رأي

السلطة تبني سلطتها… لكنها لا تبني الدولة

علاء الخطيب

ليست الأزمة التي تواجهها سوريا اليوم مجرد سؤال يتعلق بمن يحكم دمشق، بل سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والدولة والمجتمع. فالدول لا تُقاس بعدد الوزارات، ولا بحجم الأجهزة الأمنية، ولا بعدد الموظفين في المؤسسات العامة، وإنما بقدرتها على بناء علاقة شرعية مع المجتمع تقوم على القانون، والثقة، والمواطنة، والمؤسسات.

في كتابه الشهير مجتمعات قوية ودول ضعيفة، يميز عالم الاجتماع السياسي جويل ميغدال بين الدولة بوصفها جهازاً إدارياً، والدولة بوصفها علاقة اجتماعية. فالدولة الحقيقية ليست مجرد سلطة قادرة على فرض قراراتها، بل منظومة مؤسسات وقواعد عامة تحظى بالقبول الاجتماعي، وتمارس سلطتها عبر القانون لا عبر الغلبة. وكلما ضعفت هذه العلاقة، اتسعت الهوة بين السلطة والمجتمع، مهما بدت الدولة قوية من الخارج.

هذه هي المعضلة التي تواجه سوريا اليوم. فعلى الرغم من انتهاء مرحلة سياسية استمرت أكثر من خمسة عقود، فإن السؤال الذي أنتج الثورة السورية ما يزال مطروحاً: هل يجري اليوم بناء الدولة، أم يجري فقط بناء سلطة جديدة؟

لقد شكّلت العلاقة بين السلطة والدولة في سوريا إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في تاريخها الحديث. فخلال عقود حكم الأسد، لم تُختزل الدولة في شخص الحاكم فحسب، بل جرى ربط استمرار الدولة نفسها باستمرار السلطة. وإذا كان لويس الرابع عشر قد اشتهر بمقولته: “أنا الدولة”، فإن التجربة السورية ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ أصبح بقاء الدولة والمجتمع معاً مشروطاً ببقاء النظام، وهو ما عبّر عنه الشعار الذي رافق سنوات الثورة: “الأسد أو نحرق البلد”.

بهذا المعنى، لم تعد الدولة إطاراً سيادياً مستقلاً، بل تحولت إلى امتداد للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية، وفقدت مؤسساتها استقلالها ووظيفتها الطبيعية. وغاب القانون باعتباره مرجعية عامة، لتحل محله اعتبارات الولاء والمحسوبية، وتحول المواطن من صاحب حقوق إلى فرد يخضع للوصاية.

ومن هنا، يصعب اختزال الثورة السورية في كونها ثورة لإسقاط رئيس أو تغيير حكومة. ففي جوهرها، كانت محاولة لاستعادة الدولة نفسها بعد أن جرى اختطافها، وإعادة بناء العلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة وسيادة القانون. ولذلك، فإن نجاح أي مرحلة انتقالية لا يقاس فقط بتغيير الأشخاص، بل بمدى قدرتها على إعادة الفصل بين السلطة والدولة، وإعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يربط المواطنين بمؤسساتهم.

واليوم، وبعد أشهر من إدارة السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، يبدو أن هذا السؤال ما يزال مفتوحاً. فبدلاً من أن تتجه الأولوية نحو بناء مؤسسات مستقلة وقادرة على إنتاج الثقة، ما تزال مؤشرات عديدة توحي بأن الجهد الأكبر ينصرف إلى تثبيت السلطة وإحكام السيطرة على أدواتها. وهنا تكمن الهوة الحقيقية، فالمشكلة ليست في وجود سلطة انتقالية، وإنما في أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى عملية إعادة إنتاج لعلاقة قديمة بين الحاكم والدولة، دون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

  • وتظهر هذه الهوة في أكثر من مستوى:

أولها، غياب عقد اجتماعي واضح يحدد طبيعة السلطة وحدودها، ويؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية بعيداً عن الانتماءات الأولية. فما يزال السوريون يفتقدون إلى رؤية دستورية وسياسية جامعة تحدد الحقوق والواجبات، وتضمن تداول السلطة، واستقلال القضاء، وخضوع الجميع للقانون.

وثانيها، ضعف المؤسسات العامة بوصفها مؤسسات للدولة لا مؤسسات للسلطة. فالدولة الحديثة لا تُبنى عبر تركيز القرار في يد السلطة التنفيذية، وإنما عبر مؤسسات مستقلة تمتلك قواعد عمل ثابتة تستمر بغض النظر عن الأشخاص الذين يتولون إدارتها. وكلما بقيت المؤسسات مرتبطة بالأفراد، بقيت الدولة نفسها رهينة لتبدل الحكام.

أما المستوى الثالث، فهو الاقتصاد. فالاقتصاد ليس مجرد ملف خدمي منفصل عن السياسة، بل أحد أهم تجليات العلاقة بين الدولة والمجتمع. فعندما تغيب الشفافية، وتضعف المؤسسات، ويتراجع حكم القانون، يتحول الاقتصاد تدريجياً إلى شبكة مصالح مغلقة، ويصبح الحصول على الفرص مرتبطاً بالقرب من مراكز النفوذ أكثر من ارتباطه بالكفاءة أو المنافسة العادلة. وفي ظل اقتصاد منهك، ينشغل المواطن بتأمين ضروريات الحياة، وتتراجع قدرته على المشاركة في الشأن العام، فيتسع الانفصال بين المجتمع والدولة.

ولا يقل عن ذلك أهمية استمرار أزمة الهوية الوطنية. فلقد تركت سنوات الاستبداد ثم الحرب السورية آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي، وأعادت إنتاج الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية. ولا يمكن بناء دولة مستقرة إذا ظل الاستثمار السياسي في الهويات الفرعية المتنافسة قائماً، بدلاً من صهرها في فضاء وطني جامع. فالدولة الحديثة لا تلغي التنوع، لكنها تمنع تحويله إلى أداة للصراع أو وسيلة لإدارة المجتمع.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مرحلة انتقالية هو الاعتقاد بأن بناء السلطة يساوي بناء الدولة. فالسلطة تستطيع أن تفرض الأمن، وأن تدير المؤسسات، وأن تصدر القرارات، لكنها وحدها لا تستطيع أن تنتج الشرعية. والشرعية لا تُفرض بالقوة، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن بأن الدولة تمثله، وتحمي حقوقه، وتعامله باعتباره شريكاً لا تابعاً.

ولهذا، فإن ردم الهوة بين السلطة والمجتمع يبدأ من إعادة بناء الدولة نفسها، عبر عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والعدالة الاقتصادية، والمشاركة المدنية الحقيقية. فهذه ليست مطالب سياسية فحسب، بل هي الشروط التي تجعل الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، لا امتداداً للسلطة القائمة أياً كانت.

إن السؤال الذي يواجه سوريا اليوم ليس من يحكم دمشق، بل كيف تُحكم سوريا. فقد أثبت التاريخ السوري أن تغيير الحكام، مهما كانت أهميته، لا يكفي لبناء دولة حديثة إذا بقيت العلاقة بين السلطة والدولة والمجتمع على حالها. وما لم تنجح المرحلة الانتقالية في استعادة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً للسوريين جميعاً، فإن الهوة التي صنعت أزمات الماضي ستظل قادرة على إنتاج أزمات جديدة، حتى وإن تبدلت الوجوه والعناوين، فردم هذه الهوة التاريخية لن يتم بقرار فوقي، بل برفض المجتمع لسياسات التشتيت، واستعادة دوره كطرف أصيل في صياغة الدولة الحديثة التي تحمي التنوع ولا تستثمر فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق