التقرير السياسي لشهر أبريل/ نيسان 2026 ….. الحرب وانكشاف تآكل النظام الدولي وسياسات متخبّطة ل”سلطة دمشق” وتصاعد الاحتجاج السياسي والمطلبي
مقدمة:
مضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران نحو هدنة مؤقتة، متجاوزة بذلك وصفها حدثاً عسكرياً تقليدياً يمكن قياسه بمعايير النصر والهزيمة المباشرة، وتحولت – خلال الأسابيع الأخيرة – إلى أزمة مركّبة متعددة المستويات، يتداخل فيها العسكري مع الاقتصادي والسياسي، ضمن سياق دولي آخذ في التحول.
فبعد موجة التصعيد الأولى، دخلت الحرب في مرحلة هدنة هشة أعقبتها جولة تفاوضية لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، ما أعاد تثبيت معادلة “اللا حرب واللا سلم”. وفي هذا السياق، شهد مضيق هرمز – الذي يمر عبره ما يقارب 21 مليون برميل نفط يومياً (أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي) – فتحاً مؤقتاً لم يتجاوز 24 ساعة، قبل أن يُعاد إغلاقه تحت ضغط التصعيد، الأمر الذي أعاد إدخاله كعنصر حاسم في إدارة الصراع، وليس مجرد ممر تجاري.
هذا التطور يعكس انتقال الحرب من محاولة حسم عسكري سريع إلى صراع إرادات طويل الأمد، حيث بات التحكم بالتدفقات الاقتصادية العالمية أداة موازية للقوة العسكرية.
أولاً- ما بعد الفشل الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي
لم تنجح الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، رغم كثافتها، في تحقيق الهدف الاستراتيجي المعلن المتمثل بإضعاف النظام الإيراني إلى حد الانهيار أو فرض تغيير جذري في سلوكه. بل على العكس، أظهرت التطورات أن النظام الإيراني يمتلك درجة من التماسك المؤسسي والمرونة العملياتية تفوق التقديرات الأولية، حيث استمر في إدارة العمليات العسكرية، والحفاظ على قنوات القرار، وفتح جبهات ضغط متعددة.
هذا الفشل النسبي في تحقيق الحسم السريع أعاد تعريف طبيعة الحرب، لتصبح أقرب إلى حرب استنزاف مركّبة، تُستخدم فيها أدوات غير تقليدية، وعلى رأسها التحكم بالممرات البحرية، فإغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل متقطع، أدى إلى اضطرابات فورية في الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط في بعض الجلسات إلى ما بين 110 و125 دولاراً للبرميل، مع لجوء دول صناعية إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية لتفادي أزمة إمدادات.
في موازاة ذلك، برز تطور نوعي في الموقف الدولي، مع انتقال الصين – ومعها روسيا – من موقع المراقبة إلى الفعل السياسي المباشر، حيث استخدمتا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن تقدمت به مملكة البحرين يهدف إلى فرض إعادة فتح الملاحة في المضيق. ولم يكن هذا الفيتو مجرد موقف تقني، لكنه مثّل فعلياً إعلاناً واضحاً عن دخول الصراع في إطار التنافس بين القوى الكبرى، وتآكل القدرة الأمريكية على إدارة النظام الدولي بشكل منفرد.
كما تشير المعطيات المتداولة إلى احتمال قيام الصين بدور أكثر تقدماً عبر دعم إيران بمنظومات دفاع جوي أو تقنيات مرتبطة بها، وهو ما – إن تأكد – سيشكل نقلة نوعية في طبيعة الصراع، عبر إدخال عنصر الردع التكنولوجي في مواجهة التفوق الجوي الأمريكي–الإسرائيلي.
ثانياً- ردود الأفعال الإقليمية والدولية
تعكس ردود الفعل الدولية حالة انقسام حاد، لم يعد يقتصر على التباينات السياسية، بل وصل إلى مستوى تعطيل آليات النظام الدولي ذاته. فقد أظهر مجلس الأمن عجزاً واضحاً عن اتخاذ قرار ملزم، في ظل استخدام الفيتو، ما يعزز فرضية أن المؤسسات الدولية لم تعد قادرة على إدارة الأزمات الكبرى.
في المقابل، تبدو السياسة الأمريكية في حالة تذبذب بين التصعيد والاحتواء، إذ واصلت واشنطن فرض ضغوط عسكرية وبحرية، بما في ذلك احتجاز سفن مرتبطة بإيران، في الوقت الذي أبقت فيه الباب مفتوحاً أمام جولات تفاوض جديدة، رغم فشل الجولة الأخيرة. ويعكس هذا التناقض غياب استراتيجية خروج واضحة من الحرب، أو صعوبة فرض شروط حاسمة على طهران.
أما إسرائيل، فرغم استمرارها في العمليات العسكرية، فقد اتجهت نحو توسيع نطاق الاشتباك أفقياً، خصوصاً في الساحة اللبنانية، في محاولة لتعويض غياب الحسم في الجبهة الإيرانية. إلا أن هذا التوسع لم يؤدِّ إلى تحقيق إنجاز استراتيجي واضح، بل فتح جبهات إضافية ذات كلفة عالية.
ثالثاً- أوكرانيا: تصعيد ميداني واستثمار روسي في الانشغال الغربي
بالتوازي مع التصعيد في الشرق الأوسط، شهدت الجبهة الأوكرانية خلال الأسبوعين الأخيرين تطورات ميدانية لافتة، تمثلت في تكثيف العمليات الروسية في شرق وجنوب أوكرانيا، خصوصاً على محاور دونيتسك وزاباروجيا، مستفيدة من الانشغال الأمريكي والأوروبي بالحرب مع إيران.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن القوات الروسية نجحت في تحقيق تقدمات تكتيكية محدودة لكنها مستمرة، مع اعتماد متزايد على سلاح المسيّرات والهجمات الصاروخية بعيدة المدى لاستنزاف البنية التحتية الأوكرانية.
في المقابل، بدا واضحاً تراجع الزخم الغربي الداعم لكييف، سواء على مستوى الإمدادات العسكرية أو الاهتمام السياسي، حيث أعادت عدة دول أوروبية ترتيب أولوياتها باتجاه أمن الطاقة والاستقرار الداخلي، في ظل تداعيات إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. وقد انعكس ذلك في تباطؤ شحنات الأسلحة، وتأخر حزم الدعم الجديدة، ما أضعف القدرة الأوكرانية على شن عمليات هجومية واسعة.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم التحركات الروسية بوصفها محاولة لاستثمار اللحظة الدولية، عبر تحقيق مكاسب ميدانية تدريجية من دون الانزلاق إلى تصعيد شامل، بما يعزز موقع موسكو التفاوضي في أي تسوية مستقبلية. كما أن تزامن الضغط الروسي في أوكرانيا مع الضغط الإيراني في الخليج يعكس – بشكل غير مباشر – نوعاً من التكامل الاستراتيجي بين خصوم الولايات المتحدة، حتى من دون وجود تنسيق معلن، حيث يؤدي تعدد بؤر التوتر إلى تشتيت القدرات الغربية وإضعاف فعاليتها.
رابعاً- لبنان: بين التفاوض تحت النار وإعادة رسم الوقائع
يشكل لبنان اليوم إحدى أكثر ساحات الحرب تعقيداً، حيث يتزامن التصعيد العسكري مع مسارات تفاوض مباشرة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، في محاولة لفرض تسوية جديدة تحت الضغط.
وقد بلغ التصعيد ذروته في ما عُرف بـ “الأربعاء الأسود” (9 نيسان/أبريل 2026)، عندما أسفرت الغارات الإسرائيلية المكثفة عن مقتل أكثر من 300 مدني لبناني خلال يوم واحد، في واحدة من أعنف الضربات منذ بداية الحرب. ولم يكن هذا الحدث مجرد تصعيد عسكري، بل حمل دلالات سياسية واضحة، مفادها أن إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة تفاوضية جديدة عبر الضغط الميداني المباشر.
بالتوازي مع ذلك، قامت إسرائيل بتوسيع نطاق سيطرتها داخل الجنوب اللبناني، عبر احتلال بلدات حدودية وفرض واقع أمني جديد، ما يشير إلى توجه نحو إعادة إنتاج نموذج “المنطقة العازلة”، ولكن بصيغة أكثر عمقاً وتدخلاً.
خامساً- سوريا: أداء سياسي غائب واحتقان شعبي متصاعد
في الوقت الذي تشغل فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإقليم والعالم، ظهر عدد من التعقيدات التي تواجه سلطة الأمر الواقع في دمشق، فمن جهة كانت تسعى إلى إبرام اتفاق مع إسرائيل، اتفاق بأي ثمن، نظراً لحالة الضعف التي تعانيها على مستوى الشرعية الوطنية، ومن جهة ثانية، لا يمكن لها الانحياز إلى إيران، نظراً لاعتمادها على ما تيسّر من دعم خليجي، كانت تأمل أن يزداد مع الوقت، وعلى الرغم من هذا الموقع الحرج للسلطة، إلا أنها غامرت بدفع مواليها إلى مظاهرات داعمة لغزة، تحولت في جزء منها إلى اعتداء على سفارة دولة الإمارات، وتخريب الممتلكات فيها.
في هذه الأثناء، جاءت زيارة الرئيس الأوكراني إلى دمشق، والتي لا تتضمن أي بعد عملي، لكنها توجه رسالة إلى روسيا، الموجودة في “قاعدة حميم”: رسالة غيظ من عدم دعم روسيا ل”سلطة الشرع”، على الرغم من زيارته إلى موسكو، ولقائه الرئيس بوتين، في محاولة لإدخال روسيا على خطّ حلّ مشكلات السلطة المتعددة، بما فيها مع إسرائيل، أو طلب المساعدة في تجديد عتاد الجيش، على اعتبار أن سلاحه تاريخياً من تصنيع روسي، أو من الدول التي كانت ضمن دائرة حلفاء الاتحاد السوفيتي السابق.
تفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، خصوصاً بعد رفع أسعار الكهرباء والغاز والخبز والنقل، وعودة الفساد والرشاوى كما كانت عليه سابقاً، دفعت نحو تقوية الاحتجاج الشعبي على سياسات السلطة، وهو ما تجلى في اعتصام “قانون وكرامة” الذي تزامن مع الذكرى الثمانين لاستتقلال سوريا، حيث تنادت عدد من القوى السياسية والمدنية للاعتصام، ورفعت مطالب سياسية ومعيشية.
سادساً- رأي الحزب
يرى الحزب الدستوري السوري أن التطورات المتسارعة خلال الشهر الأخير تؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية عميقة، تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة على المدى الطويل، ضمن سياق دولي يتجه نحو تعددية قطبية مضطربة، تتراجع فيها قدرة الفاعل الواحد على فرض إرادته، لصالح شبكة معقدة من التوازنات والصراعات المفتوحة.
وانطلاقاً من ذلك، يحدد الحزب مواقفه وتقديراته على النحو التالي:
- إن فشل الحسم العسكري الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران يشير إلى حدود القوة التقليدية، ويؤكد أن الصراعات الحديثة تُحسم عبر القدرة على الاستمرار والاستنزاف، لا عبر الضربات الخاطفة.
- إن تحوّل مضيق هرمز إلى أداة ضغط جيوسياسي يعكس انتقال الصراع إلى مستوى التحكم بالاقتصاد العالمي، ويؤكد أن أمن الطاقة عاد للعب دور حيوي في معادلات الردع.
- إن استخدام روسيا والصين لحق النقض في مجلس الأمن يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل النظام الدولي القائم، وبداية تشكّل نظام أكثر تعددية، لكنه أكثر هشاشة وتوتراً.
- إن ما يجري في لبنان، من توسيع الاحتلال وفرض وقائع ميدانية بالتوازي مع التفاوض، يعكس نموذجاً خطيراً لإعادة رسم الحدود بالقوة، وهو نموذج مرشح للامتداد إلى ساحات أخرى في المنطقة.
- إن التزامن بين التصعيد في أوكرانيا والشرق الأوسط يكشف عن حالة من الترابط غير المباشر بين مسارح الصراع، بما يؤدي إلى استنزاف القدرات الغربية وتشتيت أولوياتها الاستراتيجية.
- إن حالة التردد والتخبط في سياسات سلطة الأمر الواقع في دمشق تعكس غياب رؤية وطنية واضحة، وتؤكد عجزها عن تمثيل المصالح السورية أو التعامل مع التحولات الإقليمية بحدّ أدنى من الاستقلالية.
- إن تصاعد الاحتجاجات الشعبية في سوريا، كما في اعتصام “قانون وكرامة”، يشير إلى عودة الفعل المجتمعي، ويفتح المجال أمام إعادة بناء الحياة السياسية على أسس مدنية ووطنية.