مواقف القوى الإقليمية والدولية حول سوريا… 2254 الغائب الحاضر
(حدْس)- مكتب العلاقات الخارجية:
مقدمة:
في الوقت الذي أولت فيه سلطة الأمر الواقع في دمشق الأهمية الكبرى للعلاقات الخارجية، في محاولة منها لتحسين صورتها، ومحاولة إقناع المجتمع الدولي بأنها لم تعد ذلك الفصيل الجهادي السلفي، المصنف على قوائم الإرهاب الأممية، ومحاولة تثبيت نفسها في الحكم، إلا أن المواقف الدولية حول سوريا محكومة ومشروطة باعتبارات عديدة، من بينها سلوك سلطة الأمر الواقع في دمشق في حلّ الأزمات الوطنية الداخلية.
تركت مجازر الساحل في مارس/ آذار الماضي، وبعدها مجازر السويداء في يوليو/ تموز، أثراً كبيراً في ملفّ العلاقات الخارجية، خصوصاً أن السلطة الحالية هي بالتوصيف سلطة انتقالية، وهي تحت المجهر الدولي منذ وصولها إلى دمشق، ولا زال النقاش في العواصم الأساسية الكبرى غير محسوم لجهة قدرة هذه السلطة على إنجاز مهام الانتقال الوطني/ السياسي، وإدارة مؤسسات الدولة، وضبط الأمن.
أولاً: المرجعية الدولية – قرار مجلس الأمن 2254
في 22 أغسطس/ آب 2025، قدّم المبعوث الأممي غير بيدرسن إحاطته أمام مجلس الأمن، حيث شدّد على القرار 2254 (2015)، بأنه ما يزال الإطار الوحيد للحلّ السياسي في سوريا، وأكد أن أي تقدم في الملفات الأمنية أو الإصلاحية يجب أن يقترن بمسار سياسي شامل.
وقبل هذه الإحاطة، أصدر الاتحاد الأوروبي، في 24 يوليو/ تموز الماضي، بياناً رئاسياً، جدّد فيه التزامه بدعم ا نتقال سياسي حقيقي وفق القرار 2254، وربط أي خطوات تطبيع أو دعم اقتصادي بتحقيق تقدّم ملموس بهذا الاتجاه.
التأكيد من قبل مؤسستين في قمة هرم المؤسسات الدولية على أهمية القرار 2254، جاء في جانب أساسي منه، بعد أن ثبتت مسؤولية قوات وزارة الدفاع والأمن العام في مجازر الساحل والسويداء، وما رافقها من ممارسات غير إنسانية، وانتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ثانياً: المواقف التركية والإسرائيلية
1-تركيا:
الرئيس رجب طيب أردوغان أعلن في أغسطس/ آب عن خطة لتوسيع إنتاج الصواريخ التركية متوسطة وبعيدة المدى، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الردع الإقليمي.
وأكد الرئيس التركي على استعداد تركيا للقيام بدور الوسيط في الملفّ النووي الإيراني، وذلك في إطار بحث تركيا عن تموضع كقوة موازنة ووساطة في الشرق الأوسط.
بعد تبخّر الشعور الأولي بالفوز في سوريا، بدأت أنقرة تدرك أن هذا الفوز فتح الباب على مصراعيه للصراع مع تل أبيب، التي قامت بسلسلة ضربات طالت أهدافاً تركية داخل سوريا، والتقدّم العسكري الإسرائيلي في الجولان والقنيطرة وصولاً إلى مسافة حوالي 20 كم من دمشق، وأخيراً حدوث تفاهمات مع سلطة الأمر الواقع في دمشق ليكون الجنوب منطقة منزوعة السلاح.
وكانت أنقرة قد شجعت “السلطة الانتقالية” على زيارة موسكو، ومحاولة تطبيع العلاقة معها، طمعاً في أن تقوم موسكو بموازنة الدور الإسرائيلي في سوريا، فقد كانت مظلة الضامن الثلاثي (روسيا، تركيا، إيران)، تؤدي دورها، قبل سقوط نظام بشار الأسد، وترى تركيا أن مساهمة روسيا ضرورية لعدم دفع التنافس والصراع في سوريا إلى مواجهة مباشرة بين أنقرة وتل أبيب.
2-إسرائيل:
نفّذت إسرائيل عملية إنزال جوي قرب دمشق، فككت خلاله أجهزة تنصت، أسفرت العملية عن مقتل 7 جنود سوريين.
جددت إسرائيل رفضها لمشاركة تركيا في مسار إعادة بناء الجيش السوري، وتعمل على إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وصولاً إلى ريف دمشق (الغوطتين الشرقية والعربية).
كما أن ما أجرته إسرائيل من تفاهمات مع “السلطة الانتقالية” حول جعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح، هو اعتراف مباشر بالدور والنفوذ الإسرائيليين في جنوب البلاد.
من زاوية عسكرية محضة، فإن أجواء العاصمة دمشق، أصبحت بشكل كامل مجال هيمنة للطيران الحربي الإسرائيلي، في الوقت الذي فقدت فيه سوريا بشكل كامل سلاحها الجوي.
ثالثاً- الاتحاد الأوروبي:
الموقف الأوروبي ما يزال متمسكاً بالقرار 2254، وربط أي خطوات للدعم الاقتصادي بالتقدّم في العملية السياسية الداخلية.
في فرنسا، هناك أزمة سياسية داخلية قد تؤدي إلى تغيير حكومي، وهو ما قد تنعكس نتائجه بشكل مباشر على موقف فرنسا تجاه سوريا، وقد يميل الموقف الفرنسي نحو تشدد أكبر في ربط أي انفتاح بإصلاح سياسي حقيقي.
الانشغال الأوروبي الأكبر ينصب على الملفّ الأوكراني، في ضوء مساعي الرئيس دونالد ترامب استبعاد أوروبا من المحادثات على مستقبل عملية السلام بين موسكو وكييف، ومساعي الدول الفاعلة الرئيسية إلى زيادة الإنفاق العسكري في كل دولة على حدة، بعد أن أثبتت السنوات الأخيرة أن التحالف مع واشنطن قابل للاهتزاز، بعد تراجع أهمية أوروبا كحليف بالنسبة لواشنطن، خصوصاً في ظل إدارة ترامب.
رابعاً- اللقاء الأمريكي–الروسي (ترامب–بوتين، ألاسكا، 15 آب/أغسطس 2025)
عقد الرئيسان ترامب وبوتين لقاء في ألاسكا، لمناقشة الحلّ السياسي في أوكرانيا، لكن اللقاء انتهى من دون التوصل إلى أي اتفاق بين الرئيسين.
عكس اللقاء توجهاً أمريكياً نحو خفض مستوى المواجهة المباشرة مع موسكو، وترك الباب مفتوحاً أمام ما سمي ب”صفقة سلام شاملة”.
انعكاس اللقاء على سوريا:
التوجه الأمريكي نحو خفض المواجهة مع موسكو، قد يساعد موسكو على تثبيت وجودها السياسي والعسكري، ولعب دور فاعل في سوريا.
أما لجهة تجاهل واشنطن للاتحاد الأوروبي، فقد ينعكس بصورة إعادة تقييم الاتحاد الأوروبي لمواقفه تجاه سوريا.
خامساً- الخلاصة:
المشهد الإقليمي برمّته في حالة أزمة غير مسبوقة، فعلى الرغم من مرور حوالي عامين على أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إلا أن إسرائيل حتى الآن لم تتمكن من استرجاع كامل أسراها لدى “حماس” على الرغم من اغتيال كبار قادة التنظيم، وتدمير معظم البنى التحتية والخدمية في القطاع، وقتل عشرات الآلاف، وحصار المدنيين، كما أنها تسعد مجدداً لاحتلال غزة عسكرياً، في الوقت الذي تشهد الحملة الدولية للاعتراف بدولة فلسطين زخماً من قبل عدد من الدول المهمة في العالم.
أيضاً، لا تزال إمكانية تجدد الحرب الإسرائيلية الإيرانية قائمة، فإيران التي شهد حضورها في المشرق العربي انتكاسة قوية، بعد ضرب “حماس”، و”حزب الله”، وسقوط النظام السوري، لا تزال تمتلك عدداً من أوراق القوة في العراق واليمن.
تركيا التي تواجه أزمات اقتصادية وسياسية داخلية متتالية، لم تتمكن من تحويل “فوزها العسكري” في سوريا إلى مكسب سياسي واقتصادي، فقد كانت تعوّل على أن يفضي سقوط نظام بشار الأسد إلى إعادة إعمار، تكون شركاتها المساهم الأكبر فيها، لكن هذه الآمال تراجعت بقوة، كما أن الاندفاعة الإسرائيلية في المنطقة، تضع أنقرة هدفاً تالياً لها بعد انكفاء إيران.
الولايات المتحدة وروسيا تختبران صيغة جديدة لإدارة التوازنات في ملفات عديدة حول العالم، وفي سوريا، ستنعكس هذه الصيغة بعودة لعب روسيا دور فاعل في الاتجاهات العامة لعموم الأوضاع السياسية.
إن حالة الأزمة التي تطال الجميع، تجعل من الصعوبة بمكان حدوث توافق نهائي بين اللاعبين على مستقبل البلاد، لكن ما يبدو ثابتاً في المعادلة الدولية حول سوريا أن الجميع تقريباً متفقون على أن القرار 2254 ينبغي أن يبقى حاضراً في إدارة عملية الانتقال.

