“فلاحو سوريا”: ماذا يوجد تحت السياسة؟ … منجز استثنائي لقراءة التاريخ السوري

(حدْس) – هيئة التحرير:
قدّم المؤرخ والباحث الفلسطيني حنا بطاطو (1926-2000) منجزاً استثنائياً لسوريا في كتابه “فلاحو سوريا: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم”، وهو شخصية أكاديمية مرموقة. وُلد حنا بطاطو في القدس وانتقل إلى الولايات المتحدة بعد نكبة 1948. درس في جامعة جورج تاون، ثم حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من هارفارد عام 1960، وكانت أطروحته عن الشيخ والفلاح في العراق. عمل لاحقاً أستاذاً للدراسات العربية المعاصرة في جورج تاون.
اكتسب بطاطو مكانته أساساً من كتابه الضخم “الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق”، الذي أصبح مرجعاً أساسياً لدراسة العراق الحديث. ثم نقل منهجه في دراسة الطبقات والبنى الاجتماعية إلى سوريا في كتابه الأخير عن فلاحي سوريا. وتصف مراجعة أكاديمية في International Journal of Middle East Studies الكتاب بأنه إنجاز استثنائي، موسوعي النطاق والتفاصيل، خصوصاً في ربط تكوّن القيادة السورية المعاصرة بالتحولات التي أصابت المجتمع الريفي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
وما يميز بطاطو منهجياً أنه لا يكتب التاريخ السياسي بالطريقة التقليدية، أي عبر الرؤساء والانقلابات والأحزاب وحدها. إنه يسأل عما يوجد تحت السياسة: من أي طبقات جاء الضباط؟ من أي قرى؟ ماذا كان آباؤهم يعملون؟ من كان يملك الأرض؟ من كان يعمل فيها؟ كيف أثّر التعليم والجيش والهجرة إلى المدن في أبناء الريف؟ وكيف تحولت هذه التغيرات الاجتماعية في النهاية إلى تغير في بنية السلطة؟
كتاب “فلاحو سوريا” في جوهره محاولة لفهم كيف تغيّرت البنية الاجتماعية للسلطة في سوريا، وكيف انتقلت من النخب المدينية ومُلّاك الأرض التقليديين إلى أبناء الريف، ثم كيف أعاد هؤلاء بناء الدولة والجيش وحزب البعث والسلطة حولهم.
لماذا يُعد “فلاحو سوريا” كتاباً مهماً ومرجعاً استثنائياً؟
الفكرة الكبرى التي يعالجها الكتاب تكمن في أن التحول السياسي الذي شهدته سوريا في القرن العشرين كان في جانب مهم منه تعبيراً عن تحول اجتماعي عميق، فسوريا التي خرجت من العهد العثماني والانتداب الفرنسي كانت تتميز بفجوة كبيرة بين المدينة والريف، وبقوة العائلات المدينية والأعيان وكبار ملاك الأراضي، لكن تحت هذه البنية كانت تجري تحولات تدريجية، مثل انتشار التعليم، ودخول أبناء الريف إلى الجيش، وتغير ملكية الأرض، وانفتاح قنوات اجتماعية أمام الفئات الريفية، وتشكل الأحزاب.
يساعدنا منهج بطاطو في كتابه على رؤية انقلاب 1963 وما تلاه، وصولاً إلى حافظ الأسد، ليس كسلسلة انقلابات عسكرية منفصلة عن المجتمع، وإنما كمرحلة متقدمة من صعود اجتماعي وسياسي لأبناء الريف والشرائح الريفية الوسطى والدنيا على حساب النخب التقليدية القديمة، والعنوان الكامل مهم جداً هنا، إذ لا يقول بطاطو إن “الفلاحين حكموا سوريا”، بل يتحدث تحديداً عن الفلاحين و”أبناء الوجهاء الريفيين الأقل شأناً”. وهذه الفئة الوسيطة أساسية في تفسيره لصعود البعث والقيادات الجديدة.
تعدد الطبقات في المجتمع الريفي السوري:
من أول الأفكار التي يشدد عليها بطاطو أن كلمة “الفلاحين” قد تكون مضللة إذا تعاملنا معها باعتبارها طبقة متجانسة، فالريف السوري كان شديد التنوع، فهناك ملاك كبار ومتوسطون وصغار، وفلاحون يملكون أرضهم، ومزارعون يعملون في أراضي الآخرين، وعمال زراعيون، ووجهاء محليون، وشيوخ، وشبكات عائلية وعشائرية ودينية مختلفة.
لذلك يدرس بطاطو التمايز الاجتماعي داخل الريف نفسه، وليس فقط الصراع بين المدينة والريف، كما يتتبع تغير الظروف الاقتصادية وأنماط حياة الفلاحين وأشكال وعيهم وتنظيمهم السياسي منذ العهد العثماني والانتداب الفرنسي وحتى صعود البعث، فابن مالك ريفي صغير أو أحد الوجهاء المحليين ليس مثل الفلاح المعدم، حتى لو كان الاثنان ينحدران من القرية نفسها.
الجيش بوصفه مصعداً اجتماعياً:
كان الجيش إحدى أهم قنوات الصعود لأبناء الطبقات الريفية، إذ أنه بالنسبة إلى أبناء العائلات المدينية الثرية، لم تكن المؤسسة العسكرية بالضرورة الطريق الأكثر جاذبية للترقي الاجتماعي، أما بالنسبة إلى شاب من الريف محدود الموارد، فقد كان الجيش يوفر التعليم والراتب والمكانة وإمكانية الصعود، وبمرور الزمن حدث تغير في التركيب الاجتماعي لسلك الضباط، وهذه المسألة تساعد بطاطو في تفسير ظاهرة ستصبح شديدة الأهمية لاحقاً: التقاء الأصل الريفي بالجيش وبالأحزاب الراديكالية الجديدة.
ومن هنا يصبح انقلاب 1963 أكثر من مجرد سيطرة مجموعة ضباط على الحكم، إنه أيضاً مؤشر إلى أن تركيبة النخبة الحاكمة السورية أخذت تتغير جذرياً.
لماذا نجح البعث في الريف؟
يخصص بطاطو اهتماماً كبيراً للجذور الريفية لحزب البعث، لكن من أهم استنتاجاته أن البعث نفسه لم يكن كتلة اجتماعية متجانسة. بل كان يضم مجموعات مترابطة لكنها مختلفة في أصولها الاجتماعية وأهدافها وآفاقها السياسية. وكان من أبرزها أبناء ما يسميهم “الوجهاء الريفيين الأقل شأناً”.
كانت شعارات البعث عن الوحدة والحرية والاشتراكية قادرة على مخاطبة فئات صاعدة تشعر بأن النظام الاجتماعي والسياسي القديم لا يمنحها المكانة التي تستحقها، لذلك لم يكن البعث مجرد “فكرة قومية عربية”، لذلك كانت له قاعدة اجتماعية.
وهذه إحدى أهم إضافات بطاطو: لا يمكن تفسير الحزب من خلال ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأفكار القومية العربية فقط، يجب أيضاً معرفة من انضم إلى الحزب، ومن أي بيئات جاء، ولماذا وجد أبناء الريف فيه أداة للصعود والتغيير.
الطائفة العلوية: العامل الطائفي أم العامل الاجتماعي؟
هذه من أكثر أجزاء الكتاب إثارة للاهتمام، إذ لا يتجاهل بطاطو الأهمية المتزايدة للضباط العلويين في الجيش والبعث، لكنه يحاول تجنب التفسير الطائفي البسيط الذي يقول إن ما حدث كان مجرد “استيلاء العلويين على السلطة”، وأنه لفهم صعود العلويين، يجب النظر أيضاً إلى التاريخ الاجتماعي لمناطقهم الريفية والفقر والتهميش وفرص الصعود عبر التعليم والجيش وحزب البعث.
أي أن الانتماء الطائفي يتقاطع مع الموقع الطبقي والجغرافيا الريفية ومؤسسات الدولة، وهذا تمييز مهم جداً، فبطاطو لا ينكر الشبكات الطائفية والعائلية، لكنه لا يجعل الطائفة تفسيراً سحرياً مستقلاً عن المجتمع.
كيف بُني نظام الأسد؟
في الجزء المتعلق بالأسد، ينتقل الكتاب تدريجياً من التاريخ الاجتماعي إلى تحليل السلطة، فالنظام لا يقوم على عنصر واحد. إنه مزيج من الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث ومؤسسات الدولة والعلاقات الشخصية والعائلية والمناطقية والطائفية، إضافة إلى شبكات المصالح الاقتصادية.
وبذلك تتحول الدولة إلى بنية شديدة المركزية، ويرفض بطاطو اختزال النظام إلى كونه مجرد حكم بعثي أو عسكري، أو طائفي، ويراه بوصفه تركيباً تاريخياً نتج عن تحولات اجتماعية بدأت قبل وصول الأسد بوقت طويل.
وهذا ربما هو أهم ما يمنحه الكتاب للقارئ: لكي تفهم نظام الأسد عليك أن تعود عشرات السنين إلى الوراء، إلى القرية والأرض والعلاقات الزراعية والتعليم والجيش.