من “قصابين” إلى الفضاء الكوني…. أدونيس مجدداً وثائراً في مواجهة النقل والتقليد

(حَدْس) – هيئة التحرير:
سنوات قليلة تفصل الشاعر السوري العالمي أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) عن بلوغ قرن كامل، وهو المولود عام 1930 في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة السورية، وباكراً أصبح واحداً من أهم الشعراء العرب، عبر إسهامه إلى جانب الشاعر اللبناني يوسف الخال في إصدار مجلة شعر (صدر العدد الأول منها في شتاء 1957)، التي أحدثت تحولات كبيرة في المشهد الشعري العربي، في انحيازها الواضح نحو الحداثة والتجديد الشعريين، حيث كتب فيها عدد من الشعراء الذين شاركوا في التجربة وأغنوها، وقد امتلك كل منهم خصوصيته وصوته، من أبرزهم خليل حاوي، ونذير العظمة، وفؤاد رفقة، ومحمد الماغوط، وشوقي أبي شقرار، وأنسي الحاج، وجبرا إبراهيم جبرا، والياس رزوق.
الإبداع مقابل الإتباع والتجديد مقابل النقل
في كتابه “الثابت والمتحول” المؤلف من أربعة أجزاء، وهو رسالته التي قدمها لنيل الدكتوراه في الأدب، درس أدونيس اتجاهَي الاتباع والإبداع في الثقافة العربية. وحدّد الثابت بالفكر الذي يستند إلى النص، ويمنح فهمه له صفة الحقيقة النهائية، بينما يحدّد المتحول بالفكر الذي يعيد تأويل النص استجابةً لتغيّر الواقع، أو يعتمد العقل أساساً للمعرفة، ويتتبع هذين الاتجاهين في الدين والسياسة واللغة والشعر، من خلال شخصيات وتيارات أسهمت في تأصيل الموروث أو الخروج عليه.
في مجال الفقه، يتخذ أدونيس من الشافعي نموذجاً لتأصيل الأصول وترسيخ الاتباع، ويركّز في قراءته على ضبط الاجتهاد بالمرجعيات النصية، وربط المعرفة بالأصل الذي تستند إليه. وفي مجال اللغة والنقد، يتناول الأصمعي بوصفه ممثلًا للاحتكام إلى النموذج الشعري القديم، إذ ترتبط المفاضلة بين الشعراء عنده بأولوية السابق، ومكانته، واقتداء اللاحقين به. كما يدرس الجاحظ ضمن تأصيل الأصول البيانية، ولا سيما تصوره لخصوصية الشعر العربي وعلاقة قيمته باللفظ والبيان. وتندرج هذه الأسماء في جانب الاتباع بحسب القضايا التي يناقشها أدونيس في أعمالها.
وفي تتبعه لأصول التحول الشعري، يتوقف أدونيس عند امرئ القيس وعروة بن الورد. يبرز عند امرئ القيس التمرد على نظام القبيلة وقيمها، والخروج على المألوف في التعبير والتجربة، بينما يبرز عند عروة بن الورد تجاوز رابطة النسب والقرابة إلى التضامن الإنساني، ولا سيما مع الفقراء والمهمشين. ويتناول كذلك عمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر ضمن التحول في التجربة الغزلية وعلاقة الشاعر بالمرأة.
ويحتل أبو نواس وأبو تمام موقعاً بارزاً بين ممثلي التجديد في الكتاب، فأبو نواس يعبّر عن الحياة الحضرية وتحولاتها، ويجعل التجربة المعيشة أساساً للخروج على النموذج الموروث. أما أبو تمام، فيتجه التجديد عنده إلى بناء عالم شعري تتغير فيه العلاقات بين اللغة والأشياء، وتصبح الصورة وسيلة لخلق معانٍ تتجاوز المألوف. ويقارن أدونيس بين اتجاه أبي نواس إلى وصل الشعر بالحياة، واتجاه أبي تمام إلى ابتكار عالم فني ولغوي يتجاوز الواقع المباشر.
ويمتد هذا التمييز إلى الشعر الحديث، فلا يعدّ أدونيس استعادة القصيدة القديمة تجديداً بمجرد وقوعها في عصر جديد، ومن هنا يأتي موقفه من محمود سامي البارودي ومعروف الرصافي، إذ يدرج تجربتيهما ضمن الاتجاه الإحيائي الذي يستعيد نماذج الماضي. ويتناول مصطفى صادق الرافعي ضمن الدفاع عن الأصالة القائمة على مرجعية الأصول الموروثة. وفي المقابل، يمنح جبران خليل جبران مكانة أساسية في نشوء الحداثة الشعرية، لارتباط تجربته بتحول الرؤيا إلى الإنسان والعالم، مع رصده اجتماع عناصر حديثة وكلاسيكية في كتابته.
ولا يجعل أدونيس الثابت والمتحول صفتين مطلقتين منفصلتين، فقد يتضمن الاتجاه التجديدي عناصر من الثبات، كما قد يعرف الاتجاه الاتباعي بعض التحولات، ويقوم تمييزه على الطابع الغالب في كل تجربة، وعلى علاقتها بالأصل.
خلخلة اليقين في اللغة والصورة والفكر
منذ بدء انتشاره، اعتبر أدونيس إشكالياً في واقع ثقافي عربي مدعوم بسلطات تحتكر التفسير، فاتهم بالرمزية والتعالي على الجمهور، في الوقت الذي لم يزعم فيه أدونيس يوماً أنه يكتب أو يؤمن بمقولة الجمهور في الشعر، ففي ثورته النقدية على تقديس النص والأصل ومضامين الشعر الكلاسيكي من فخر وهجاء ومدح ووقوف على الأطلال، كانت هناك ثورة موازية على الواقع العربي في القرن العشرين، الواقع السياسي والاجتماعي والأيديولوجي والثقافي، وإعادة إنتاج التأخر في المجتمعات العربية.
في قصيدته “أول الشعر”، وكأنما يفصح عن جوهر مشروعه النقدي والجمالي، يقول أدونيس:
“أجمل ما تكونُ أن تُخلخلَ المدى
والآخرون – بعضهم يظنّك النّداءَ
بعضهم يظنّك الصّدى.
أجمل ما تكونُ أن تكون حجّةً
للنور والظّلامِ
يكون فيك آخرُ الكلامِ أوّلَ الكلامِ
والآخرون – بعضهم يرى إليك زبداَ
وبعضهم يرى إليك خالقاً.
أجمل ما تكون أن تكون هدفاً –
مفترقاً
للصّمتِ والكلامِ”
أدونيس… جوائز وأوسمة وإجحاف “نوبل”
تُرجمت أعمال أدونيس إلى نحو عشرين لغة، منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والسويدية والصينية، وحصل على عدد من الجوائز، من أبرزها
جائزة ناظم حكمت العالمية للشعر عام 1994، والإكليل الذهبي لمهرجان ستروغا الشعري عام 1997، وجائزة نونينو العالمية عام 1999، وجائزة بيورنسون النرويجية عام 2007، كما نال جائزة غوته لمدينة فرانكفورت عام 2011، وجائزة PEN / نابوكوف للإنجاز في الأدب العالمي عام 2017، وجائزة جوان مارغريت العالمية للشعر عام 2024، وإلى جانب الجوائز الأدبية، مُنح وسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة فارس عام 2012.
وفي كل عام يعود اسم أدونيس كمرشح محتمل للفوز بجائزة نوبل للآداب، التي تعدّ أرفع جائزة أدبية في العالم، وعلى الرغم من أنه ربما أبرز الشعراء العرب والأكثر شهرة عالمياً بينهم، وعلى الرغم من أن الجائزة لم تمنح حتى الآن إلى أي شاعر عربي، فإنه لم يحصل عليه، فيما يصفه العديد من النقاد بإجحاف لا يتعلق فقط بأدونيس وإنما بالشعر العربي الحديث برمته.