عن معارضة “الحد الأدنى” وخيانة التاريخ السياسي

في محاولة للهروب من اتخاذ موقف واضح وصريح من سلطة الأمر الواقع، تأسست بعض التحالفات السياسية التي تضم “قوى” سياسية محسوبة تاريخياً على التيارين اليساري والديمقراطي، وتقوم هذه التحالفات على مجموعة مبادئ وأهداف عامة، وأصدرت عدداً من بيانات الموقف تجاه أحداث مرّت بها البلاد منذ ما بعد انهيار نظام بشار الأسد.
لا بدَّ من تسجيل ملاحظة أساسية على استخدام تعبير “القوى السياسية”، لأن هذا التعبير يوحي بما لا يطابق واقع الحال لهذه القوى، خصوصاً في مآلاتها الراهنة، فكرياً وتنظيمياً، وما يصدر عنها من مواقف. وأيضاً بشكل أساسي نظراً لخصوصية الواقع السوري، في تسيد حالة الاستبداد لعقود من جهة، ومن ثم مناخات الحرب بعد عام 2011 من جهة ثانية.
لكن كل هذه الأسباب، لا تجعلنا ننساق إلى موقع تبرير المواقف التي اتخذتها هذه الأحزاب تجاه سلطة الأمر الواقع، خصوصاً أن بعضاً من السردية النضالية لهذه الأحزاب قامت على ما قدمه أعضائها رجالاً ونساءً من تضحيات، وبالتالي، فإنه لا يليق بها سياسياً، وبما ينسجم مع هذا التاريخ النضالي، ومع السردية، أن تنتهي إلى تبني مواقف مراوغة وغير مبدئية، أقله وفاءً للتاريخ النضالي.
تأخذ تلك “القوى” علينا في الحزب الدستوري السوري “حَدْس” موقفنا المعارض، من دون حد أو سقف، لسلطة الأمر الواقع القائمة حالياً، وتتهمنا في كثير من الأحيان باتخاذ مواقف متشنجة وانتحارية جداً، وأننا بمعارضتنا الواضحة لهذه السلطة، وتسميتنا الأسماء بمسمياتها، وتوجيه الاتهام لها بارتكاب مجازر موثقة في الساحل والسويداء على أساس طائفي، قد اتخذنا موقفاً حدّياً غير ذي جدوى، بدلاً من وقوفنا منها، أي من السلطة، موقفاً وسطياً يمكننا من مشاركتها لاحقاً.
وتسوّق تلك “القوى” في ذلك ذرائع عدة: أن القوى الدولية والإقليمية داعمة للسلطة، وأن لها شعبية وحاضنة اجتماعية واسعة، وأن الشارع السوري غير مستعد حالياً لتقبّل الأحزاب السياسية، وأنه لم يصدر بعد قانون أحزاب ناظم للحياة السياسية السورية.
ويبدو أنه من عجائب التاريخ السوري، أن تُناقض الأحزاب السياسية تاريخها، وكأن مبدأ الاستئذان السياسي بات من المبادئ الأساسية للعمل الحزبي، وهي التي تأسست وعملت من دون أن تكون مرخصة، وأيضاً كأن وجود الأحزاب ونشوئها مرتبطان بقبول كل الشارع لها، مع التذكير بأن الشارع السوري ليس على رأي أو موقف واحد، سواء من السلطة أو من وجود الأحزاب أو عدم وجودها، أو في كل القضايا ذات الشأن العام، والأخطر من ذلك أن في هذه الذرائع يكمن تحليل طائفي، في إقرارها بأن الشارع السوري معها، والمقصود بذلك الأغلبية الدينية، وهو إقرار منافٍ لآليات التحليل التي اعتمدتها تلك الأحزاب طوال تاريخ عملها السياسي، وكذلك الأمر يسهم في تحويل فكرة الأغلبية والأٌقلية إلى مجرد إحصاء عددي ديني وطائفي، بعيداً عن السياسة نفسها.
إن ما غاب عن قراءة تلك “القوى”، عمداً أو سهواً لموقفنا السياسي من سلطة الأمر الواقع، أننا أسسنا معارضتنا لها انطلاقاً مما أسميناه مبدأ “سلامة الإجراءات وشرعيتها”، وقد شرح الحزب هذا المبدأ في عدد من أدبياته ومواقفه عقب انهيار نظام بشار الأسد، إذ لا يحق لسلطة انتقالية أن تحوز على صلاحيات تتجاوز مفهوم مرحلة الانتقال السياسي.
فإذا نظرنا إلى الطريقة التي أتت بها تلك السلطة، والإجراءات التي اتخذتها بدءاً من مؤتمر النصر، مروراً بمؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى تعيين مجلس الشعب، وطريقة تعاطيها مع الشعب السوري كـ “مكونات طائفية”، وارتكابها مجازر في الساحل والسويداء، وتعاطيها الدعائي والانتقائي، وفقاً لمصالحها ومقتضيات الضرورة، مع ملفات العدالة الانتقالية، ومحاولات تكريس الاحتلالات القائمة وإعطائها شرعية قانونية، سواء الاحتلال التركي أو الإسرائيلي، لوجدنا أن كل هذه الإجراءات أحادية الجانب وغير شرعية، ولم تُنهِ الحرب السورية.
إن ما ينهي هذه الحرب هو وجود وثيقة صادرة عن مؤتمر حوار وطني حقيقي لا يستثني أحداً، يوقع عليها الجميع. وإن استمرار غياب هذه الوثيقة، التي لم نوقع عليها نحن في “حَدْس”، ولا أي حزب سياسي سوري، يعني بقاء هذه السلطة أو غيرها من دون شرعية تخولها البقاء في الحكم، كما يعني أننا في حِلّ من كل ما صدر وسيصدر عن هذه السلطة.
إضافة إلى ذلك، فإن سعي هذه السلطة إلى تقزيم مفهوم الدولة وابتلاعه لصالحها فقط، جعل معارضة السلطة ونقدها عند تلك “القوى” معارضةً للدولة ونقداً لها، متجاهلةً أن بناء الدولة الحديثة والمنشودة لا يمكن أن يكون من قبل طرف واحد يحتكم إلى قوة السلاح، إلاّ في حال سعيه إلى إعادة إنتاج دولة الاستبداد السابقة.
إن أزمة العمل السياسي في سوريا لا تنفصل عن أزمة “القوى” ذاتها، فهي تحاول إثبات وجودها في ظل واقع لم يكن لها دور في صياغته، وفي الوقت نفسه تحاول إيجاد صيغة من التفاهم والوسطية مع سلطة أمر واقع وفصائل جهادية سلفية، لا تقيم أي اعتبار لمن يخالفها أيديولوجياً.
إن عدم قدرة تلك “القوى” على إحداث توازن أو تأثير في المشهد العام جعلها تسعى إلى بناء علاقات وتحالفات سياسية ومدنية، سواء داخل السلطة أو خارجها، وفقاً لمبدأ “الحد الأدنى” من التوافقات الإصلاحية التي تتضمن مطالب آنية وقريبة المدى ولا تؤثر على السلطة بشكل مباشر، كتحسين الأجور وتخفيض الأسعار والحدّ من الخصخصة، وتعديل قوانين انتخابات مجالس النقابات والمجالس المحلية، أي في إطار قضايا محقة، لكنها تقع ضمن ما عرفه السوريون “معارضة تحت سقف السلطة”.
إن هذا السلوك الذي تمارسه هذه “القوى”، يهدف للحفاظ على موقعها الذي تتوهمه في المشهد العام، فتقوم بإصدار بيانات ووثائق تتجنب فيها الإشارة إلى مسؤولية سلطة الأمر الواقع الحالية عن كل ما جرى ويجري حالياً في سوريا منذ وصولها إلى الحكم.
فالمجازر والقتل والخطف تصبح انتهاكات وتجاوزات وأخطاء فردية بدافع انتقامي غير ممنهج، وفي الوقت نفسه فإن هذا النوع من تحالفات “الحد الأدنى” يُعفي تلك “القوى” من اتخاذ مواقف تضعها في مواجهة مباشرة، هي في غنى عنها، مع السلطة القائمة.
لقد غاب عن التفكير السياسي لهذه “القوى” أن تحالفات “الحد الأدنى” هي، في معظمها، سمة من سمات العمل السياسي في مراحل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، التي تكون فيها القضايا الأساسية، كشكل الدولة وهويتها ونظام الحكم وطبيعة الاقتصاد، قد حُسمت.
أما في الحالة السورية، فإن هذا النوع من تحالفات “الحد الأدنى” يُعتبر بديلاً يُعفي تلك “القوى” من تقديم برامج سياسية متكاملة، هي عاجزة عن تقديمها لأنها تمتلك من الأيديولوجيا أكثر بكثير مما تمتلكه من العقل والتخطيط السياسي القادر على فهم المشهد وتحليله وتوجيه بوصلته.
كما أن هذا النوع من التحالفات لا يعالج الخلافات الجوهرية والعميقة بين عناصره، سواء كـ “قوى” فيما بينها من جهة، أو مع السلطة كجهاز إداري وتوجيهي من جهة أخرى، بل يؤجل تلك الخلافات ويرحّلها نحو المستقبل البعيد.
كما أن طبيعة هذه التحالفات ونسقها العام يجمّدان ويعطلان ويؤجلان النقاش حول القضايا الوطنية الأساسية، كالهوية الوطنية وطبيعة الحكم والدولة والاقتصاد والتخطيط المستقبلي، لأنها قضايا جوهرية وخلافية، ومتباينة في الرؤى والمواقف بين أطراف تلك التحالفات، وإن التطرق إلى مثل هذه القضايا سيؤدي إلى إفشال التحالف، عدا عن ذلك، يمكن لنا اعتبار تحالفات “الحد الأدنى” تحالفات فوقية بين “النخب”، من دون النظر إلى المطالب الحقيقية للشعب والوطن.
إن تلك “القوى” التي تبنت نهجاً راديكالياً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في مواجهة نظام الأسد الأب، ودخلت بعد وفاته مرحلة يسودها التخبط والشلل والعجز عن الفعل، تفاجأت عام 2011 بالانتفاضة السورية، من حيث سرعة تمددها وانتشارها وارتفاع سقف مطالبها، ولم تستطع اللحاق بها والنزول والانضمام إليها.
ومن ثم عادت لتتفاجأ بهروب الأسد الابن وما تبعه، وبدلاً من أن تستغل هذه “القوى” تفكك القبضة الأمنية لصالحها، وتنتقل إلى العمل العلني والسريع لإثبات وجودها في الشارع السوري، بوصفه المكان الأساس والمنطلق لأي عمل سياسي، سواء صدر قانون ناظم لعملها أم لا، تبنت، ومعها منظمات وناشطو الـ NGOS، فكرة عدم المشاركة السياسية والحزبية، منعاً للاستقطاب وخوفاً من طرح شعارات بلا سقف.
وليتقاطع هذا التبني مع توجهات سلطة الأمر الواقع الحالية ومحاولاتها الحد من الوجود السياسي والتضييق على الحياة السياسية، وبناءً عليه، فإن وقوف تلك “القوى” في موقف يتقاطع، بشكل أو بآخر، مع رغبة السلطة ونزوعها، يعني سلفاً قبولها بها وسعيها إلى التطبيع معها، وخصوصاً أنها اعتبرت أن مهمتها التاريخية قد أُنجزت برحيل الأسد.
إن هذا الموقف يُعتبر، بحد ذاته، سقوطاً أخلاقياً لتلك “القوى”، وخيانة لتاريخها وشهدائها ومبادئها ونضالاتها، ولسنوات طويلة قضاها أعضاؤها في المعتقلات.