ثقافة

المكان في رواية الحرب السّورية….. الشاهد الرئيس في مجتمع محكوم بالصدمة 

محمّد حلّاق الجرف

صدر في عام 2023 عن رابطة المواطنة دراسة نقدية مطولة للدكتور حسّان عبّاس بعنوان “الجسد في رواية الحرب السورية”، تناول فيها موضوعة “الجسد” من زوايا مختلفة باختلاف الروايات التي تناولها.
نحن هنا سنحاول استكمال هذا المشروع -إن صحّت التّسمية- بتناول “المكان في رواية الحرب السّورية” معتمدين على قراءتنا لثلاث روايات صدرت خلال فترة ما اصطلح على تسميته بـ “الحرب السّورية” وهي الفترة التي امتدت من العام 2011، عام اندلاع الاحتجاجات السّلمية في سوريا ضدّ نظام بشّار الأسد وقرار النظّام مواجهة هذه الاحتجاجات بعنفٍ غير مسبوق، إلى أواخر  العام 2024 وقت سقوط النّظام على أيدي فصائل معارضة مسلّحة في لحظة إقليمية ودولية فارقة. 

الروايات الثلاث التي وقع اختيارنا عليها هي: “المئذنة البيضاء” ليعرب العيسى، الصادرة عن دار المتوسّط عام 2021، وهذه الرّواية دخلت القائمة الطويلة للرّواية العربية لعام 2022، والمعروفة باسم “جائزة بوكر العربية”. والرّواية الثّانية هي رواية “السّوريون الأعداء” لفوّاز حدّاد ،الصادرة عن دار الرّيس للكتب والنّشر عام 2014. وأمّا الرّواية الثّالثة فهي “الموت عملٌ شاق” لخالد خليفة ،الصّادرة عن دار نوفل عام 2016،  وهذه الرواية وصلت، في نسختها المترجمة للإنكليزية Death is hard work، إلى القائمة النّهائية  Shortlist لجائزة الكتاب الوطني الأمريكي  عام 2019 عن فئة “الأدب المترجم”.

نودّ التأكيد بدايةً على أنّنا لن نتبنّى في دراستنا موقفاً نقدياً، بمعنى السّلب أو الإيجاب، تجاه الرّوايات التي سنعالج المكان خلالها. كما أنّنا لن نغوص في المثالب والمناقب، بلْ إنّ دراستنا ستقتصر على “كيف ظهر المكان في الروايات الثلاث، وما رمزيته”.

كما يجب التأكيد أيضاً على أنّنا غير معنيين في هذه الدّراسة بالتحليل السّياسي للأحداث التي شهدتها سورية طوال ثلاثة عشر عاماً، وهي المدّة التي تغطيها الرّوايات التي اخترناها لدراستنا. مع ملاحظة مهمة لا يمكن إغفالها، وهي أنّ معظم الرّوايات التي كتبت في هذه الفترة تناولت الحدث السّوري من موقف معارضٍ للنّظام الأسدي، وبرأينا هذه ظاهرة غير طبيعية، ونحن هنا نخالف المرحوم الدّكتور حسّان عبّاس الذي اعتبر أنّها ظاهرة طبيعية، على اعتبار أنّ المبدعين في الفنّ والأدب يقفون، في القسم الأعظم منهم، في طرف النّاس المدافعين عن الحقّ والكرامة. ونحن إذْ نُخالف الدكتور عبّاس فذلك لأنّ الإبداع، وفي قلبه بالطبع الإبداع الرّوائي، هو نشاطٌ إنساني ووسيلة للتّعبير عن مأساة الفرد ومحيطه، و”المجتمع الموالي” عانى أيضاً من ويلات الحرب، وعانى من الفقْد أيضاً. ومن المعلوم أنّ الإبداع الأدبي هو وسيلة لتحويل الألم إلى معنى، حيث يتحوّل الإنتاج الإبداعي إلى ميكانيزم لردم الفجوة التي يُسبّبها الغياب. فالفقْد يولّد شحنات عاطفية مكثّفة، تدفع الأديب للبحث عن تعويضٍ رمزي، ومن هذه الزّاوية فإنّنا، وعلى خلاف الدّكتور عبّاس، لا يُمكننا اعتبار أنّ غياب النّشاط الأدبي في أوساط الموالين للنّظام السّابق أمراً طبيعياً.

المكان في الرّواية: مقاربةٌ نقدية

تنتقلُ الرّواية الحديثة بالمكان من مجرّد “ديكور” أو خلفية حيادية للأحداث إلى مكوّن بنيويّ فاعل يمنح السّرد شرعيته ووجوده. فبعد أنْ استقر في التّقليد الواقعي للقرن التّاسع عشر (عند الفرنسيين دي بلزاك واميل زولا مثلاً) كأداة للمحاكاة والتّمثيل الاجتماعي لترسيخ “تأثير الواقع” وضبط حتمية سلوك الشّخصيات، تحوّل مع السّرودية الحديثة ” Narratologie”إلى بنية تنظيمية تُدير وجهة النّظر وتُشكّل “فضاء الخطاب”. ولم يقف التحوّل عند الأبعاد الهندسية، بل امتد مع غاستون باشلار ليصبح خبرة ظاهراتية أو فينومينولوجية “ Phénoménologie” وحيّزاً حميمياً مشحوناً بالذاكرة والوجدان، وصولاً إلى أطروحات هنري لوفيفير التي نظرت للمكان كإنتاج اجتماعي وحقل للصّراعات الطّبقية وعلاقات القوّة بين المركز والهامش. وفي سياق أدب الحروب والشّتات المعاصر، يتّخذ المكان بُعداً صادماً تروماتيكياً ” Traumatique” حادّاً، حيث يتشظّى الحيّز الجغرافي المستقر ليتحوّل إلى فضاءٍ مقتلعٍ يُعاد بناؤه عبْر الذّاكرة لتعويض الوجود المدمَّر.

 إنّ المكان في النصّ الرّوائي ليس حيّزاً هندسياً، بلْ هو بناءٌ أيديولوجيّ ونفسيٌّ معقّد، يصقل هوية الشخصيات ويمنح جوهر المعنى، كاشفاً من خلال تصدعاته عن أعنف التّوترات النّفسية والتاريخية والسياسية، ومحوّلاً الكتابة ذاتها إلى “وطن بديل” يستوعب شتات الهُوية ومرارة النّفي.

المكان بيْن الذّاكرة والخراب
يتحوّل المكان في روايتي «السّوريون الأعداء» لـ فواز حداد و«المئذنة البيضاء» لـ يعرب العيسى من حيّزٍ جغرافي أليف إلى مسرحٍ للصدمة Traumatique، حيث تُعاد كتابة المدن بوصفها فضاءات يتصارع فيها التّاريخي والرّاهن، الذّاكرة والخراب. في «السّوريون الأعداء» تتماهى المدينة مع المنظومة الأمنية فتغدو فضاءً للمراقبة والترصّد، إذ يقول حداد: «دمشق تغيّرت، على غير ما عرفتها ودودةً وهادئة، الحواجز الأمنية اخترقتها وانتشرت أمام دوائر الدّولة ومؤسّساتها، دوريات الأمن تسْتوقف المارّة، تطلب هوياتهم الشّخصيّة، تفتّش وتعتقل أيّ شخصٍ مظهره مثير للرّيبة». هنا لا يعود المكان معطىً عمرانياً، بل يتحوّل إلى أداة قمعٍ وتشويهٍ للذّاكرة الجمعية، حتّى إنّ الألفة المنزلية نفسها تنهار: «ما يلحّ عليّ من هواجس كان بخصوص عائلتي، أبي وأخي وزوجته وأولاده، ليس لأنّني أصبحت متطيّراً، الأخبار السّيئة لا تكفّ عن التّوارد. حماة محاصرة، معزولة عن العالم، والاتصالات الهاتفية قُطعت عن أجزاء منها، طالت بيت العائلة في الكيلانية». ومع كل بناية تسقط، يُكشَط أرشيف المدينة طبقةً طبقة: «نظر إلى موقع قدميه، لا يفصله عنهم سوى قضبانٍ من بقايا بوابة حديدية، وقطعٌ من الرّخام المُجزّع، وعلامات غائرة خطّها مرور جنازير الدّبابات على التّراب، ما الذي سيفقدونه؟».  هكذا تتأسّس «المدينة الأرشيف» بوصفها رقّاً ممسوحاً (palimpseste) ]تتراكب فيه طبقات الماضي فوق حاضر الكارثة، ومصطلح الرق الممسوح هو مصطلح فرنسي يستخدم في النقد الأدبي للدلالة على “طبقات” النصوص المتراكمة فوق بعضها البعض. وللمصطلح حكاية تاريخية، ففي العصور القديمة، ونظراً لغلاء أسعار الجلود (الرق) التي يُكتب عليها، كان النساخ يقومون بـكشط أو مسح نص قديم مكتوب على الرق لإعادة الكتابة فوقه بنص جديد. ولكن عمليات المسح لم تكن تامّة، فمع مرور الزمن، تبدأ آثار الكتابة القديمة (الممسوحة) بالظهور تحت الكتابة الجديدة، فيصبح الرق عبارة عن “طبقات” من النصوص المتراكمة فوق بعضها البعض. 

في المقابل، ينتقل يعرب العيسى من مركز السّلطة إلى «سوسيولوجيا الهامش»، قارئاً الانفجار المكاني كنتيجة فسادٍ بنيوي طويل الأمد، «المدينة التي تهشّم أطراف نفسها (من خلاف) تعيش الآن مشهداً يستحق الشماتة، يستحق سبعاً وعشرين سنةً من الانتظار.‫ جاشَت الريح في صدره. نهض كمن بلغ سدرة المنتهى: امتلأ الزمان يا دمشق» .  المئذنة البيضاء ليست معْلماً معمارياً فحسب، بل رمز هوية تتآكل وهي تحاول إثبات ذاتها، رمز صراعٍ ملحمي قادم: «هي في صحيح الأحاديث المئذنة البيضاء الشرقية وليست مئذنة عيسى التي في الأموي، لأنّك إنْ خرجت من الباب ويمّمت وجهك شرقاً سينفتح بصرك على غوطة دمشق، وغوطة دمشق هي أرض الملحمة الكبرى وهي المحشر الصغير» (المئذنة البيضاء- ص 280). وقد يتجلّى المسجد الأموي كشظايا هوية متناثرة: «هذا مكان مسكين لطالما فعل ما طلب منه، كان موظّفاً عند من مرّوا بهذه المدينة يحملون أسلحة، فظلّ لـ 1260 سنة معبداً لحُدد.. ثمّ صار مسجداً ورُفع فيه الآذان بالعربية المترنّحة على سبعة مقامات موسيقية لـ 1377 سنة لكنّه تنقّل بين المذاهب والولاءات». بل إن دمشق المكان أضحت مأوى يحمل من الترميز أكثر ممّا يحتمل: «يوم احترق مسجد الرّسول في أوّل ليلة من رمضان عام 654 هجرية، ثمّ تبعه زلزال ضرب المدينة المنوّرة بعد أيّام، وفجّر بركاناً ظلّ يُلقي بالنّار إلى حرّة رهط لثلاثة أشهر، هرب جدُّه من غضب الله الذي حلّ بالمدينة، والتمس أرضاً مباركة لا يُمكن أن تحلّ بها اللّعنات، مباركة أكثر من المدينة التي نُوّرت بحياة الرّسول وموته فيها، فكانت دمشق بالطبع». 

عند هذه العتبة يلتقي الكاتبان: المكان السوري ضحيةٌ وشاهدٌ في آن، معتقلٌ سياسياً ومشوّهٌ اجتماعياً، حتى يغدو الإقليم أرشيفاً جريحاً. هذا التجزؤ المكاني يقابله تجزؤٌ سردي؛ فالكتابة تمضي عبر شظايا واسترجاعات وذكريات متقطعة، وبهذا المعنى، يستعيد النص ما أشار إليه غاستون باشلار في جماليات المكان من أن البيت (أو الوطن) هو فضاء الألفة والحلم والجذور، وحين ينهار، لا تسقط الجدران وحدها، بل تتصدع الذات أيضاً. هكذا لا يكون الدمار محواً تاماً، فالذاكرة لا تختفي، بل تتناثر في الركام، وتعيد الرواية تركيب عالمٍ هشٍّ قابلٍ للسكن رمزياً، فيما تحفظ أثر الفقدان وتدوّن استمرار الحياة في الكتابة رغم الخراب.

المكان متحركاً

  في رواية «الموت عمل شاق» لخالد خليفة. لا تعود الطّريق مجرّد وسيلة عبورٍ بين نقطتين جغرافيتين (دمشق والعنابية)، بلْ تتحوّل إلى فضاءٍ سيزيفي مكثّف يختصر مأساة الهُوية السّورية الممزقة. تُصبح الطريق في هذه الرّواية سجناً ممتداً على جغرافيا الوطن، فالحواجز العسكرية التي تقطع أوصال البلد تحوّل الفضاء المفتوح إلى سلسلة من المعتقلات، حيثُ يفقد المسافر إحساسه بالأمان في اللّحظة التي يغادر فيها عتبة منزله. إنّ الطّريق هنا هي مسالك الرّعب والترقّب، فالأوتوسترادات التي كانت يوماً رموزاً للحداثة والاتصال، باتت في زمن الحرب “مسالك للمجهول” وساحات للموت المجاني: «انحرف حسين بالميكرو في زواريب ضيّقة، أصوات قصف الطّيران قريبة منهم، باستطاعتهم رؤية الطّائرة وهي تُطلق صواريخها بارتفاع منخفض، الشّظايا تتناثر حولهم. حاول حسين التّركيز على الطّريق كي لا يجدوا أنفسهم محاصرين وسط بساتين الزّيتون المحترقة». ويُعاد تعريف المكان بناءً على جهة السيطرة العسكرية، مما يخلق حالة من الاغتراب الجغرافي الحاد.

وفي قلب هذا المكان المتحرك، تبرز السيارة كمكان ضيّق ومحاصر، وهي عالم مصغّر يختصر حالة الحصار الكبرى التي يعيشها الوطن. السّيارة التي تحمل الأبناء الثلاثة وجثة والدهم ليست مجرّد وسيلة نقل، بل هي حيّز وجودي ضاغط يتفاعل فيه الموت مع الحياة. تصبح رائحة الجثّة المتفسّخة داخل هذا الحيّز الضّيق هي صوتُ المكان الجديد، فهي تخترق الجدران الحديدية للسّيارة لتمتزج برائحة البارود والغبار في الخارج، ما يلغي الحدود بين الفضاء الخاص (داخل السّيارة) والفضاء العام (الطّريق). إنّ الجثّة هنا ليست مجرّد جثمان، بل هي عطالة مكان يُعيق الحركة ويجذب انتباه الحواجز: «اقترب حسين من بلبل وهمس له: “سيعتقلون الجثّة”، لم يفهم، ظنّ أنّ في الأمر التباساً». لقد حوّلت الجثّة الرّحلة إلى مواجهة عبثية مع تفاصيل التحلّل وضيق الزّمن.

يطرح خالد خليفة، علاوةً على ذلك، حقيقة «فقدان الأمان في الفضاء المفتوح»؛ إذْ يغدو الخلاء أكثر رعباً من القبو، لأنّ الفضاء المفتوح يترك الإنسان عارياً أمام القذائف ونقاط التّفتيش. يعود المكان في رواية «الموت عمل شاق» ليلعب دوره كمكان تروماتيكي (Traumatique) بامتياز، لا يسمح بالاستقرار أو الحلم، بل يجبر الشّخوص على العيش في حاضرٍ دائم من القلق، وهو ذات الدّور الذي لعبه في الرّوايتين السّابقتين. تنتهي الطّريق في الرّواية دون أن تنتهي الصّدمة، لتترسّخ فكرة أنّ السّوري لم يعد يملك مكاناً ثابتاً، بل أضحى عابر سبيل يسكن في الفجوات بين الحواجز، ويبحث عن معنى الانتماء في جغرافيا مهدّدة بالتلاشي في كل لحظة عبور. وهكذا، تصبح الرّحلة الجنائزية نحو «العنّابية» هي رحلة نحو اكتشاف أنّ الوطن نفسه قد تحوّل إلى «عمل شاق» من الصّمود والاحتضار المكاني: «في صباح اليوم الثّالث لوصولهم إلى “العنّابية”، قرّر بلبل قطع الحدود إلى تركيا. كان الحشد رهيباً على معبر السّلامة، آلافٌ من البشر ينتظرون عبور الحدود إلى تركيا. فكّر أنّ رغبته في بدء حياة جديدة غير حقيقة، إنّه عاجزٌ حتّى عن فعل هذا، عاد إليه خوفه، اشتاق إلى بيته، وتلك اللّحظات المكرّرة في مكتب وظيفته، مخلّلاته، وخوفه من الفاشيين الذين يرفعون البنادق ويريدون حرث درعا وزراعتها بطاطا».

خاتمة 

رأينا إذاً بأنّ المكان في رواية الحرب السّورية لم يعدْ حيّزاً جغرافياً فقط، ولا مجرّد خلفية للأحداث، بل شخصية أساسية من شخوص الرّواية، وشاهداً على تعقّد علاقاتها، وتعقيد مجتمعها المحكوم دوماً بالصّدمة.

في رواية الحرب السّورية اختفى المكان الأليف، المكان أصبح معتقلاً، والفضاء المفتوح خطراً. المكان في رواية الحرب السّورية محكومٌ بالصّدمة، وبـ «رقٍّ ممسوح» يُخفي طبقات القهر والخراب وفقدان الألم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق