رأي

“الدستوري” ثبات الموقف في مواجهة الاستبداد

حسام ميرو – الأمين العام للحزب

من بين كل القوى السياسية المعارضة لسلطة بشار الأسد، كان الحزب الدستوري السوري أول من اتخذ موقفاً معارضاً للسلطة الجديدة التي انبثقت من رحم “هيئة تحرير الشام”، في الوقت الذي تأنّى فيه الكثيرون ولا يزالون متأنّين في اتخاذ موقف معارض لهذه “السلطة”، ولم نتأخر عن توصيفها بأنها “سلطة أمر واقع”، كحال دأبنا لسنوات على توصيف سلطة بشار الأسد بأنها سلطة الأمر الواقع.

في الوقت الذي رمى فيه معظم الذين رفعوا راية الحريات والديمقراطية لسنوات طوال، وربما لعقود، تعود إلى بدايات السبعينيات من القرن الماضي، كلَّ أدبياتهم وخطاباتهم، ومعها جهود كثيرة، في أقرب حاوية من حاويات التاريخ، وتحولوا إلى مدّاحين لسلطة الأمر الواقع الجديدة، وفي أفضل الأحوال ناقدين خجولين لبعض سلوكياتها، أو صامتين، أو يسلكون سلوك المتذاكي الذي يمدح في مكان وينتقد في مكان، ليكسب شرف الولاء للسلطة ولا يخسر شرف المعارضة، في هذا الوقت، بقي الحزب ثابتاً في موقفه الرافض لإنشاء نسخة جديدة من الاستبداد، وهو ما كان واضحاً منذ أن عيّنت السلطة نفسها وصية أحادية على المرحلة الانتقالية.

مشكلة كثير من مؤيدي “السلطة” الحالية مع الحزب الدستوري أنهم لا يستطيعون النيل من عمله منذ التأسيس، وموقفه الثابت والصلب في النضال من أجل التغيير الديمقراطي، وإدانة كل جرائم وانتهاكات سلطة بشار الأسد، فلا يستطيعون اتهامه بأنه كان موالياً لسلطة بشار الأسد، أو أنه حزب ناشئ مستجد، تأسس من فلول النظام السابق، بعد أن شاع هذا المصطلح ليُستخدم في بعض الأحيان كسيف مسلط على رقاب كل من يعارض السلطة الحالية أو يدين انتهاكاتها.

منذ تأسيس الحزب، وخلال مسيرتنا، أشرنا في مناسبات عدة قبل هروب بشار الأسد إلى أن نضالنا ضد سلطته يستمد مشروعيته من وعينا بضرورة إسقاط نظام الاستبداد، وتأسيس نظام سياسي تعددي يقوم على الديمقراطية ومرجعية حقوق الإنسان، وصون كرامة الإنسان دستورياً وعملياً، وإنشاء نظام حكم يقوم على الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعدم السماح للسلطة التنفيذية بالتغول على السلطتين الأخريين.

لم نقف ضد سلطة بشار الأسد لأنه ينتمي إلى الطائفة العلوية، ولا نقف منذ مجيء السلطة الحالية ضدها لأن رئيسها وقوامها الصلب من المسلمين السنة، فلا يعنينا في الحزب الدستوري السوري دين أو مذهب رئيس الدولة، وإنما نحن معنيون بآليات بناء العقد الاجتماعي، وطبيعة نظام الحكم، ونظام انتخابات عصري ونزيه، وتنافس سلمي على السلطة، وحرية إعلام تتابع وتنقل الحقيقة للناس، وأدوات مساءلة ومحاسبة لأي انتهاك أو خرق مهما كان مرتكبه.

قطعاً لم نعمل خلال السنوات الماضية لاستبدال مستبد من طائفة معينة بمستبد من دين أو طائفة أخرى، وإنما ناضلنا، ويفترض أن يكون كل من عملوا وناضلوا تحت لواء الديمقراطية، ألا يكون هدفهم استبدال مستبد بآخر، وإنما إنهاء عصر الاستبداد السوري تحت أي مسمى كان، سياسياً أو دينياً أو عسكرياً أو هجيناً بين كل ما ذُكر.

مع كل انتهاك قامت به قوات سلطة الأمر الواقع التي كان يرأسها بشار الأسد، كنا حاضرين في الاستنكار والإدانة وتصويب الاتهام المباشر نحو مرتكب الفعل والمسؤول عنه، لأنه المسؤول من الناحية الرسمية ويقف في سلم ترتيب مسؤوليات القيادة، وكان هذا المبدأ حاضراً وثابتاً منذ اليوم الأول للمجازر التي ارتكبتها قوات “السلطة الجديدة” بحق العلويين في الساحل، أو في مجازرها بحق الدروز، ولم نتأخر في تسمية وإدانة الجهة المسؤولة (السلطة) وقياداتها السياسية والعسكرية، وفق ما تقتضيه نصوص الاتفاقيات الدولية (اتفاقيات جنيف – بروتوكول روما).

ربما كان خيار الحزب الدستوري السوري، في نظر كثيرين، خياراً انتحارياً من الناحية العملية، في الوقت الذي رأينا فيه أن أي حزب أو قوة سياسية تتخلى عن ثوابتها التي تأسست عليها للحصول على مكاسب بسيطة، وذلك إن وجدت، أو على أمل الحصول على شيء ما، هو سلوك انتحاري، فأن تتخلى عن تاريخك وهويتك وشخصيتك السياسية والحزبية فهذا هو الانتحار، بينما الحياة السياسية تعني المصداقية مع الذات ومع الآخرين الذين نزعم أننا نمثلهم سياسياً.

لقد قلناها بوضوح إنه من دون وجود وثيقة تنهي الحرب، فإن الحرب في سوريا لن تنتهي، وأن الوثيقة المرجوة هي التي ينتجها مؤتمر سوري وطني يضع تصوراً للمرحلة الانتقالية، لضمان الانتقال إلى الدولة الديمقراطية وإقامة العدالة الانتقالية. وقد أدنّا اغتيال سلطة الأمر الواقع الحالية لأنها اغتالت الفرصة التاريخية التي أتاحها سقوط سلطة الأسد لعقد مؤتمر وطني يمثل مختلف القوى السياسية والمدنية والأهلية، وجاءت طلقة الاغتيال عبر رصاصة ما سُمّي زوراً وبهتاناً بـ “مؤتمر الحوار الوطني”، الذي دام لأقل من ست ساعات، ونتجت عنه توصيات غير ملزمة، ومئات وربما آلاف الصور التي ستبقى حاضرة في ذاكرة العار السورية.

منذ أن بدأت السلطة الحالية تُظهر عسفها، شارك كوادر من حزبنا في أولى الوقفات الاحتجاجية، وقد واجهتها عناصر تابعة للسلطة بتمزيق اللافتات وبسياسة شارع ضد شارع، وقد استمرت مشاركة الحزب في عدد من الوقفات في العاصمة دمشق، في محاولة لممارسة السياسة بين الناس، بعد عقود من اضمحلال العمل السياسي المباشر، في محاولة منا، ليس لاستعراض الذات السياسية والحزبية، وإنما لوضع الحزب موضع الاختبار في قدرته على بناء علاقات سياسية مع فئات واسعة من السوريين.

في بداية هذا العام، أصدر الحزب العدد الأول من صحيفته “حدْس”، لقناعتنا في الحزب بضرورة بناء وعي مطابق للواقع من خلال جهد فكري وإعلامي، للنقاش والسجال مع المفاهيم السياسية والوقائع السورية في العالم والإقليم وانعكاساتها على مختلف الأوضاع في سوريا، وفتح ملفات عديدة اقتصادية ومؤسساتية واجتماعية، وتقديم مؤشرات منهجية حول عدد من القضايا الحيوية، وذلك لقناعتنا بأن قسماً لا بأس به من سوء الأوضاع السياسية يعود إلى بؤس الوعي السياسي ونقص المعرفة وغياب المنهج التحليلي لمصلحة حضور طاغٍ للتفكير الرغبوي.

الدستوري مستمر بعمله ونضال وإرادة كل كوادره، ولا حياد في الموقف المعارض للاستبداد، ولا انزياح عن ثوابتنا في النضال من أجل الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق