تحقيقات

توظيف الدين في السياسة يهدد الدولة والمواطنة والحريات في سوريا

سياسيون وباحثون يحذرون من إعادة إنتاج الاستبداد وتعميق الانقسام المجتمعي

حدْس – هيئة التحرير

لا ينفصل النقاش حول علاقة الدين بالسلطة في سوريا عن سؤال الدولة التي يجري تشكيلها في المرحلة الانتقالية، ولا عن طبيعة القواعد الدستورية والقانونية التي ستنظم علاقة السوريين بالسلطة وببعضهم بعضاً في المستقبل. فالدين، بوصفه مكوناً راسخاً في المجتمع السوري ومصدراً للقيم والهوية لدى قطاعات واسعة منه، لا يشكل في ذاته موضع الخلاف، بقدر ما يثير القلق توظيفه في المجال السياسي، واستخدامه مصدراً لشرعية السلطة أو مرجعية لتوجيه التشريع وإدارة الشأن العام.

وقد توجهت “حدس” إلى عدد من الشخصيات السياسية والبحثية لاستطلاع رأيها حول مخاطر الاستثمار الجاري للدين في السياسة في ظل السلطة الحالية، وفيما يلي آراء الشخصيات التي شاركت في هذا التحقيق:

سوسن زكزك، باحثة وناشطة سياسية ونسوية:

يُعد الاستثمار في الدين في مجتمعنا السوري من أسهل الاستثمارات وأكثرها ربحا وذلك لأسباب عديدة، من أهمها تأصل هذا الاستثمار في الحياة السياسية في سوريا، الذي بدأ مع حافظ الأسد عندما استمال السلطة الدينية وواجهتها الاقتصادية، تجار دمشق، بعد أن رفعوا يافطة “طلبنا من الله المدد، فأرسل لنا حافظ الأسد” على باب سوق الحميدية، وتعمّق هذا الاستثمار بعد الحراك الدموي للطليعة المقاتلة من الإخوان المسلمين، وما تلاه في مجزرة حماة التي قامت السلطة بارتكابها، وحاجة النظام إلى ردم الفجوة مع الشارع الإسلامي الشعبي، حيث جرى التوافق بين النظام والسلطة الدينية غير السياسية على بناء تحالف بينهما، يقوم على استئثار النظام بكل ما له علاقة بالسياسة والاقتصاد مقابل حرية السلطة الدينية الواسعة لتوجيه المجتمع والتحكم به. ونهج الأسد الابن النهج ذاته إلى أن قامت الانتفاضة السورية 2011، وتوزعت فيه السلطة الدينية بين تيارين، تيار بقي محافظاً على التحالف السابق، وتيار دعم الاتجاهات الإسلامية التي هيمنت على المعارضة السورية، المسلحة منها، خاصة.

ومع هيمنة الجهادية السلفية على السلطة في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 كان من الطبيعي أن يأخذ الاستثمار في الدين منحىً أكثر تطرفاً وعمقاً، ظهر في مجالات الحياة العامة كافة، ويعمل على التطاول على الحيوات الشخصية، ويفرض نفسه بشكل فج في بعض القرارات الإدارية المحلية أو الإدارية الرسمية المتوسطة.

وتمتد مآلات هذا الاستثمار لتطال البنية التشريعية والقانونية للبلاد، حيث جعل الإعلان الدستوري الفقه الإسلامي “المصدر الرئيسي للتشريع”، بعد أن كان لعقود أحد مصادر التشريع الرئيسية، وهذا ما يؤدي إلى أمرين رئيسيين: أولهما هو الإيحاء لمن اعتقد، من السوريين والسوريات، بأن سبب النزاع المسلح في سوريا هو طائفي، أو أنه صراع بين سلطة علمانية (سلطة بشار الأسد)، بمعنى كافرة، وقوى إسلامية مؤمنة، تتصدرها “هيئة تحرير الشام”، ما يدفع “الحشود المؤمنة” إلى منح السلطة الحالية دعمها اللامحدود وغير المشروط بالتزام السلطة بسياسات للنهوض بأوضاع البلاد في المجالات كافة، وهذا ما أدى أيضا إلى قبول هذه “الحشود” للسلطات الواسعة التي ضمنها الإعلان الدستوري لرأس السلطة، والتي تتطابق مع السلطات التي منحها دستور 2012 للأسد الابن.

كما تنعكس هذه المآلات بشكل مباشر على العقد الاجتماعي بين السلطة وما يُفترض أنهم مواطنون ومواطنات أحرار، حيث ظهر هذا الاستثمار في كلمة مفتي الجمهورية، عندما ذكر في لقاء ما سمي بـ “الحوار الوطني” في دمشق النص القرآني: “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”! وهو، بهذا الطلب، يكرس علاقة تبعية المحكوم للحاكم، ناسفاً حق المواطنين والمواطنات بالاعتراض على سياسات الحاكم، وحقهم في عزله واختيار من يرونه بديلاً مناسباً عنه، عندما يسيء استخدام السلطة، أو يستخدمها ضد مصالحهم.

وظهرت الآثار الكارثية لهذه المآلات في التحريض الطائفي، الذي جرى تحت مرأى ومسمع السلطة الحاكمة، وأحياناً بتشجيع منها، والذي أدى إلى مجازر في مناطق العلويين في الساحل والدروز في السويداء، واستمرار جرائم القتل ضد العلويين في مناطق مختلفة من البلاد، والتهجم عليهم وتهديدهم في أماكن يتمركزون فيها في دمشق.

أما على مستوى الحريات فقد انعكس استثمار السلطة السورية في الدين على حرية التعبير للمختلفين عن هذه السلطة ومعارضيها، وهذا ما ظهر جلياً في الاعتصامات المحدودة التي جرت، خصوصاً في دمشق، حيث لجأت السلطة إلى وضع شارع موال لها دينياً وعقائدياً في مواجهة المعتصمين الذين كان بينهم مشاركون ممن ينتمون إلى الطائفة، ذاتها، التي ينتمي إليها من هاجمهم، وأصبح دارجاً وصف أولئك المعارضين بـ “السنة الكيوت” للسخرية منهم. كما ظهر هذا الاستثمار من خلال التقييد على عدد من الحريات الشخصية، والذي أيده موالو السلطة بذريعة أنه ينسجم مع عقيدتهم الدينية.

وطال هذا التقييد، بشكل واسع، حرية النساء وحقهن في اختيار اللباس الذي يقتنعن به، حيث جرى فرض أشكال محددة لملابس النساء في بعض الدوائر الحكومية وفي الفضاء العام في بعض المناطق، وانطلقت بشكل ممنهج ظاهرة دعوة النساء، وأحياناً الطفلات، إلى ارتداء ما يسمونه بـ “اللباس الشرعي” في العديد من المناطق السورية، ونحن على يقين أن هذه العملية لا تهدف فقط إلى تغيير في شكل اللباس، بل تهدف بشكل أساسي إلى تغيير بنيوي في دور النساء في الحياة العامة بفضاءاتها المختلفة.

إن استئثار السلطة السورية الحالية في الدين سيودي بالبلاد إلى مستقبل محفوف بالمخاطر، لا تقف عند ما ذكر سابقاً، بل يمكن أن تقودنا إلى نزاع مسلح جديد، يأخذ البلاد وأهليها إلى الهاوية.

زيد العظم، محامي وناشط سياسي:

إن خطر الاستثمار الحالي للدين في السياسة في سوريا يكمن في خطر إعادة إنتاج الفرد، إذ لا يكفي أن تتغير أسماء الحكام حتى نقول إن النظام السياسي قد تغيّر. فجوهر الاستبداد لا يكمن في هوية الحاكم وطائفته فقط، بل في شكل السلطة، وفي حجم الصلاحيات الممنوحة لشخص واحد، وفي مدى استقلال المؤسسات عنه.

إذن المخاوف القائمة اليوم تنبع من تركيز السلطات الدستورية والتنفيذية والتشريعية في يد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. فهو لا يترأس السلطة التنفيذية فحسب، بل امتلك تأثيراً حاسماً في تشكيل البرلمان السوري وتعيين أعضائه بشكل مباشر وغير مباشر على حد سواء، علاوة على أن البرلمان قد حُرم من أهم وظائفه الطبيعية في مراقبة الحكومة، مساءلة الوزراء ومحاسبتهم، والقدرة الفعلية على حجب الثقة عن السلطة التنفيذية.

عندما يكون الرئيس الانتقالي هو مركز القرار التنفيذي، والمرجعية الفعلية للسلطة التشريعية، وهو نفسه من سمى أعضاء المحكمة الدستورية التي ستحكم بموجب الإعلان الدستوري الذي وضعه الشرع نفسه، وصاحب الكلمة الحاسمة في التعيينات الكبرى والصغرى، فإن المؤسسات لا تعود سلطات مستقلة، بل تتحول إلى دوائر تعمل ضمن إرادة الحاكم.

إن المرحلة الانتقالية هي أخطر المراحل، لأنها لا تدير الحاضر فقط، بل ترسم قواعد العهد المقبل. وما يبرر اليوم باعتباره إجراءً مؤقتاً أو ضرورة انتقالية قد يتحول غداً إلى عرف دائم ونظام مستقر. لذلك فإن بناء دولة القانون يجب أن يبدأ الآن، من خلال الفصل الحقيقي بين السلطات، وتمكين المجتمع من إفراز ممثليه في المجالس المنتخبة

سوريا لا تحتاج إلى إعادة إنتاج دولة الرجل الواحد بمسميات جديدة، ولا إلى استبدال حاكم مطلق بحاكم مطلق آخر. ما تحتاجه هو دولة يكون فيها الحاكم خاضعاً للمؤسسات، لا أن تكون المؤسسات خاضعة له.

براء صليبي، إعلامية:

أرى أننا نواجه اليوم سياسة أو توجهاً صارماً لإعادة هندسة الهويات التي تُغرق السوريين والسوريات – داخل البلاد وخارجها – في حالة استقطاب حاد يُعيد إنتاج الهويات الفرعية ويعلي من قيمتها، ويتعامل معها كتعريف وحيد عن الهوية بما معناه أنه يفرض الهوية الطائفية في مواجهة الهوية الوطنية.

يحزنني جداً (مع أنني أفهم جذر المشكلة) استدعاء الأفراد للحديث كممثلين عن طوائفهم حصراً، ويحزنني أكثر قبول هؤلاء الأفراد الذين كانوا ممثلين للمجتمع المدني سابقاً، كما يحزنني تشكيل كيانات وتجمعات على أساس الهوية الطائفية تُعرّف عن نفسها وعن جمهورها وفقاً للمظلة الدينية أو المذهبية، وأرى كما كثيرين وكثيرات كم يُشكّل ذلك مؤشراً حرجاً على تهالك الفضاء المدني وانفضاضه عن جوهره المدني التشاركي الحيوي.

إن هذا الانقسام يفرض هويات قسرية أُلحِق بها الأفراد منذ ولادتهم في السجلات المدنية رغم خيارات البعض بعدم الاستجابة لهذه الهويات القسرية. المخيّب للأمل فعلاً هو تماهي رفاق ورفيقات الدرب الذين يفترض أنهم/ن لم يكونوا يوماً منتمين، منتميات لكانتونات ضيقة، بل عملوا جاهدين وجاهدات على إبقائها كهوية ثقافية محددة طوعية، لكنهم اليوم يعودون إليها بقوّة واختاروها عنواناً وحيداً لهويتهم الحالية. يمكن تبرير ذلك بالخوف أو برغبتهم بالدفاع عن وجودهم الذي زعزعه الشك أو الخوف من الآخر المنتصر والمستأثر بالحق في ملكية البلد والسيادة والمرتكب لجرائم نفي الهوية الوطنية عن كل ليس من مجموعه.

أتفهّم تعقيدات المشهد، وربما أدّعي ذلك، لكنّ موقفي المبدئي يستند إلى رفض التمثيل على أساس الطائفة، إن رفضي لتقبّل الأفراد (السياسيين والسياسيات والناشطين والناشطات المدنيين والمدنيات سابقاً) لتمثيل طائفتهم تحديداً، ينبع من قناعتي بأنّ اختزال المواطن عبر انتمائه المذهبي تحديداً، يجرده من حقه في مشاركة جميع السوريين والسوريات هويتهم الوطنية المشتركة الجامعة، كما يحرمه من التشارك معهم/ن في إدارة الفضاء العام. إن ممارسة السياسة هو تجلٍّ واضح وطبيعي للانتماء الوطني. إن الهوية الوطنية الحقيقية الجامعة بين السوريين والسوريات يجب أن تكون عابرة للهويات المفروضة كأنها التعريف الحصري الوحيد. إن الانجرار خلف منطق التمثيل الطائفي فقط – سواء كان ذلك بدافع الخوف الاستباقي، أو الدفاع عن حقوق فئوية، أو محاولة درء الأخطار عن جماعة دون غيرها – يمثل استجابة انفعالية تحمي الجزء وتُدمّر الكل، كما أن هذه الحماية هي حماية انفعالية خطابية محدودة ومؤقتة.

تكمن الخطورة في استنزاف الطاقات والنقاشات في معالجة مبررات ودواعي الخوف بدلاً من تفكيك أسبابه، وكأن المنصاعين لذلك وهم مجبورون غالباً في ظل ظروفٍ بالغة الخطورة وكأنهم بذلك يلبّون رغبة السلطة (الانتقالية) أو بعض أفرادها مع أصحاب الأيديولوجيا الإقصائية في تمزيق وحدة البلاد وتطييف الشعب السوري بكافة فئاته ومكوناته.

إن الحل (رغم أنه صعب جداً لكنه محق) لا يكون بإنشاء حمايات طائفية متقابلة، بل بعدم التماهي مع التطييف، والنضال والمطالبة ببناء دولة المواطنة المحايدة تجاه كافة السوريين والسوريات، تجاه طوائفهم أو خياراتهم الفردية والتي تضمن الأمان لكل السوريين والسوريات على حد سواء، كما تكفل حرية العقيدة والضمير بعيداً عن التوظيف السياسي أو الوصاية الدينية، لكن وللأسف يبدو أن لا أمل في ذلك في ظل حكومةٍ إقصائيةٍ راديكاليةٍ كحكومة السلطة الانتقالية.

يؤسفني أن أقول إنني أرى في ذلك حربة أو طعنة جديدة تمثّل انتكاسة هدّامة لإمكانية بناء عقد اجتماعي جديد. كان الأمل معقود على إطلاق حوار وطني سوري – سوري يحتفي بالتنوع المجتمعي كغنىً لا كقاعدة لانتهاكات (جديدة في ذاكرة السوريين) والمحاصصة الطائفية. إن تجنب إعادة إنتاج مناخات القمع والتقسيم هي اليوم ضرورة ماسّة. كذلك إن الارتهان لتعميم خطاب راديكالي طائفي تحت أي ذريعة ليس سوى رضوخ، وإعادة إنتاج لآليات الهيمنة التي تكرس سلطة الأمر الواقع بطريقة غير قابلة للمشاركة، وتسلب المجتمع إرادته في بناء هوية سورية وطنية جامعة تتسق مع وحدة سوريا أرضاً وشعباً، ومع مبادئ حقوق الإنسان والشرعة الدولية.

سعاد خبية، كاتبة صحفية وباحثة في المجال الحقوقي:

منذ وصول السلطة الحالية إلى الحكم، برز حضور المرجعية الدينية بصورة أوضح في الخطاب السياسي، وفي بعض الخيارات الدستورية والمؤسساتية التي رافقت المرحلة الانتقالية، ولا يتعلق النقاش هنا بمكانة الدين في المجتمع السوري، فهي مكانة راسخة لا خلاف عليها، وإنما بحدود ومساحة وتأثير حضوره في المجال السياسي، وبالآثار التي قد يتركها على شكل الدولة ومستقبل التشريع والحقوق والحريات، فالتجارب التاريخية تُظهر أن الإشكالية لا تبدأ مع الدين، بل عندما يتحول إلى مصدر لشرعية السلطة أو مرجعية لإدارة الشأن العام، بما قد يؤدي إلى تداخل المجالين الديني والسياسي على نحو يصعب معه الفصل بين نقد السياسات والاعتراض على المقدس.

ثمة فرق جوهري بين مجتمع يستلهم قيمه من دينه، ودولة تمنح المرجعية الدينية حضوراً مؤثراً في بنيتها الدستورية وتشريعاتها (المادة 3 من الإعلان الدستوري “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”) فالدين في المجال المجتمعي، يمثل مصدراً للقيم والأخلاق والهوية، أما الدولة فهي الإطار الجامع لجميع المواطنين، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وقناعاتهم، لذلك، فإن شرعية الدولة الحديثة لا تقوم على تمثيل عقيدة الأغلبية، وإنما على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وخضوع السلطة للمساءلة، وكلما اقتربت السلطة من إضفاء طابع ديني على مشروعيتها، تضاءلت المساحة المتاحة للنقد السياسي، وازدادت احتمالات احتكار الحقيقة باسم الدين، وهو ما لا ينسجم مع أسس النظام الديمقراطي، ولا تبدو هذه المخاوف مجرد نقاشات نظرية، بل تكتسب أهمية خاصة في ضوء المسار الذي تشهده سوريا اليوم، فبعد الإعلان الدستوري، دخلت البلاد مرحلة بناء مؤسسات السلطة الجديدة، من تشكيل مجلس الشعب إلى استكمال المنظومة التشريعية والتنفيذية، وفي هذه المرحلة لا تقتصر أهمية النصوص الدستورية على ما تتضمنه من مبادئ، بل تمتد إلى كيفية ترجمتها في القوانين والسياسات العامة.

فهذه الخيارات سترسم ملامح الدولة لسنوات طويلة، وستحدد ما إذا كانت المرجعية العليا ستكون الدستور والمواطنة وسيادة القانون، أم أن المرجعيات الدينية ستؤدي دوراً متزايداً في توجيه التشريع والحياة العامة.

وتنعكس هذه الخيارات بصورة مباشرة على منظومة الحقوق والحريات، لأنها تمثل الاختبار الحقيقي لطبيعة الدولة، فحرية الرأي والتعبير، وحرية الاعتقاد والضمير، وحرية العمل السياسي والمدني، ليست حقوقاً تمنحها السلطة متى شاءت، بل هي ضمانات دستورية يجب أن تبقى بمنأى عن أي اعتبارات أيديولوجية أو دينية، والدولة التي تتسع فيها مساحة الحرية هي الدولة القادرة على استيعاب الاختلاف، لا على إدارته بالإقصاء أو الوصاية.

وينطبق الأمر ذاته على حقوق المرأة، التي ينبغي ألاّ تبقى محل اجتهادات متباينة أو رهينة لتفسيرات اجتماعية أو دينية، بل يجب أن تستند إلى مبدأ المواطنة والمساواة الكاملة أمام القانون، فالمرأة السورية التي شاركت في الثورة، وتحملت أعباء الحرب، وأسهمت في العمل العام، من حقها أن تكون شريكاً كاملاً في بناء الدولة الجديدة، وأن تُكفل لها فرص متساوية في المشاركة السياسية، وتولي المناصب العامة، والوصول إلى مواقع صنع القرار، من دون أي تمييز بسبب الجنس أو الخلفية الدينية أو الاجتماعية،  فالمعيار في الدولة الديمقراطية هو الكفاءة والجدارة، لا الهوية أو النوع الاجتماعي.

ولا يقتصر الأمر على حقوق المرأة، بل يمتد إلى جميع مكونات المجتمع السوري. فاستقرار الدولة لن يتحقق إذا شعر أي مواطن بأن حقوقه أو فرصه تتحدد على أساس دينه أو مذهبه أو قوميته أو قناعاته الفكرية، إن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يقتضي أن يكون القانون هو المرجعية الوحيدة التي تحكم العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وأن يشعر الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات من دون امتياز أو تمييز.

إن مستقبل سوريا لم يُحسم بعد، وما تزال المرحلة الانتقالية تتيح فرصة لتصويب المسار وبناء دولة حديثة تستمد شرعيتها من مواطنيها، لا من أي مرجعية تعلو على الدستور، فنجاح السلطة لن يُقاس بقدرتها على توظيف الخطاب الديني في تعزيز مشروعيتها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وتشريعات عادلة، تضمن حرية التعبير والاعتقاد، وتحمي حقوق المرأة، وتصون التعددية السياسية والثقافية، وتكرس المواطنة المتساوية بوصفها أساس العلاقة بين الدولة وجميع السوريين، فهذه هي الضمانة الحقيقية لاستقرار سوريا، ولإقامة دولة قانون لا يخشى فيها المواطن من الاختلاف، ولا يحتاج فيها إلى الانتماء إلاّ للوطن.

مصطفى الدروبي، سياسي وعضو في الحزب الدستوري السوري:

تواجه سورية اليوم تحديات وجودية عميقة تهدد وحدتها الوطنية ومستقبلها السياسي في ظل سيطرة تيار ذي مرجعية دينية متشددة لا ينسجم وفق رؤية كثير من السوريين مع الإرث التاريخي والثقافي لسورية القائم على التعددية والتسامح وقبول الآخر.

ومنذ وصول هذه القوى إلى دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، رُفع شعار “من يحرر يقرر”!! في وقت يرى فيه منتقدوها أنها لم تنجز عملية تحرير وطني بالمعنى التقليدي بل استفادت من ظروف إقليمية ودولية معقدة أوصلتها إلى السلطة وبتمكين من جهات استخباراتية مشبوهة. ومن هذا المنطلق نجد أن هذه السلطة تسعى على الدوام من أجل الحصول على الاعتراف الخارجي مستجدية الشرعية منه أكثر من انشغالها على اكتساب الشرعية من الشعب السوري والعمل على إعادة بناء الدولة وتحقيق التوافق الوطني الداخلي.

إن هذه السلطة الجديدة وغير الشرعية لم تتخذ مواقف حازمة تجاه الانتهاكات التي تعرضت لها السيادة السورية في حين وجهت جهودها الأمنية والعسكرية إلى الداخل السوري مرتكبة الجرائم بحق السوريين في الساحل وفي محافظة السويداء عبر خطاب طائفي بغيض مستنداً على نبرة الكراهية والإقصاء والاستئثار الأمر الذي أدى إلى تفاقم الانقسامات المجتمعية وتصاعد الخطابات الطائفية والكراهية المتبادلة، بما يهدد السلم الأهلي ووحدة البلاد.

إن المرجعية الفكرية والعقدية للتيار الحاكم تقوم على احتكار الحقيقة السياسية والدينية وتفتقر إلى الإيمان بمبادئ الدولة الوطنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتعددية السياسية.  إن هذا التيار يكرّس احتكار السلطة وإقصاء القوى الوطنية الأخرى بدل الانخراط في مشروع جامع يشارك فيه جميع السوريين دون تمييز.

وفي المقابل فإن بناء سوريا الجديدة يتطلب قبل أي شيء آخر إطلاق مسار وطني شامل يرسخ العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ويعيد الثقة بين مكونات المجتمع السوري ويؤسس لدولة المؤسسات لا لدولة الأفراد ولدولة القانون لا لسلطة الأمر الواقع.

وانطلاقاً من هذه الرؤية يؤكد حزبنا، الحزب الدستوري السوري “حَدْس” أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يقوم إلاّ على أسس الدولة الديمقراطية الحديثة التي تتسع لجميع أبنائها بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية أو الفكرية. فالدولة المنشودة هي دولة المواطنة المتساوية والعدالة وتكافؤ الفرص واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة.

كما يرى الحزب أن الدستور يجب أن يكون الإطار الجامع الذي يكرس هذه المبادئ ويضمن التداول السلمي للسلطة واستقلال المؤسسات بما يحقق الاستقرار والتنمية ويصون وحدة البلاد. فنهضة سورية الحديثة لا تتحقق عبر الإقصاء أو الاحتكار بل عبر الشراكة الوطنية الواسعة وفصل المجال الديني عن الصراع السياسي واحترام حرية المعتقد باعتبارها حقاً شخصياً مكفولاً لكل مواطن مع صون كرامة الأديان والمعتقدات واحترامها جميعاً.

إن استعادة سوريا لعافيتها لا تتأتى عبر ديكتاتورية دينية ترفع شعار “أطيعوني”!! بل عبر بناء دولة المؤسسات الجامعة المستندة للمواطنة المتساوية وللشفافية ولمؤسسات الدولة الحديثة المنشودة من جُل السوريين.

إن إنقاذ سورية واستعادة عافيتها يمران عبر مشروع وطني ديمقراطي جامع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار ويعيد للسوريين حقهم في بناء دولتهم الحرة والعادلة والموحّدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق