادة تكاليف إنتاج مياه الشرب، وارتفاع الإنفاق الصحي، وتراجع الإنتاج الزراعي، كما يفرض أعباء إضافية على الأسر التي تضطر إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج أو المياه المعبأة، خاصة في المناطق التي تعاني من انقطاع الشبكات العامة أو تدهور نوعية المياه.
ثالثاً- آثار التلوث على المجتمع السوري:
- عودة الأمراض المنقولة بالمياه:
تُعدّ عودة بعض الأمراض المنقولة بالمياه من أبرز المؤشرات على العلاقة المباشرة بين التلوث البيئي والصحة العامة في سوريا. فبعد سنوات من التراجع النسبي لهذه الأمراض، شهدت البلاد في عام 2022 واحدة من أكبر موجات انتشار الكوليرا منذ عقود، حيث سُجلت آلاف الحالات المشتبه بها والمؤكدة في عدد من المحافظات، ولا سيما حلب وإدلب ودير الزور والرقة والحسكة. وربطت منظمة الصحة العالمية واليونيسف هذا التفشي بتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، واستخدام مياه ملوثة في الشرب والري، إضافة إلى انخفاض كميات المياه النظيفة المتاحة للسكان.
ولا تقتصر المخاطر على الكوليرا وحدها، إذ تظل أمراض مثل التهاب الكبد (A) والإسهالات الحادة وحمى التيفوئيد من الأمراض التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة المياه، خصوصاً في البيئات التي تعاني من ضعف معالجة مياه الصرف الصحي أو تلوث مصادر المياه السطحية والجوفية.
2. تلوث الهواء وأمراض الجهاز التنفسي
شهدت مصادر تلوث الهواء في سوريا تغيراً ملحوظاً خلال سنوات الحرب فإلى جانب الانبعاثات التقليدية الناتجة عن وسائل النقل والمنشآت الصناعية، برزت مصادر جديدة مثل المولدات الكهربائية الخاصة، والتكرير البدائي للنفط في بعض مناطق شمال شرقي سوريا، والحرق المكشوف للنفايات، واستخدام أنواع وقود منخفضة الجودة في التدفئة والطهي، فضلاً عن الغبار والمواد العالقة الناتجة عن انهيار المباني والأنقاض.
وقد أدى هذا التنوع في مصادر الانبعاثات إلى زيادة تعرض السكان للجسيمات الدقيقة والغازات الملوثة، وهي ملوثات ترتبط بارتفاع معدلات الإصابة بالربو، والتهاب القصبات المزمن، وأمراض الانسداد الرئوي المزمن، وأمراض القلب والأوعية الدموية. ورغم محدودية الدراسات الوبائية الوطنية التي تقيس حجم هذا التأثير بدقة، فإن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن التعرض المزمن للجسيمات الدقيقة (PM2.5) يعد من أهم عوامل الخطر البيئي المسببة للوفاة المبكرة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في السياق السوري، حيث تزايدت مصادر الانبعاثات بالتزامن مع تراجع جودة الخدمات الصحية.
3. مخاطر التعرض للمواد السامة
أفرزت سنوات الحرب مصادر جديدة للتعرض للمواد الخطرة، لم تكن مألوفة بهذا الحجم قبل عام 2011. وتشمل هذه المصادر احتراق المشتقات النفطية، وتدمير المنشآت الصناعية، وتراكم ملايين الأطنان من الأنقاض، إضافة إلى مخلفات الذخائر والمتفجرات في بعض المناطق. وقد تحتوي هذه المخلفات على معادن ثقيلة أو مركبات كيميائية قد تنتقل إلى التربة أو المياه أو الهواء، بما يزيد من احتمالات التعرض طويل الأمد لبعض الأمراض المزمنة.
4. الفئات الأكثر هشاشة
لا تتوزع آثار التلوث البيئي بصورة متساوية بين السكان، إذ تبقى الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية. ويأتي الأطفال في مقدمة هذه الفئات، نظراً إلى أن أجهزتهم التنفسية والمناعية لا تزال في طور النمو، كما أن إصابتهم المتكررة بالأمراض المنقولة بالمياه قد تؤثر في نموهم وتغذيتهم. كذلك يواجه كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والنساء الحوامل مخاطر أكبر نتيجة تدهور جودة الهواء والمياه، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية أو صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية.