السويداء بين الشرع والهجري… عندما تُؤجج الطائفية في سبيل السلطة
علاء الخطيب
شكلت مجزرة السويداء في مطلع يوليو/ تموز الماضي، بعد مجزرة الساحل، ضربة جديدة قاسية للعقد الاجتماعي السوري، الذي كان بالأصل متخماً بالجروح والانشقاقات الشاقولية بعد 40 سنة من حكم الطاغيتين الأسد، و14 سنة من حرق البلد، بالصواريخ والبراميل، وبالتحريض وخطاب الكراهية الطائفي والقومي.
ما يشتت القلب والعقل أمام هذه المجزرة ليس فقط عنفها ووحشيتها، بل أيضا ما شهدته من انفلات أهوج للغرائز البدائية العشائرية والطائفية، واصطدام مختلف شرائح المجتمع السوري ببعضها، تحت تغطية إعلامية تبريرية، ليس فقط من قبل إعلام السلطة، وإنما أيضاً من كبرى القنوات العربية، والصادم كان ما سببته هذه المجزرة من اضطرار الضحايا للاحتماء بإسرائيل الدولة المحتلة للأرض السورية؛ وما شهدناه من شكر لهمجية المهاجمين للسويداء، تحت غطاء عشائري كاذب، من قبل رأس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع؛ بالإضافة إلى تبرير لوحشية بعض فصائل السويداء باعتدائها الإجرامي على البدو المقيمين في المحافظة.
لقد كانت المسألة السورية شديدة التعقيد، وربما من أكثر الأزمات العالمية تعقيداً خلال العقدين الماضيين بسبب تداخل مصالح عدد كبير من الدول، وتعقيدات الواقع المحلي في سورية. لكن المفاجأة القاسية كانت أن سقوط بشار الأسد لم يكن بداية الانفراج، بل إن مجزرة الساحل في آذار\مارس، ثم مجزرة السويداء، تعكسان تزايد تعقيد تداخل السياسات الإقليمية والدولية، وتعقيد التركيبة الداخلية السورية، ما بين التركيبة التقليدية من طوائف وعشائر وقوميات ومناطق جغرافية، وما بين التركيبة الطبقية والسياسية والأيدلوجية، وما بين تركيبة السلاح الناتجة عن 14 سنة من الحرب والخراب.
التصعيد وصولاً إلى المجزرة
لم تكتمل فرحة السوريين بسقوط نظام بشار الأسد، لأن من تسلم السلطة في سوريا، والتي يفترض أنها انتقالية، فقد أثبت عبر ممارساته وخطاباته وإعلامه، أنه يتجه نحو ترسيخ حكم ديكتاتوري جديد، وعلى التوازي، وبسبب فشل من استولى على المعارضة السورية منذ 2011 كسياسيين، ونخب مشهورة في تحضير واقتراح عقد اجتماعي يتعامل مع تغير موازين القوى في البلاد، فقد سيطر على ساحة معارضة قوى راديكالية، من بينها من يحكم اليوم، وأصوات ونخب وجماعات مُشتتة من دون رؤى واضحة، ومن دون مشاريع حقيقية، فخرج مقابل سياسي معارض يعتمد على الانتماءات الطائفية والقومية، ما زاد من تعقيد وخطورة استمرار حالة التوتر والانزلاق الخطر للدولة السورية.
استخدم حافظ وبشار الأسد مبدأ “فرق تسد” لترسيخ سلطتهما. فقاما ببناء سلطتهما بأحد أسسها بالاعتماد على توزيع السلطة والمزايا لزعماء الطوائف والعشائر والقوميات، فرسّخا وهم أن العلويين يحكمون سوريا، ما أدى إلى سقوط الأكثرية العددية من السنة في وهم المظلومية، بينما حُشرت الأقلية العددية من العلويين في وهم أن أمانها مرتبط باستمرار نظام الأسد.
بالمقابل، اتجهت السلطة الانتقالية- وفق مبدأ “فرق تسد”- إلى الحدّ من صعود الشعور السنّي-العربي بانتصار وهمي، بالعمل على استمرار شعور المظلومية السنية، من خلال طرح عنوان “تحالف الأقليات”، فاستطاعت السلطة عبر إعلامها، وبمساندة الإعلام الخليجي تحويل المجزرة في الساحل ضد العلويين إلى مظلومية إضافية، تُبقي المركب السنّي تحت وهم المظلومية، واستمر هذا السلوك في مجريات مجزرة السويداء، حيث تبنّت السلطة مقولة المؤامرة الدولية من “حلف الأقليات”، الذي يرفض أن يكون حاكم سوريا سنياً عربياً، لتحويل الأنظار عن فداحة المجزرة.
من ناحية ثانية، وبأي قراءة موضوعية لتاريخ أحمد الشرع ورجال السلطة المحيطين به، وقراءة القرارات والخطابات الأولى للسلطة الانتقالية، والحملة الدعائية الضخمة في السوشيال ميديا للترويج لشعارات من قبيل “دمشق عادت لنا أمويةً إلى يوم القيامة”؛ نجد أن من حقّ السوريين عموما، والمكونات الأقل عدداً بشكل خاص، أن ينتابهم شعور الخوف وعدم الثقة بهذه السلطة.
في الوقت نفسه، لم تبادر السلطة الانتقالية، ولو شكلياً، إلى معالجة الصدوع الشاقولية التي تشقّ المجتمع السوري طائفيا وقوميا وسياسيا ومناطقيا. ومن ذلك كان قرار السويداء بالاحتفاظ بسلاحها داخل المحافظة قراراً مفهوماً ومحقاً، وترسخ هذا الحقّ بعد مجزرة الساحل، التي لم تنسف الثقة المطلوبة بالحكومة الجديدة فقط، بل فرضت تصعيداً للتوتر والخوف على أساس طائفي، ليس فقط من قبل المكونات الأقل عدداً كالعلويين والدروز والمسيحيين وغيرهم، بل أيضا من قبل المكون الأكثر عدداً أي المكون السنّي العربي.
على المنحى الآخر، وفي محافظة السويداء ذات الأكثرية الدرزية صعد اسم الشيخ حكمت الهجري، وهو أحد شيوخ العقل بالسويداء، للتداول الإعلامي في الأشهر الأولى بعد سقوط نظام بشار الأسد، بسبب موقفه المتصلّب ضد السلطة الجديدة، قاطعاً معها كل الخيوط، الضعيفة أصلا، وقد قوبل هذا الموقف بسياسة براغماتية من قبل السلطة لزيادة التوتر الطائفي بين الدروز وبين السنّة. فكان انتشار فيديو مفبرك لشيخ درزي يُشتم به الرسول الكريم شرارة أشعلت الحالة الطائفية. وقد كان هذا المنهج عند السلطة المؤقتة عندما شكر وزير الداخلية من ثاروا واعتدوا على طلاب السويداء في الجامعات؛ فاشتعلت الصدامات في أشرفية صحنايا وجرمانا مع الدروز، التي تمت لملمتها بصعوبة، لكن الشرخ كان قد حصل.
على التوازي انطلقت حملات إعلامية شرسة على الفضائيات والسوشيال ميديا لتصعيد الموقف ضد الدروز، قابلتها حملات مضادة، حتى وصلت سورية إلى 13 يوليو/ تموز إلى حالة، انفجرت فيها المواجهات بين أهالي السويداء وبين قوات الأمن العام والفصائل الرديفة، التي تُعرف بأنها العناصر المنفلتة، وأيضا عناصر فوضوية تقاطرت للهجوم على السويداء، باسم “الفزعة العشائرية”؛ فوقعت المذبحة الكبيرة بحقّ أهالي السويداء، وانطلق الإعلام الكبير والصغير يتلاعب بالأحداث ويوجه الجمهور باتجاهين متناقضين.
أدى التدخل الإسرائيلي بعد يومين من بدء المجزرة في السويداء لإيقاف جزء كبير من قوات السلطة التي كانت متوجهة للسويداء، ما أدى لتخفيف آثار المجزرة نسبياً. لكن هذا التدخّل الإسرائيلي، الذي كان متوقعاً بعد احتلال إسرائيل لشريط حدودي على طول حدود الجولان المحتل، أثار حملة دعائية في الإعلام السوري والخليجي ضد الدروز، حيث اتهمتهم السلطة بأنهم حلفاء لإسرائيل، وحمّلتهم المسؤولية عن الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، على الرغم من أن أحمد الشرع وحكومته أبدوا كل استعداد وتقبل للذهاب مع إسرائيل إلى أبعد حدّ للوصول إلى اتفاقيات أمنية ثم تطبيع.
على الرغم من حالة التعقيد الوطنية، والضياع السوري على المستويين الشعبي والنخبوي، إلا أن سؤال المسؤولية عن المجازر، يبقى سؤالاً مهماً، وبحاجة إلى تدقيق.
مسؤولية السلطة الانتقالية
من حيث المبدأ، وفي غالبية الدول الديمقراطية التي تحترم شعوبها، تتحمل الحكومات مسؤولية الأحداث الكبرى، خصوصاً إن كانت الحادثة محلية وليست اعتداءً خارجيا. والمؤكد أنه في دولة ديكتاتورية ذات حكم مركزي ديكتاتوري فهذا النوع من الكوارث الإنسانية هو بالتأكيد مسؤولية السلطة المركزية، وبالتالي فإن السلطة الانتقالية بقيادة الشرع تتحمل المسؤولية الأكبر عن المجازر التي وقعت منذ سقوط النظام البائد.
لكن وبغض النظر عن المبدأ السابق، فإن السلطة المؤقتة تتحمل المسؤولية لأن سياستها قامت على:
- التقاعس عن إطلاق عملية العدالة الانتقالية، بعد تأمين حماية واستقلال كامل للجهاز القضائي.
- الإهمال المقصود لإطلاق عملية المصالحة الشعبية- الشعبية السورية، من خلال وضع خطة تتضمن عمل إعلامي واسع، لإطلاق المعركة ضد التحريض وخطاب الكراهية الطائفي والقومي والسياسي.
- الاستعانة برموز التحريض وخطاب الكراهية ليكونوا في رأس السلطة، وليكونوا نجوم الترويج الإعلامي للسلطة المؤقتة، ودعم استمرار النداء الطائفي والقومي العنصري، ولعل منهج الإخبارية السورية هو الدليل الأوضح على هذه السياسة.
- احتكار السلطة والجيش والأمن للطائفة السنية، والتساهل مع بقايا المليشيات الجهادية السنية المتعصبة والطائفية.
- إطلاق سياسات اقتصادية ارتجالية فاشلة تزيد من الأزمة الاقتصادية.
- تكرار خطأ العراق بعد 2003 بتسريح كل عناصر الجيش والشرطة المدنية السابقين، وتسريح الكثيرين من العاملين في القطاع العام بانتقاء طائفي واضح.
- رفض وضع مشروع وخطة واضحان لشكل الدولة السورية الجديدة، مؤسساتيا، واقتصاديا، وسياسيا على المستوى الوطني والدولي، وهذا ما أثبته الشرع بإعلان تبرؤه من الثورة السورية التي كانت جزءاً من الربيع العربي، وتبرؤه من الإخوان المسلمين، ومن الجهادية السلفية.
أما في سياسة السلطة المؤقتة المباشرة مع السويداء، فسنجد أنها لم تسعَ لمواجهة هذا التصعيد في السويداء، رغم أن ذلك كان ممكنا من البداية، حيث رفضت تحمل مسؤولية مجزرة الساحل[i]، بل إنها أطلقت آلة إعلامية كبيرة تحريضية وطائفية، ما عزز الخوف والترقب عند كثير من المكونات السورية، بمن فيها المكون السني.
وبما يتعلق بالدروز خصوصاً، كان انطلاق حملة دعائية تحريضية طائفية بشعارات إسلامية عنفية ضد الدروز، بعد نشر فيديو مفبرك لشيخ درزي يشتم الرسول الكريم، دليلاً على أن الدروز سيكونون الهدف التالي للسلطة بعد العلويين.
وفي مرحلة المجزرة، كانت سياسة السلطة، متمثلة بقادة الأمن العام، خصوصاً الذين باشروا التدخل في السويداء، تقوم على الاستعانة بفصائل ثبت إجرامها في مجزرة الساحل (العمشات)، وجماعات مسلحة غير مصنفة رسمياً، ومسلحين استجابوا للنداء الغرائزي الذي استخدم “الفزعة العشائرية”، ما يؤكد مسؤولية السلطة، وبعد ذلك خروج الشرع شخصياً ليشكر العشائر، هذا الشكر الذي تبيّن أنه فتح طريق خلفي لإلقاء اللوم على العشائر عند اللزوم.
بالإضافة لذلك فإن التقارير الدولية تؤكد كلها وقوع مجزرة قُتل فيها أكثر من 1500 ضحية، معظمهم من المدنيين، وغالبيتهم من الدروز، بالإضافة لعشرات من البدو قتلتهم فصائل مسلحة من السويداء.
إذاً إن السلطة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، وبالذات المسؤولين عن وزارة الداخلية والدفاع، والعمل الإعلامي، والخطاب الديني السلفي الجهادي، يتحملون المسؤولية الأكبر عن هذه المجزرة، وعن تعميق الصدوع التي ضربت العقد الاجتماعي السوري.
الهجري بين خطأ التمثيل وخطورة الخطاب
ارتكب الشيخ حكمت الهجري خطأً استراتيجياً وسياسيا عندما تقدّم ليكون الممثل الوحيد لأهل السويداء. فكونه شيخ عقل، أي رجل دين، جعل كل تصريحاته وأفعاله تُنسب للطائفة بأكملها، ما فتح الباب أمام الهجمات الطائفية ضدها. وكان الأجدر أن يتصدّر المشهد ناشطون مدنيون أو قيادات علمانية تمثل التنوع الفكري والاجتماعي للسويداء، لا رجل دين يُستخدم كأداة في صراع سياسي.
بكل الأحوال الهجري اتخذ مواقف حدِّية ضد السلطة الانتقالية منذ البداية، وهي مواقف تتفق مع رؤية نسبة غير قليلة من السوريين بسبب ماضي الشرع ومن معه من أمراء الفصائل الإسلامية الرافعة للشعار السني، لكن في مجال اللعبة السياسية، فقد كان خطاب الهجري أقرب للسردية الأيديولوجية منها إلى الخطاب والتفاوض السياسي، ويعارض مواقف الهجري السابقة من نظام الأسد ودستوره غير العلماني وغير الديمقراطي، عندما أعلن بشكل واضح دعمه الكامل لنظام بشار الأسد في عام 2014.
فضمن موازين القوى المحلية والدولية يستحوذ الشرع وسلطته على تأييد إقليمي ودولي واسع، وعلى تأييد أو تقبل نسبة لا بأس بها من السوريين، الذين كانوا يراهنون على أن مجرد سقوط بشار سيكون بداية جديدة أفضل بأسوء احوالها من حكم نظام الأسد. وهنا ليس القصد أن يتوجه خطاب الهجري إلى الكذب أو النفاق كما قد يظن البعض، بل أن تدار الأزمة سياسياً من باب الواقعية السياسية التي تحتفظ بالمطالب المحقة، حول الديمقراطية وحقوق الانسان، وفي الوقت نفسه، تفاوض للتخفيف من حدّة الصدام وتكلفته. مثلا، رغم كل تحفظاتنا على سلوك هيئات المعارضة السورية، فإن هذه الهيئات كانت دائما متقدمة للتفاوض مع نظام الأسد وفق نفس الموازنة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الهجري لم يُعرف عنه المواقف المتصلبة أساساً، فقد كان معروفا أن سبب تواضع شعبيته ضمن السويداء لسنوات طويلة كان إعلانه بشكل واضح وقوي دعمه لنظام بشار الأسد، وتبنيه لسردية النظام آنذاك. ولم تنقلب مواقفه ضد النظام إلا عام 2021 بعد صدامه مع مسؤول الأمن في السويداء لؤي العلي. ولو أخذنا هذه المواقف على محمل البراغماتية السياسية من باب محاولته تجنيب طائفته، صغيرة العدد، الدخول بصدام مباشر مع نظام الأسد، فهذا بالتالي يناقض موقفه من السلطة السورية الجديدة، بعد شهرين من استلامها قيادة البلاد.
ناهيك عن أن سلاح التحريض الطائفي والقومي والسياسي تم استخدامه بكثافة وبقوة ومن قبل كل الأطراف منذ بداية الثورة، وقد أتت السلطة السورية الجديدة على أسس طائفية أيضا، والمجتمع السوري انفجر بحملات التحريض وخطاب الكراهية ومن قبل كل الأطراف. فبناء على ذلك كان تقدم أي رجل دين، من أي طائفة أو دين، ليقود جماعته سياسيا سيخدم هذا الهوس الطائفي والقومي والسياسي المسيطر على سوريا.
مع تصاعد الموقف بين السويداء وبين السلطة، أتى التواصل وازدياد الإشارة إلى إسرائيل ليزيد المشهد تعقيداً، وليمنح السلطة أوراقاً إعلامية أكبر لاستخدامها ضد السويداء، تحت عنوان أن خصومتها قائمة مع الشيخ الهجري وليس مع الدروز.
ومع انفجار الاعتداء على السويداء وارتكاب المجزرة البشعة في المحافظة تحت إشراف السلطة الانتقالية بقيادة الشرع، وشكره للعشائر، بدأت مواقف الهجري بالاتجاه للشعبوية السياسية أكثر منها لمواقف القيادة السياسية التي تدرك الواقع وموازين القوى الجيوسياسية، والحالة الشعبية والمجتمعية.
لقد خرجت مجاميع من السوريين تشكر إسرائيل يوم اغتالت حسن نصر الله، وقادة إيرانيين كبار خلال العام الماضي، وهنا يجب فهم ردة فعل الناس الذين تعرضوا لأسوء وأبشع الجرائم والمجازر بقيادة هذه الشخصيات، وعلى نفس السياق يمكن تفهم أيضا ردة فعل أهل السويداء من موقف إسرائيل، سواء حين ضربت الجماعات المسلحة الكبيرة التي كانت متوجهة للسويداء، ثم إيصال الدعم الإنساني للمحافظة. لكن على مستوى القيادة السياسية هنا لا بد من فهم ما يحدث بعمقه الجيوسياسي، والاجتماعي، والوطني، والإقليمي، والدولي.
لكن الهجري صمت بالبداية، على الحملة الإعلامية في السوشيال ميديا التي قادها ناشطون من السويداء، والتي اعتمدت على مقولتين، الأولى إعلان التحالف مع إسرائيل والامتنان لنتنياهو، مجرم الحرب بالعرف الدولي، والثانية إعلان الرغبة بالانفصال وإقصاء الدروز عن “العرب السنة” السوريين.
وفي الواقع، فقد تبنى الهجري في خطابيه الأخيرين منذ نهاية شهر أغسطس/ آب تبنى هذه المقولات شكلاً ومضموناً، ودعم الدعوة لانفصال السويداء لتكون دولة مستقلة، أيضا من باب أن التعايش مع “العرب السنة” غير ممكن.
دعوى الانفصال واستقلال السويداء، سواء كدولة أو ككيان ذاتي الحكم مستقل عن بقية سوريا، بالاعتماد بشكل أساسي على دعم إسرائيل هو بيع للوهم ومقامرة بمصير 300 ألف إنسان على الأقل يعيشون في المحافظة. فتاريخ العالم المعاصر، وواقع النظام الدولي يؤكد أن انفصال أي إقليم عن دولة يحتاج أولا لتقبل الحكومة المعترف بها دوليا، أو لتبني كامل من قبل دول كبرى تحمل المشروع وتحميه، بالتحالف مع الدول الإقليمية، وهذا التبني لا يتم بمجرد الوعود الشفهية السرية، خصوصاً وأن ترامب مرتاح للشرع وسلطته بالاعتماد على رؤية وموقف حكومات الخليج العربي وتركيا. ناهيك عن استحالة تأمين حياة حوالي 300 ألف إنسان يعيشون في المحافظة، بالاعتماد على ممر إغاثة يأتي من إسرائيل، لتزويد المحافظة بالطاقة والحاجات الأساسية وغيرها من حاجات يومية. ناهيك عن أن موقف نتنياهو من السويداء لم يكن كما أشيع تحت ضغط دروز الداخل، الذين يشكلون أقل من 1.5 بالمئة من سكان إسرائيل، بل كان لغايات سياسية شخصية تتعلق بنتنياهو شخصيا وبحكومته الذين يعتمد بقائهم على امتداد حالة الحرب.
خاتمة:
السلطة السورية بقيادة الشرع تتحمل المسؤولية الأكبر عن مجزرة السويداء، لكن هذا لا يخلي مسؤولية الهجري وأسلوبه بإدارة الأزمة والتعامل معها، رغم أن مسؤوليته تبقى أقل بكثير من الشرع. بالإضافة لذلك يشترك بالمسؤولية عن هذه المجزرة ومجزرة الساحل، وغيرها مما يمكن أن يحدث، المؤسسات الإعلامية الكبرى، ومنها الإخبارية السورية، وأيضاً ما يعرف ب”مؤثري” السوشيال ميديا.
وهنا النوايا الطيبة لا تكفي، فالواضح أن تناول الموضوع الطائفي والقومي والسياسي في سوريا، يتجاوز القراءات الانفعالية السطحية، خصوصاً مع طبيعة سوق الإعلام الذي يسير لينافق مشاعر الجماهير العاطفية، وأحيانا يتحداها، لجلب الشهرة وحتى المرابح المادية، ولذلك نرى أن حتى بعض من يحاول مجابهة التأجيج الطائفي، يقع أيضاً في فخ تسعير هذا التأجيج الطائفي.
أهل السويداء — كما كل السوريين — يستحقون قيادة مدنية واعية، لا تربط مصيرهم بوعود ترامب أو نتنياهو، ولا تبيعهم أوهام الاستقلال. كما يستحقون سلطة تحميهم، لا تستخدمهم ككبش فداء في سبيل ترسيخ سلطتها باستخدام مبدأ فرق تسد، ولا تتلاعب بحقوقهم كمواطنين وكبشر وكأهل للبلد السوري.
المخرج الوحيد هو الحوار الوطني الصادق، والعودة إلى العقل، ورفض خطاب الكراهية، والتمسك بوحدة سوريا كدولة لكل أبنائها. فالسويداء “مهجة القلب”، ولا يمكن أن تتحول إلى قلب ممزق.