الاتفاق الأمني المحتمل بين “سلطة الشرع” وإسرائيل حول الجنوب السوري

حسام ميرو
المقدمة
الاتفاق الأمني الذي يبدو أنه وصل إلى مرحلة متقدّمة بين إسرائيل و”سلطة الشرع” في دمشق، يأتي في ثلاثة سياقات: سوري، وإسرائيلي، وإقليمي/ دولي.
في السياق السوري، يبدو العنوان الرئيس هو هشاشة الأوضاع الأمنية في الجنوب السوري، ففي الوقت الذي كانت فيه الفصائل تتجه من إدلب نحو دمشق، كانت إسرائيل جاهزة لاحتلال أعلى قمة في جبل الشيخ، والتقدّم في الأراضي السورية.
المجازر التي ارتكبتها قوات “سلطة دمشق” في السويداء، عزّزت من مكانة إسرائيل التفاوضية، خصوصاً أنها لعبت دوراً في قصف عناصر تابعين ل”سلطة دمشق” كانوا يتقدّمون نحو محافظة السويداء، وما تلا ذلك عن دور لإسرائيل في حماية أبناء المحافظة.
السياق الإسرائيلي الداخلي هو سياق استراتيجي، فبعد أن استطاعت إسرائيل بعد ضربات موجعة لإيران وحلفائها في لبنان وسوريا، أن تدفع إيران إلى الانكفاء بشكل كبير، ولا تزال تخوض حرباً ضد “حماس” في غزة، وتحاول إعادة احتلالها من جديد، فإنها تسعى إلى تثبيت مكاسبها العسكرية والأمنية الجديدة في سوريا، والتي تمنحها ميزات جيواستراتيجية كبرى.
السياق الإقليمي شديد التعقيد، حيث تغيب التوافقات السياسية بين القوى الإقليمية الأساسية: تركيا، إسرائيل، إيران، الخليج. كما أن روسيا التي لم تغادر سوريا بعد، تريد ترتيب حضور طويل المدى في المتوسط من جهة، وفي المشرق العربي.
أولاً- اتفاقية فكّ الاشتباك 1974
جاءت اتفاقية فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل في مايو/ أيار 1974 كنتيجة مباشرة لحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، حيث سعت القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي آنذاك، إلى منع تجدّد المواجهة، وتحويل خطوط النار إلى خطوط تماس مستقرة. نصّت الاتفاقية على انسحاب متبادل للقوات، ورسم خطّ فصل عُرف بـ”خط وقف إطلاق النار”، إلى جانب إنشاء منطقة منزوعة السلاح تُشرف عليها قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك، وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يكن معاهدة سلام، إلا أنه حدّد قواعد اشتباك واضحة، واسس نظام مراقبة دولي، وترتيبات تميّزت بقدرتها على الصمود لخمسة عقود، حتى في أشدّ المراحل سخونة في الصراع العربي–الإسرائيلي.
ثانياُ- الدوافع الإسرائيلية
في الأعوام الأخيرة، تتجه إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو إلى إعادة تعريف نفسها، ففي السابق كانت الحرب جزءاً أساسياً من وجودها كدولة، أما اليوم تتجه لتصبح دولة حرب، من العسكر إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع.
تدرك إسرائيل أن نهاية نظام بشار الأسد مقدمة لأوضاع لا يمكن التكهّن بمدى استقرارها في سوريا على المستويات كافة، وهي تسعى من وراء هذه الاتفاقية إلى حصد مكاسب متعددة:
1- تأمين عدم عودة إيران و”حزب الله” أو أي فصائل أخرى مناهضة لها إلى حدودها الشمالية.
2- تثبيت مكاسبها العسكرية التي حقّقتها منذ سقوط نظام بشار الأسد، خصوصاً في قمة جبل الشيخ، وفي عموم الجنوب السوري.
3- تقليص اعتمادها على العمليات الجوية المكلفة، واستبدالها باتفاقات أمنية.
3- تأكيد نفسها كقوة أساسية في تشكيل المشهد السياسي السوري.
4- تقديم مكاسب للداخل الإسرائيلي، يجعل من هذه الاتفاقية إنجازاً عسكرياً وأمنياً كبيراً يحسب لبنيامين نتنياهو وحكومته.
5- توجيه رسالة قوية إلى تركيا، التي حاولت زيادة نفوذها الاستخباراتي مؤخراً من خلال زرع أنظمة رادار، قامت إسرائيل بقصفها.
ثالثاً- دوافع “سلطة الشرع”
منذ وصولها إلى الحكم، تظهر “سلطة الشرع” بمظهر اللادولة في سلوكها، فبدلاً من معالجة الأزمات الوطنية بالحوار والتفاوض، ارتكبت مجزرتين، في الساحل والسويداء، راح ضحيتهما الآلاف من المدنيين، وهي تبدو عاجزة عن اتخاذ مواقف متشدّدة تجاه إسرائيل، فهي تعلم أن أحد مفاتيح استمرارها يكمن في موافقة تل أبيب على ذلك.
من خلال المسار التفاوضي بين “سلطة الشرع” وإسرائيل، تحاول هذه السلطة تحقيق:
1- تهدئة ملف الجنوب السوري، للالتفات إلى استحقاقات تثبيت السلطة داخلياً.
2- الظهور بمظهر الدولة التي تفاوض، ما يحقّق لها زيادة منسوب الشرعية الخارجية.
3- تأكيد وجودها ضمن محور إقليمي إسرائيلي-خليجي- أمريكي، يفتح أمامها الباب لتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتأمين الموارد للاستمرار.
رابعاً- دور الوسطاء والداعمين الدوليين والعرب
لم يكن انفتاح قنوات التفاوض بين إسرائيل و”سلطة الشرع” ليحدث من دون تدخّل نشط من بعض القوى الدولية والإقليمية التي ترى في التهدئة السورية–الإسرائيلية مدخلاً لتقليص دوائر التوتر في المنطقة.
الولايات المتحدة لعبت الدور الرئيسي كوسيط، مستفيدة من خبرتها التاريخية في هندسة اتفاقيات مماثلة، ومستخدمة أدوات الضغط والتحفيز مع الطرفين لتقليص النفوذ الإيراني في سوريا، وإبعاد خطر التصعيد العسكري عن شرق المتوسط.
على المستوى العربي، برزت الإمارات والأردن كجهتين داعمتين عبر قنوات خلفية لتبادل الرسائل، وتشجيع “سلطة الشرع” على الدخول في تفاهمات تُظهرها كسلطة قادرة على إدارة شؤون الدولة.
في المقابل، تُبدي روسيا وإيران وتركيا تحفظاً متزايدًاً على هذه المساعي، إذ تنظران إلى الاتفاق بوصفه تهديدًا لدورهما التقليدي في الملف السوري، وقد يحوّل سوريا من ساحة نفوذ لصالحهما إلى ساحة مراقبة دولية عبر بوابة إسرائيلية–أميركية.
سادساً- أهم البنود التي يتفاوض عليها الطرفان
1- تطالب “سلطة الشرع” أن يتضمن أي اتفاق أمني، الاستناد إلى اتفاقية الهدنة في عام 1974.
2- تقترح إسرائيل إنشاء ثلاث مناطق: منطقة منزوعة السلاح بالكامل، الثانية “مناطق وفق مستوى التهديد”، حيث يسمح فقط بتواجد الشرطة السورية فقط، ولا يسمح بتواجد أية قوات عسكرية سورية، ومنطقة حظر طيران، لا يسمح فيها للطيران السوري بالتحليق فيها.
3- تشترط إسرائيل الاحتفاظ بموقع متقدّم على قمة جبل الشيخ الاستراتيجي، ومواقع أخرى احتّلتها بعد سقوط نظام الأسد، بما يتيح لها مراقبة المنطقة، وضمان أمن حدودها.
4- يشترط وجود إشراف أممي لضمان التزام الطرفين بالاتفاق.
5- استبعاد التطبيع الكامل، والاكتفاء بالاتفاق الأمني.
وتشير التحليلات الإسرائيلية والدولية إلى أن الاتفاق المتوقّع سيكون على غرار اتفاقيات أمنية قائمة على تفاهمات عملية أكثر من كونه معاهدة سلام شاملة. ومن المتوقع أن يتضمن الاتفاق انسحابًا جزئياً للقوات الإسرائيلية من بعض المناطق التي احتلتها بعد سقوط الأسد، مع الإبقاء على مواقع استراتيجية رئيسية مثل جبل الشيخ وممرات حسّاسة على الحدود، لضمان التفوق العسكري ومراقبة أي نشاط معادٍ. كما يُرجّح أن يشمل الاتفاق ترتيبات أمنية دقيقة، منها مراقبة مشتركة للحدود ووقف الضربات الجوية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مقابل ضمانات من “سلطة الشرع” بعدم السماح باستخدام الأراضي السورية كقاعدة لعمليات ضد إسرائيل. وقد يُعاد تفعيل نموذج “اتفاقية فكّ الاشتباك 1974″، مع تعديلات تشمل إشرافاً أممياً أكبر، بما يوفر إطاراً قانونياً وآليات للتثبّت من الالتزام بالاتفاق، ويُقلل من احتمال خرقه من قبل أطراف ثالثة أو فصائل سورية غير خاضعة بالكامل للسلطة الانتقالية.
سابعاً- التحديات والمخاطر
1- تظل “سلطة الشرع” محدودة الشرعية والقدرة على التحكم الكامل في كافة الأراضي والفصائل المسلحة، ما قد يؤدي إلى خرق البنود الأمنية أو عدم تنفيذ الالتزامات.
2- قد تشكل بعض الفصائل السورية الرافضة لأي تقارب مع إسرائيل، بما فيها جماعات متشددة أو ميليشيات مدعومة من إيران، عامل اضطراب يعرقل تطبيق الاتفاق على الأرض. 3- هناك المخاطر الإقليمية المرتبطة بعدم وجود توافق إقليمي/ دولي، حيث من الممكن أن تسعى بعض الأطراف إلى إضعاف الاتفاق.
4- تظل بعض المناطق الحدودية الاستراتيجية، مثل جبل الشيخ وممرات حساسة، نقاط توتر محتملة إذا حاول أي طرف فرض سيطرة كاملة أو انتهاك ترتيبات المراقبة.
5- يرتبط نجاح الاتفاق أيضًا بالقدرة على ضمان الالتزام الدولي، بما يشمل إشراف الأمم المتحدة، وتوقيت الإعلان السياسي الذي يجب أن يتوافق مع الظروف الداخلية والخارجية للطرفين.
الخلاصة
مستفيدة من الهشاشة التي تعاني منها سوريا، سعت إسرائيل منذ سقوط نظام بشار الأسد إلى زيادة نفوذها في الجنوب السوري، مسقطة بذلك معاهدة فكّ الاشتباك لعام 1974، وهي تدرك بأنه لا وجود اليوم لجيش سوري، بعد أن انتهت معظم قدراته الجوية والبرية والميكانيكية، وأن ما هو موجود “وزارة دفاع” ناشئة من تجميع للفصائل التي كانت في إدلب، معظمها من خلفية جهادية سلفية، وأن طموح الشرع اليوم هو تثبيت حكمه بالدرجة الأولى، وغير قادر على اتخاذ قرار بالردّ على الانتهاكات الإسرائيلية.
في الوقت ذاته، لا تريد إسرائيل للاتفاق الأمني أن يكون مقدمة للتطبيع مع سوريا، فهي ليست بحاجة للتطبيع من الناحية الاستراتيجية، وما يهمّها فعلياً ضمان أمن حدودها، وتوسيع رقعة الاحتلال داخل سوريا، وطيّ صفحة الجولان بشكل نهائي، والهيمنة على الجنوب، بجعله منزوع السلاح.
الاتفاق مكتوب بموازين القوى التي فرضتها إسرائيل من جهة، وهشاشة الأوضاع السورية من جهة ثانية، وهو يقلّص حدود الدولة على أراضيها، ويزيد من رقعة الاحتلال الإسرائيلي المباشر وغير المباشر.
