فكر وتحليل سياسي

سوريا: التاريخانية، الدولة، المشروع الوطني الديمقراطي

لحظة الخراب وسؤال البديل

حسام ميرو

مقدمة:

ما تعيشه سوريا اليوم، لا أجد له توصيفاً أدق من “لحظة انكشاف مستوى وعمق الخراب”، فنتائج انتفاضة 2011، كانت في سيرورتها: تفكك مؤسسات الدولة، تطييف الصراع السياسي، عسكرة المجتمع، وتدويل القضية الوطنية، وهزيمة العقلانية، ولم تتمكن موازين القوى حتى لحظة سقوط النظام باتفاق إقليمي ودولي قادرة على إنتاج حلّ سياسي داخلي، على الرغم من وجود القرار الأممي 2254، فما انهار في البلاد ليس فقط النظام السياسي، وإنما أيضاً الوعي التاريخي والسياسي السوري.

ربما علينا أن نواجه بشجاعة فكرية وسياسية فكرة سوريا المستحيلة، هذا إذا كنا فعلياً نريد تأسيس سوريا جديدة،على أنقاض سوريا المنهارة، أي إعادة اشتباكنا مع كل القضايا الوطنية المصيرية على قاعدة الوعي التاريخي، أو الوعي من ضمن التاريخ، وليس من خارجه.

أولاً: من اللا تاريخية إلى التاريخانية:

في متابعة النسق الذي خطّته سلطة الأمر الواقع الجديدة في دمشق، عبر إجراءات فوقية ذات صلة بالحوار الوطني، والإعلان الدستوري، وفرض سردية دينية-طائفية، وما اراتكبته قواتها من جرائم حرب في الساحل والسويداء، فإن أول ما يتبدى لنا هو غياب الوعي بالتاريخ، أو اللاتاريخانية، من خلال طرح سلطة الأمر الواقع نفسها بوصفها الممثل السياسي للحق المطلق، والهوية الثابتة، وبوصفها امتداداً ل”الفتوحات” الإسلامية، أو الامتداد الحضاري ل”بني أمية”.

في صلب أحداث الأشهر الثمانية الأخيرة، طفت على السطح ظاهرة أهلية مزدوجة تجمع بين الدين والعشيرة، مع استعادة أدوات ما قبل الدول من خلال منطق الغزوات، ومحاولات الإخضاع للأقليات، مستفيدة من التلاشي الكبير والضعف الذي أصاب الثقافة المدنية الحديثة، وفي إضافة المزيد من الخراب للخراب الذي وصلت إليها البلاد، مع تحوّل مشروع الثورة من مشروع تحرري إلى مشروع أهلي طائفي. 

يبدو ضروريا تعريف ما نقصده باللاتاريخية:

كل نكوص عن التطور الاجتماعي التاريخي الذي يقوم بتعريف المجتمعات انطلاقاً من ارتباط وجودها بالإنتاج هو خروج عن خط التاريخ المعاصر، أي ذلك الخطّ التقدمي الذي يربط بين الفرد والمجموعة بشروط الإنتاج،  قياساً إلى ما يمكن أن نسميه “روح العصر”.

دخول سوريا في الحرب مع انقضاء الأشهر الأولى للانتفاضة السلمية، كانت بداية الانحدار من عالم الإنتاج، على الرغم من كل أزماته قبل 2011، إلى عالم اقتصاد الحرب، أي تقليص دائرة الإنتاج في البلاد، لمصلحة الاعتماد على ريوع الحرب، التي تتكوّن من ريوع المال السياسي الذي ضخّته الدول الإقليمية والأجنبية المنخرطة في الصراع السوري، أو أموال المنظمات الدولية الداعمة لما يسمى زوراً وبهتاناً “منظمات المجتمع المدني”، وهي أدوات اختراق متعددة المستويات للمجتمعات المحلية، بما فيها الاختراق الاستخباراتي، أو غنائم الحرب نفسها بين القوى المتحاربة، أو أنشطة اقتصاد الحرب، من تجميع وبيع الخردة (المعادن) أو تجارة المخدرات، أو شبكات الإتجار بالبشر على أنواعها.

كارثة الدخول التدريجي ثم التحوّل شبه الكلي إلى اقتصاد الحرب، ترافقت مع تظهير وتصعيد الهويات ما دون أو ما فوق الوطنية، في مقدمتها الانتماء الديني/ الطائفي، في فضاء إقليمي يشهد صراعاً سنياً- شيعياً، هذا الصراع في حقيقته صراع على زيادة رقعة النفوذ، وتضارب المشاريع، استخدمت فيه أكثر العناوين تخلفاً في تاريخ المنطقة.  

ببساطة، انزاحت عملية التمثيل المجتمعي من الدائرة المدنية السياسية، وظهور قوى وشخصيات من خارج التكوّن المديني التاريخي في البلاد، كانت سابقاً تعيش على هامش الحياة المدينية، وأصبحت هي صانعة الحدث، خصوصاً أن معظم مناطق سوريا التي شهدت تشكيلات فصائلية، كانت قد عرفت موجات نزوح كبيرة، أحدثت فراغاً في الصوت المدني السياسي.

في الصراع المديني السياسي تظهر قامات كبيرة، كتلك التي برزت في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، شخصيات قد تختلف من حيث المرجعية الأيديولوجية عن بعضها البعض، لكنها ليست إقصائية، وتعرف تماماً ضرورات التكامل والتبادلية في النضال، شخصيات مثل خالد العظم، وعبد الرحمن الشهبندر، وفارس الخوري، وجميل مردم بك، وآخرين، وكان هؤلاء في طليعة حركة الاستقلال، لكن في الحرب السورية، تراجع دور الشخصيات الوطنية السورية، لمصلحة تظهير شخصيات مصنّعة استخبارتياً، بالإضافة إلى شخصيات ليس لها أي رصيد عام أو ذاتي، أصبحت في قيادة الفصائل العسكرية، سنجد بعضها اليوم في قيادة “الجيش السوري الجديد”,

في هذا المناخ الذي عاشته البلادج لحوالي العقد ونصف العقد من الزمن، غاب المنتج التاريخي، أي الدولة، فالدولة بمعناها المعاصر واحدة من أهم غايات التاريخ نفسه، وهي في الوقت ذاته من أهم المنتجات التاريخية لصيرورة العقلانية في التاريخ.

جلياً، سنكون بعد السقوط الرمزي لنظام بشار الأسد، أن فكرة الدولة تكاد تكون غائبة عند معظم السوريين، وفي مقدمتهم سلطة الأمر الواقع التي أتت إلى الحكم، إذ ليس في وعيها وبنيتها وممارستها أي وعي بماهية الدولة الحديثة.

منذ تسلّم “هيئة تحرير الشام” للحكم، وجدنا أنفسنا أمام نهج يسعى إلى تعريف المجتمع بصيغة ما قبل الدولة، أي بوصفه مكونات دينية وطائفية، وهذا ما أشرنا إليه أعلاه، بأنه سعي لبناء نظام سياسي يقوم على شرعية تمثيل “الهوية الثابتة” التاريخية، أو “الحقّ المطلق”، في نكوص عن مفهوم العقد الاجتماعي بوصفه تعاقداً تفاوضياً قانونياً بين أفراد أحرار، أو حتى نكوصاً عن الدولة بمعناها السياسي، أي كونها في بعض لحظات التاريخ تعبيراً عن أيديولوجيا وطنية “عامة”، تزعمها سلطة قادمة من رحم الصراع السياسي.

 ثانياً- الدولة بوصفها غاية المشروع الوطني … لكن أية وطنية؟

ما يجري منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، هو استكمال فعلي لعملية انهيار الدولة، ولا نقصد فقط المعنى المؤسسي، بل الدولة بوصفها مركز التوازنات الاجتماعية، التي لا يمكن لها أن تحدث من دون تصوّر عقلاني لماهية الدولة الحديثة.

إذا نظرنا إلى مشهد الفزعات العشائرية خلال الهجوم الذي شنّته قوات ما يسمى “وزارة الدفاع” على السويداء، سنجد أنفسنا بكل بساطة أمام مشهد من القرون الوسطى، حيث الدولة مجرد جغرافيا تعيش فيها جماعات لا تعترف إلا بعصبية تكوينها الأهلي/ العشائري، مستعدة لقطع مئات الكيلومترات للقتال ضد فئة أهلية أخرى.

بعد ذلك، يقوم الرئيس الانتقالي بإلقاء كلمة يشكر فيها هذه العشائر لمناصرتها الدولة، في ما يشبه حكاية سوريالية، فالدولة التي يفترض أنها مؤسسة عامّة، تقوم بشكر فئة أهلية، قامت بالتصرف خارج الدولة، ضد فئة أهلية أخرى في المجتمع ذاته وفي الدولة ذاتها!.

الأكثر صفاقة في هذا المشهد السوريالي القروسطي هو وقوف أحزاب لها تاريخ في العمل السياسي على الحياد، والاكتفاء بإصدار بيانات باهتة (بلا طعم أو طعمة كما يقال بالدارجة)، من دون إدانة واضحة قاطعة لسلطة الأمر الواقع، أو تحليل لخطورة الحدث، بوصفه نكوصاً غير مقبول عن التطوّر التاريخي المديني السوري، أو أنه متناقض مع مفهوم عمومية الدولة الوطنية.

أتينا على ذكر هذه الأحزاب، لنقول إنه حتى معظم الأحزاب السياسية لا تمتلك وعياً بماهية الدولة الحديثة، بغض النظر عما تطرحه من شعارات عامّة تنتمي إلى فضاء الدولة الوطنية الحديثة، فممارساتها، وربما تكوّنها، ينتميان إلى مفردات وعناصر المجتمع الأهلي، مجتمع ما قبل الدولة.

ما بدا واضحاً منذ 2011 وإلى اليوم، بل يظهر اليوم أكثر وضوحاً، هو تلك الكذبة التاريخية حول مصطلح البرجوازية الوطنية السورية، خصوصاً أننا نتحدث عن الدولة الوطنية.

علينا أن نقرّ بأن ما بقي من تلك البرجوازية هو البرجوازية الرثّة، أو حثالة البرجوزاية السورية، المكوّنة من شخصيات محدودة الفكر والثقافة والوعي بالتاريخ والدولة والدور، ولا تمتلك أي مشروع للدولة الوطنية الحديثة، عدا عن كونها برجوازية لا شخصية لها، مستعدة للتحالف مع أي سلطة من أجل ضمان بقاء واستمرار مصالحها.

في ضوء هذا الواقع، فإن السوريين اليوم، لا يمتلكون أي تصوّر وطني للدولة، ويمكن صياغة الجملة أيضاً ب: السوريون لا يمتلكون تصوّراً للدولة على أسس وطنية، ليس بمقاس وطنية مزعومة وإنشائية، وإنما بمقياس عام لفكرة الدولة الوطنية.

الوطنية كمفهوم هي حدّ إسوة بكل المفاهيم، هي حدّ الداخل أمام الخارج، حدّ يضع المصالح الوطنية في المقام الأول، ثم يبني المواقف والسياسات ابتداءً وانتهاءً بهذا الأساس، بينما ما وجدناه، وما هو مستمر، أن معظم المواقف والسياسات، تبنى انطلاقاً من مصالح وأولويات الخارج، لا بدلالة الداخل، وهو ما ظهر وسيظهر في مواقف ومممارسات سلطة الأمر الواقع الحالية، فمنذ اللحظة الأولى، كان سعيها لنيل شرعية الخارج، فهي تعلم بأنها موجودة في السلطة بتوافق الخارج، وأنها لم تكن سوى فصيل ولاعب محلي لا قيمة وازنة له على مستوى الجغرافيا السورية.

لكن سلوك سلطة الأمر الواقع ليس سوى استمرار لممارسات النظام السوري خلال سنوات الحرب، فكان يكتسب الشرعية من داعميه الخارجيين، روسيا وإيران، ولم يكن في أي لحظة مستعداً لتقديم أي تنازلات للسوريين، وكذلك، كانت المعارضات الرسمية، موجودة بدلالة الدعم الخارجي.

تفتيت بعض ما كان موجوداً من الوطنية السورية، رافقه نسف كبير لبعض ما كان قائماً من مظاهر العلمنة في المجتمع السوري، مع صعود حالةتراجع ومناورة على قضية العلمنة من قبل القوى السياسية من خارج الإسلام السياسي.

إن ما لا ينبغي التنازل عنه، وبشكل حازم، أن الدولة الوطنية الحديثة بالتعريف هي دولة علمانية، وأن كل الكذب والنفاق لدى القوى السياسية التي تبنّت المدنية بدلاً من العلمانية، فإنما هي قوى توفيقية وتلفيقية، وأكثر من ذلك هي قوى شعبوية بالمعنى الرخيص والتافه مفاهيمياً وتاريخياً.

إن سوريا الممكنة وطنياً في مواجهة سوريا المستحيلة هي سوريا العلمانية، وأي خيار عدا هذا الخيار، هو إعادة إنتاج لقوى التخلّف في البلاد، وعائق أمام نشوء دولة وطنية.

بهذا المعنى، فإن ما يمكن أن ندعوه بالمشروع الوطني، أو الدولة الوطنية، هو بالتعريف مشروع العلمنة بالأساس، والدولة الوطنية هي نتيجة لهذا المشروع.

إن القوى الصاعدة اليوم في المجتمع السوري، أي قوة سلطة الأمر الواقع، وتحالفاتها القائمة على ثلاثي الدين والعشيرة وقوى الفساد، هي قوة متناقضة جوهرياً مع مشروع الدولة الوطنية، بوصفها الدولة العمومية، أو دولة العموم، أو دولة جميع المواطنين من دون أي تمييز.

إن هذا الثلاثي هو ثلاثي استكمال الخراب الذي وصلت إليه سوريا الدولة والمجتمع والوطنية، ولسنا بحاجة إلى دلائل أكثر من كون هذه السلطة هي بالأساس شكل هجين، يجمع بين عناصر محلية وعناصر من جنسيات مختلفة، على أساس العصبية الدينية، المنضوية في فصيل جهادي.

سنرى سريعاً أن سلطة الأمر الواقع، قامت بعدد من التعيينات، وضعت من خلالها شخصيات غير سورية في مواقع صناعة القرار، أو ضمن شبكة تمويلها.

إن هذا التحالف بين قوى ماضوية وفاسدة وغير وطنية غير معني بأي شكل من الأشكال بوجود دولة وطنية عمومية لكل السوريين، فهذه بالأساس ليست في قاموسه.

إن محاولة تخليق مشروع وطني اليوم هو بالضرورة يمرّ عبر تحالف العلمانيين السوريين، إذ أن فكرة عمومية الدولة، ومعالجتها الأزمات الوطنية، غير ممكنين من دون المواجهة مع مشروع أهلنة الدولة السورية (أي تحويل الدولة من مؤسسة عمومية إلى مؤسسة تعرّف مكوناتها على أسس ما دون وطنية).

ثالثاً- الديمقراطية في صلب مشروع التحرّر الوطني والدولة الحديثة

لأكثر من خمسة عقود، حاول النظام السوري الاستحواذ على فكرة التحرّر، رابطاً إياها بالاستعمار وإسرائيل، لكن مع نزع مضمونها الداخلي، الذي تشكّله الديمقراطية.

ما حصدته سوريا نتيجة هذا الاستحواذ، كان إعادة إنتاج التأخر والتخلف، وسيظهر بشكل جلي أن التحرّر المزعوم كان أحد أدوات ضبط التطور العقلاني المديني السياسي، فعلى الرغم من زعم بشار الأسد لحظة تسلّمه السلطة بأن النظام مقبل على الانفتاح الداخلي، فإن ما جرى فعلياً هو قمع الحراك المدني السياسي الذي شكّله ربيع دمشق، الذي كان يمكن أن يلعب دوراً مهماً في منع تطوّر الديناميات الداخلية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه بعد 2011.

مع سقوط نظام بشار الأسد، كانت الملاحظة الرئيسية التي سجّلت على الخطاب الذي وجهه الرئيس الانتقالي للشعب غياب أي ذكر للديمقراطية، ليس فقط انسجاماً مع وجهة نظر السلفية الجهادية للديمقراطية بوصفها كفراً، بل لأن الديمقراطية هي العامل الأكثر فعالية في منع نشوء ديكتاتورية في أي دولة من دول العالم.

تلاقى مع تغييب الرئيس الانتقالي لمفردة الديمقراطية، عدد من المثقفين الذين أصدروا بياناً حول سوريا المستقبل، غابت عنه الديمقراطية، في تناقض عجيب ولافت للتاريخ الشخصي والنضالي لعدد من الشخصيات التي بنت سمعتها على النضال في سبيل الديمقراطية.

إن تصحّر العقل العام في سوريا، وليس بمنأى عن هذا التصحّر قوى سياسية، أن وعيها بالديمقراطية لا يزيد عن كونها مجرد صندوق انتخابات، في الوقت الذي تشكّل فيه الديمقراطية منهجاً في الوعي والتفكير والممارسة، والشرط الأول لقيام وعي وطني عقلاني حديث.

إن نزع القداسة عن العنف الذي أوجدته الحرب في سوريا، وعن استمرار هذه الحرب الآن تحت مسمى “هيبة الدولة”، غير ممكن من دون الديمقراطية، أي من دون ممارسة الوعي النسبي، ضد أي وعي هوياتي إطلاقي.

إن من يستحضرون الوعي الهوياتي الطائفي والعشائري اليوم، يعلمون تماماً أن هذا الاستحضار هو الوحيد الكفيل ببناء عصبيات متمركزة حول نفسها، في مواجهة المختلف في المجتمع السوري، ودفع الأفراد ليكونوا مادة هذه العصبية، بإلغاء خصوصية الفرد وذاتيته، وإلغاء وجوده ومعنى وجوده المواطني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق