رأي

العمق المفقود: ارتدادات الزلزال السوري في الخليج

علاء الخطيب

قبل أكثر من عقد، قال حجة الإسلام مهدي طيب عام 2013 إن سوريا هي “المحافظة الخامسة والثلاثون لإيران”، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن الحفاظ على سوريا أهم حتى من الحفاظ على بعض الأراضي الإيرانية نفسها، لأن خسارة دمشق قد تعني خسارة طهران لاحقاً.
لم تكن تلك العبارة مجرد مبالغة سياسية، بل كانت تعبيراً صريحاً عن جوهر العقيدة الجيوسياسية للنظام الإيراني منذ ثمانينيات القرن الماضي، منذ أن أدخل حافظ الأسد سوريا في أسوأ تحالف جيوسياسي مع نظام الخميني في إيران. لقد شكّل هذا التحالف حجر الأساس في بناء ما عُرف لاحقاً بمحور النفوذ الإيراني في المشرق.
من خلال دمشق، استطاعت إيران فتح ممر بري استراتيجي يربط طهران ببغداد فدمشق ثم بيروت، وهو الممر الذي مكّنها من تثبيت نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة عبر شبكة من الحلفاء والميليشيات. ولهذا السبب لم تكن سوريا بالنسبة لإيران مجرد حليف سياسي، بل خط الدفاع الأول عن أمنها القومي خارج حدودها. وهذا ما أكده بشار الأسد بوضوح في مقابلته مع صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الروسية عام 2016، حيث أكّد أيضاً أن سوريا هي خط الدفاع الأول عن إيران وروسيا.
لكن سقوط نظام الأسد شكّل الضربة الجيوسياسية الأقسى لطهران. فمع فقدان دمشق، خسرت إيران الحلقة المركزية في سلسلة نفوذها الإقليمي. لقد انتقلت سوريا من “تبعية المحور” إلى “سيادة الفراغ”: لم تعد جزءاً من مشروع إقليمي واضح، لكنها لم تتحول بعد إلى دولة مستقرة.
لذلك تحاول إيران اليوم تعويض العمق الاستراتيجي الذي فقدته في سوريا عبر ما يمكن تسميته بسياسة “الاعتراض البحري” في الخليج العربي؛ أي خنق الممرات المائية الحيوية لفرض شروط تفاوضية جديدة. ومن هنا يمكن فهم كثير من التوترات التي نشهدها اليوم في الخليج والشرق الأوسط ضمن سياق أوسع: محاولة إيرانية لإعادة صياغة ميزان القوة بعد خسارة أهم ركائز مشروعها الإقليمي.
الحرب في الخليج اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تعبير عن مرحلة أوسع من التحولات في النظام الإقليمي. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتهديد طرق الطاقة، واستهداف المصالح الدبلوماسية والعسكرية في المنطقة، كلها أدوات ضغط ضمن صراع أكبر على النفوذ والردع. وهذه التحولات لا تعني بالضرورة أن جهة ما قررت في غرفة مغلقة إعادة تشكيل المنطقة، بل هي في جوهرها نتيجة حتمية لتراكمات الجغرافيا السياسية، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية منذ عقود في هذه البقعة الحساسة من العالم.
على الجانب الآخر، ومن الناحية الموضوعية، لم تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال العامين الأخيرين تحولاً استراتيجياً جذرياً يبرر انفجاراً بهذا الحجم. غير أن السياسة الدولية لا تتحرك دائماً وفق التطورات الموضوعية، بل كثيراً ما تتأثر بحسابات داخلية.
في هذا السياق، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي كبير في الملف الإيراني يتجاوز الاتفاق النووي الذي وقّعته إدارة باراك أوباما عام 2015. فترامب، الذي بنى جزءاً مهماً من خطابه السياسي على انتقاد ذلك الاتفاق، يحتاج إلى صياغة “انتصار تفاوضي” يظهره أمام الداخل الأمريكي كقائد استطاع فرض شروط أقسى على طهران، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة في نهاية عام 2026.
أما في إسرائيل، فإن التصعيد مع إيران لا ينفصل أيضاً عن السياق السياسي الداخلي. فحكومة بنيامين نتنياهو تواجه منذ فترة ضغوطاً سياسية متزايدة، خاصة بعد الحرب الطويلة في غزة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التركيز على التهديد الإيراني جزءاً من إعادة صياغة المشهد الأمني والسياسي في الداخل الإسرائيلي. فإيران تمثل منذ عقود العدو الاستراتيجي الأكبر في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وتصعيد المواجهة معها يسمح بتحويل الأنظار من الإخفاقات التكتيكية في غزة إلى معركة أوسع تُقدَّم باعتبارها صراعاً وجودياً على مستوى المنطقة.
ومع ذلك، فإن المشهد العسكري الحالي لا يوحي بإمكانية تحقيق انتصار حاسم لأي من الطرفين في هذه المواجهة. فهدف تغيير النظام الإيراني يبدو بعيد المنال في المدى المنظور. فإيران، رغم الضربات التي تلقتها وعمليات الاغتيال التي طالت عدداً من قادتها العسكريين والسياسيين، لا تزال دولة ذات بنية أمنية معقدة وقادرة على امتصاص الصدمات. وفي المقابل، لا تملك طهران القدرة العسكرية التقليدية التي تسمح لها بفرض هزيمة استراتيجية على إسرائيل أو على حلفائها في الخليج، بل تظل أدواتها الأساسية محصورة في الضربات الصاروخية المحدودة أو في الضغط غير المباشر عبر تعطيل الممرات البحرية وتهديد إمدادات الطاقة.
إن ما نشهده اليوم في الخليج ليس مجرد صراع إرادات عابر، بل صدمة ارتدادية لسقوط البنية التحتية للنفوذ الإيراني في المشرق. فبخسارة دمشق، لم تفقد طهران محافظة جغرافية فحسب، بل فقدت ‘فاعلية الأمر الواقع’ التي فرضتها لعقود. ولهذا يبدو التصعيد في مضيق هرمز واستهداف المصالح الدبلوماسية محاولة لتعويض ما تآكل من نفوذ سياسي عبر التحكم في تدفقات الطاقة والملاحة العالمية، وتحويل الممرات الحيوية للاقتصاد الدولي إلى أدوات قسرية في صراع إقليمي لم تتضح ملامحه النهائية بعد؛ فالشرق الأوسط لا يمنح اليوم ‘انتصاراً ناجزاً’ لأحد، بل يعيد توزيع ‘أدوات النجاة’ في عالم لم تعد فيه السيادة تُشترى بالنصوص القانونية، بل تُفرض بحقائق الميدان وحسابات التدفق. في فيزياء القوة الإقليمية، يُدرك الناجون أن الصرخة التي تتردد أصداؤها اليوم في مياه الخليج، هي ذاتها التي خفتت يوماً في أزقة دمشق: “لقد أُكلتُ يوم أُكل الثور الأسود”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق