ثقافة

“الجمهور القاتل” وتحوّل الكراهية إلى أيديولوجيا في بحث للروائي نبيل الملحم

(حدْس)- القسم الثقافي:  

يكتب نبيل الملحم غاضباً أو يائساً “الجمهور القاتل” أو “ذاك الحشد الذي لا يرى”، كتابه الصادر مؤخراً، مبتدئاً من بوابة كافكا، التي تطل على قلعة يغذي عرشها القطيع، ليست فيها الطاعة بالضرورة “نقيضاً للحرية”، لكنها قد تكون “خياراً استراتيجياً للبقاء”.

يطرح الكاتب في مطلع كتابه أسئلة عن القطيع، أسئلة لطالما كانت مثار بحث اجتماعي وسياسي وروائي، حول الدوافع النفسية والاجتماعية التي تدفع القطيع إلى الطاعة الكاملة والدائمة، وكيف يمضي منفذاً أوامر المركز الذي لا يراه، والذي تمثله الأنظمة السياسية، وكيف يعمل القطيع على إدامة عمر هذه الأنظمة.  

توقيت صدور الكتاب يبدو متطابقاً مع أحوال البلد الذي ينتمي إليه الكاتب، بعد هروب الديكتاتور الأسد، ووصول مجموعة سلفية جهادية إلى الحكم، ومع ذلك، ينبري جمهور كبير للدفاع عنها، مع أنها ارتكبت مجزرتين كبيرتين بحق مدنيين عزل في مدن وقرى الساحل في شهر مارس/ آذار الماضي، وفي السويداء في مطلع يوليو/ تموز، من دون أن يشعر جمهور السلطة، الذي يفترض أنه جمهور الثورة، بأي مشكلة أخلاقية في الانتهاكات التي أقدمت عليها هذه السلطة خلال أشهر قليلة من حكمها.

لماذا هو “الجمهور القاتل”؟

يقول الملحم: “الجمهور يقتل فرصة التغيير والتحرّر عندما يختار الصمت، أو الطاعة، أو اللامبالاة… ويدعم بقاء القلعة الغامضة ككيان مستبد”.

لا يسعى الكاتب، وهو صحافي وروائي، إلى تقديم درس في التحليل السياسي أو النفسي بالمعنى المألوف، وإنما يضعنا أمام المشهد، كأن يقول لنا: هذه هي اللوحة القاتمة، والقلعة ستبقى القلعة لأن قطيعاً يضخ الحياة في شرايين استعلائها على الناس، وبقائها راسخة في الواقع، وأن هناك من هو مستعد دائماً لتقديم وعيه كقربان للقلعة وحاكميها.

القلعة والقطيع الكاره

لا بد من الكراهية، هذا ما يراه الملحم كوصفة مضمونة، نازعاً عنها صفة العشوائية، وهي “منظمة كفعل أيديولوجي سياسي”، مستعررضاً تاريخ النازية والفاشية، اللتين استخدمتا الكراهية كأسلوب في حشد القطيع، وجعله جيشاً موازياً للجيش النظامي، وربما تأثيره أقوى، فلا يمكن تبرير القتل من دون شيطنة الآخر، وجعله مكروهاً، تمهيداً لجعل قتله ممارسة أخلاقية مباركة.

يحتاج بناء القلعة إلى قطيع كاره، معبأ أيديولوجياً، ومستعد لمباركة القتل، وجعله ضرورة، هذه هي الوصفة التي تتكرر ردائماً.

القلعة الدينية

الخطاب التحريضي الذي قامت به السلطة  بعد أشهر قليلة من الحكم ضد الأكراد والعلويين والدروز، يرصده الملحم عبر العبارات الأكثر شيوعاً في هذا الخطاب: “العلويون نصيرية كفار”، “الدروز خونة وباطنيون”، “الكرد انفصاليون”، كل ذلك تلا سنوات من خطاب تحريضي كان يبثّ على قنوات دينية طائفية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي خطب المساجد، وصولاً إلى حملات النفير العام للجهاد التي أطلقت من بعض مساجد المدن دعماً لقوات الفصائل في حملتها الأولى ضد الساحل، ومن ثم ضد السويداء.

لفهم هذه الآلية في المشهد السوري، يعود الملحم إلى استعراض وسائل النازية في بناء قلعتها: شيطنة العدو “اليهود، السلاف، الغجر”، وتقديس القائد “الفوهرر”، واللعب على العاطفة، والسيطرة على كل وسائل التعبير، وتكرار الرسالة بشكل دائم في التلفزيون والراديو، والصحف.

كل هذا يتكرر اليوم في مشهد بلاد، كان من المفترض أن تنتقل من زمن الديكتاتورية والقمع والسجون إلى زمن الحرية، لكن القلعة موجودة،وما تغير هو لونها، تصبح قلعة دينية، قوامها خطاب التحريض القومي والطائفي، وشيطنة الأقليات، والكذب الإعلامي المستمر، وخطاب عاطفي يدغدغ مشاعر القطيع.

تاريخ القطيع الحديث

التاريخ الروائي الحديث في أحد أوجهه هو تاريخ رصد وتحليل العلاقة بين السلطة والقطيع، لذلك يعود الملحم ليضعنا أمام هذا التاريخ الروائي، عبر محطات أساسية: “1984” لجورج أورويل، و”القلعة” لفرانز كافكا، و”كائن لا تحتمل خفّته” لميلان كونديرا، و”مدن الملح” لعبد الرحمن منيف”، و”اللجنة” لصنع الله إبراهيم، هذه المحطات التي تسبر أغوار الوعي الجمعي للقطيع في بيئات وبلدان مختلفة، لكن مع وجود سمات أساسية مشتركة لدى القطيع/ الجمهور.

يقاطع الملحم بين تاريخ الرصد الروائي لظاهرة القطيع مع أهم التجارب الفلسفية وعلم النفس التحليلي، التي سعت إلى تفكيك وفهم وتفسير الظاهرة من زوايا اجتماعية وسياسية وطبقية ونفسية، وكأنه بذلك، يحاول أن يربط أو يحيل، ليس فقط إلى قوة الظاهرة وحضورها في التاريخ المعاصر، بل أيضاً إلى الحيّز الذي شغلته في النظريات الفلسفية، لفهم سياقات تشكّلها، وآليات عملها، ومدى تأثيرها، بل وقدرتها على تكرار ذاتها.

السياق السوري

اختار الملحم أن يأخذ القارىء معه في رحلة “وطنية” تحت عنوان “سأحدثكم عن بلدي”، محاولاً قدر الإمكان تكثيف مسيرة تشكّل القطيع السوري منذ ولادة الدولة الوطنية، وكيف لعبت الشعارات دورها في التعبئة الجماهيرية، وكيف حول الخوف الناس إلى قطيع يمجد الحاكم ويسبح باسمه، وكيف أصبح القطيع جاهزاً للدفاع عن الجلاد.

لا يزعم الملحم أن تناوله للسياق السوري، ولا حتى لمجمل عمله، بأنه بحث علمي أكاديمي، وإنما “بحث يقوم على التداعي”، وهذا الاعتراف بطبيعة البحث الذي يأتي في خاتمة الكتاب، لا يبدو هروباً من اي محاولة لمحاكمته على أسس منهجية صارمة، بل للقول بأن هذا البحث ربما هو محاولة لتحرير الذاكرة، ومحاولة لفهم كيف تحدث عملية تعرية للإنسان من فرديته وتحوّله إلى كائن قطيعي، “متروكاً لغرائزه من دون وعي ومن دون مساءلة”.

كتاب الملحم، والمؤلف من 108 صفحات من القطع المتوسط، تتصدره لوحة للفنان لقمان أحمد، ومن إخراج حسين خان، هو كتاب بانورامي متعدد، يحمل بصمات واضحة من العمل الصحافي والروائي للكاتب، الذي عمل لعقود في الصحافة، وأصدر عدداً من الروايات، وهو مقيم في العاصمة الألمانية برلين منذ سنوات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق