الخليج بعد ستة أشهر من الحرب: انكشاف معادلات الأمن والاستقرار

(حدْس) – هيئة التحرير:
مرّت ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في 28 فبراير/شباط 2026، وهي مدة كافية للانتقال من رصد النتائج المباشرة للصواريخ وتعطل الملاحة والطيران إلى طرح سؤال أكثر عمقاً: ماذا غيّرت الحرب في الموقع السياسي والاستراتيجي لدول الخليج العربي نفسها؟
تكتسب السعودية والإمارات وقطر أهمية خاصة في هذا السياق، ليس لأنها الدول الخليجية الثلاث الأكثر حضوراً سياسياً واقتصادياً فقط، وإنما لأن كلاً منها دخل الحرب بنموذج مختلف لإدارة علاقاته الخارجية ومصادر قوته ومخاطره. ومع ذلك، جمع بينها أمر أساسي، وهو أن أي منها لم تكن راغبة في حرب أمريكية إيرانية مفتوحة، لكن أياً منها لم تتمكن أيضاً من عزل نفسها عن نتائجها.
وهنا تكمن المفارقة، فقد استثمرت دول الخليج خلال عقود في علاقات أمنية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة بهدف تقليص مخاطر عدم الاستقرار الإقليمي، بينما أظهرت الحرب أن الارتباط بالبنية العسكرية الأمريكية يمكن، في لحظة المواجهة الأمريكية المباشرة مع إيران، أن يجعل الأراضي الخليجية جزءاً من المجال الجغرافي للصراع ذاته. وهكذا تحول السؤال من مدى قدرة الولايات المتحدة على حماية دول الخليج من إيران إلى سؤال أكثر إزعاجاً بالنسبة إلى هذه الدول: هل تستطيع المظلة الأمريكية أن توفر الأمن من دون أن تجعل الدول التي تستضيفها جزءاً من الحروب التي تقررها واشنطن؟
وعلى الرغم من محاولات حكومات دول الخليج تجنب المشاركة المباشرة بالحرب، إلا أنها تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات، نظراً لوجود قواعد أمريكية عديدة فيها، وقد استمر الموقف الخليجي كموقف دفاعي وديبلوماسي لتجنب مواجهة مفتوحة.
لقد وضعت الحرب الأخيرة إحدى أهم ركائز النظام الأمني الخليجي منذ نهاية الحرب الباردة موضع الاختبار، فالمعادلة التي قامت على الاستضافة العسكرية الأمريكية مقابل الردع والحماية لم تنهَر، لكنها لم تعد تنتج الإجابة السياسية المطمئنة التي كانت تنتجها سابقاً. فالولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الخارجية التي لا يمكن لأي دولة أخرى تعويض قدراتها في الخليج في المدى القريب، لكن ذلك لا يساوي بالضرورة الثقة بأن المصالح الأمنية الأمريكية والخليجية متطابقة، وقد جعلت الحرب الفارق بين الأمرين أكثر وضوحاً.
وتظهر السعودية مثالاً مهماً على ذلك. فقد دخلت الرياض الحرب بعد سنوات من محاولة تخفيض التوتر مع طهران، وفي وقت كانت تعمل فيه في الوقت نفسه على تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن. لكن الحرب اندلعت، وفق تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، من دون أن تكون السعودية قد سعت إليها أو أن تكون قد تلقت مستوى من التشاور يتناسب مع حجم انعكاساتها المحتملة على أمنها واقتصادها.
وبعد ستة أشهر، لا يمكن تجاهل الدلالة السياسية لاتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية مع تركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب، والذي يقرر أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداء عليها جميعاً. لا يعني ذلك أن الرياض تستبدل الولايات المتحدة بتحالف جديد، مثل هذا الاستنتاج سيكون متسرعاً. لكنه يوفر مؤشراً عملياً على أن المملكة تريد زيادة عدد مصادر القوة والردع التي تستطيع الاعتماد عليها وعدم ترك أمنها مرتبطاً حصراً بمسار العلاقة مع واشنطن.
لكن المشكلة الأمريكية ليست وحدها التي كشفتها الحرب. فقد أصابت المواجهة أيضاً الفرضيات التي قامت عليها سياسات التقارب مع إسرائيل.
خلال الأعوام السابقة للحرب، قُدّمت العلاقة مع إسرائيل، وخصوصاً في الخطاب الأمريكي الداعم لاتفاقات أبراهام، باعتبارها جزءاً من هندسة إقليمية جديدة تستطيع زيادة الردع في مواجهة إيران. لكن حرب 2026 جعلت من الممكن طرح السؤال من الاتجاه المعاكس: إذا كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تجعل الدول المرتبطة عسكرياً وسياسياً بهذا المحور أكثر عرضة للانتقام الإيراني، فهل أصبحت العلاقة مع إسرائيل تخفض المخاطر أم تضيف نوعاً جديداً منها؟
الإجابة ليست واحدة في السعودية والإمارات وقطر.
الإمارات، وهي الدولة الخليجية التي قطعت أبعد شوط في بناء علاقة سياسية واقتصادية وأمنية علنية مع إسرائيل، وجدت نفسها مع ذلك داخل النطاق المباشر للحرب. وهذا لا يعني أن اتفاقات أبراهام تسببت بالحرب أو بالهجمات الإيرانية، لكنه يضعف من الناحية السياسية حجة أن الاقتراب من إسرائيل في حد ذاته يوفر حصانة من الخطر الإيراني.
أما السعودية، فإن الحرب جاءت فيما لم يكن مسار التطبيع مع إسرائيل قد اكتمل أصلاً. وهنا تصبح الكلفة السياسية للحرب مضاعفة: حرب غزة كانت قد رفعت تكلفة التطبيع شعبياً وسياسياً، ثم جاءت المواجهة مع إيران لتطرح سؤالاً أمنياً إضافياً حول جدوى الانضمام إلى منظومة إقليمية يمكن أن يُنظر إليها في طهران باعتبارها امتداداً للتحالف الأمريكي الإسرائيلي. ولذلك بقي الموقف السعودي متمسكاً بمطلب وجود مسار لا رجعة فيه نحو قيام دولة فلسطينية كشرط للتطبيع، في وقت تؤكد فيه الرياض رغبتها في الحفاظ على شراكتها الأساسية مع واشنطن.
أما قطر، التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات حيوية مع الولايات المتحدة وإيران، فقد وجدت أن سياستها القائمة على إبقاء قنوات الاتصال مع الأطراف المتعارضة ضرورة استراتيجية، فجغرافية الغاز القطري وموقع الدوحة العسكري والسياسي جعلا القدرة على الحديث مع واشنطن وطهران في آن واحد مسألة ترتبط مباشرة بالأمن الوطني القطري.
إلاّ أن الأثر الأكثر عمقاً للحرب ربما لا يظهر في الاتفاقيات والتصريحات الدبلوماسية بقدر ما يظهر في شيء أقل قابلية للقياس: تغير مفهوم المخاطر داخل الخليج.
الإمارات مثال بالغ الدلالة. فقد بنت خلال أكثر من عقدين واحدة من أنجح عمليات بناء الصورة الدولية في المنطقة: دبي وأبو ظبي كمركزين للأعمال والاستثمار والسياحة والطيران والرفاهية، وكجزيرتي استقرار يمكن فصلهما نفسياً واقتصادياً عن اضطرابات الشرق الأوسط المحيط بهما، لكن الحرب أضعفت هذا الفصل.
انخفض عدد المسافرين عبر مطار دبي الدولي في النصف الأول من 2026 بنسبة 31.3%، من نحو 46 مليون مسافر في الفترة نفسها من 2025 إلى 31.5 مليوناً، وانخفضت حركة الطائرات بنسبة 32.1%. وكانت التوقعات قبل اندلاع الحرب تشير إلى اقتراب المطار من 100 مليون مسافر خلال العام، فإغلاق الأجواء وإلغاء الرحلات وتعطل الشبكات الجوية عوامل مباشرة وأساسية. لكن استمرار حذر شركات طيران دولية كبرى في إعادة عملياتها يكشف أن المسألة تتعلق أيضاً بإعادة تقييم المخاطر.
هنا تتحول الصورة الإعلامية والنفسية إلى عامل سياسي واقتصادي. فالدولة التي جعلت الاستقرار جزءاً من علامتها العالمية تتضرر عندما يصبح اسمها مرتبطاً في نشرات الأخبار بالصواريخ وإغلاق الأجواء واضطراب الملاحة، حتى عندما لا تصاب منشآتها مباشرة.
والشيء نفسه، وإن بصورة مختلفة، ينطبق على السعودية. فجزء أساسي من التحول الجاري ضمن رؤية 2030 يعتمد على إقناع المستثمر والسائح والشركة العالمية بأن المملكة ليست مجرد مصدر للنفط، بل وجهة للسياحة والترفيه والأعمال والاستثمار طويل الأجل. ولذلك لا يمكن قياس كلفة الحرب السعودية بميزانية الدولة وأسعار النفط وحدهما. فتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو السعودي من 4.6% في 2025 إلى 1.7% في 2026، مع تراجع نمو القطاع غير النفطي إلى 2.6%، وربط ذلك جزئياً بتعطل التجارة وتضرر الثقة والنشاط غير النفطي.
والمفارقة أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح الخزانة السعودية إيرادات إضافية في اللحظة نفسها التي تضر فيها الحرب بالاقتصاد الذي تحاول المملكة بناءه بعيداً عن النفط. وهنا تظهر مشكلة استراتيجية: قد تربح الدولة النفطية من ارتفاع سعر البرميل، بينما يخسر مشروع تنويع اقتصادها من السبب نفسه الذي رفع السعر، أي استمرار عدم الاستقرار الإقليمي.
لكن قطر تكشف الوجه الأكثر حدة للهشاشة الخليجية. فقد تراجعت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر الستة للحرب بنحو 96%، من 509 شحنات في الفترة المقابلة من العام السابق إلى 18 شحنة فقط، وقدرت خسائر مبيعات الغاز بنحو 24 مليار دولار. وقبل الحرب كانت قطر تؤمن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
هذه الأرقام تكشف قيداً استراتيجياً بالغ الأهمية: يمكن للدولة أن تمتلك واحدة من أكبر ثروات الغاز في العالم وأن تتمتع بنفوذ دولي كبير بفضلها، لكنها لا تمتلك بالضرورة السيطرة الكاملة على إمكانية إيصال هذه الثروة إلى الأسواق إذا كان طريقها البحري يمر عبر نقطة اختناق يمكن لطرف آخر تعطيلها.
وهكذا، بعد ستة أشهر، أصابت الحرب عناصر أساسية من البيئة التي بنت عليها السعودية والإمارات وقطر مشاريعها خلال العقد الأخير: أمن الممرات البحرية، الاعتماد على الولايات المتحدة، إدارة العلاقة مع إيران، الاقتراب من إسرائيل، الاستثمار في الاقتصاد غير النفطي، وصناعة صورة إقليمية قائمة على الاستقرار.
والسؤال الذي ينبغي أن يحكم قراءة آثار الحرب لا يرتبط بما تمتلكه هذه الدول من موارد تسمح لها بتحمل الخسائر، وإنما بطبيعة الافتراضات التي بنت عليها هذه الدول استراتيجياتها قبل هذه الحرب، وهل لا تزال تلك الاستراتيجيات صالحة.
فالحرب لم تكشف فقط هشاشة منشأة أو ممر بحري أو قطاع اقتصادي، فقد كشفت أيضاً هشاشة الافتراض بأن دول الخليج تستطيع أن تبني ازدهاراً عالمياً واستقراراً دائماً داخل نظام إقليمي لا تملك، حتى الآن، السيطرة على أهم مصادر الحرب والسلام فيه.