بيان إلى الرأي العام حول مفاوضات سلطة الأمر الواقع مع الاحتلال الإسرائيلي وحقوق سوريا السيادية
تابع الحزب الدستوري السوري (حدْس) بقلق بالغ لقاء أسعد الشيباني برئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، بعد توجيه الاحتلال ضربات جوية إلى مطار أبو الظهور، وتصريحات الشيباني التي أفادت بأن الاتفاق مع إسرائيل كان قد وصل إلى صيغة شبه منجزة على الورق، من دون الإفصاح عن فحواه، في وقت توسع فيه الاحتلال الإسرائيلي في بلادنا منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، مع وصول “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة، وفرض جيش الاحتلال بالقوة وقائع جديدة في جنوب البلاد.
إننا ندين تصوير سلطة الأمر الواقع في دمشق لمساعيها نحو “ترتيبات أمنية” أو “اتفاق سلام” على أنها خطوات تجري بين طرفين متساويين. فإسرائيل قوة احتلال تستغل لحظة الضعف والانهيار السوري لشرعنة وجودها وتثبيت توسعها وفرض وقائع أمنية استراتيجية، مستفيدة من افتقار السلطة القائمة في دمشق إلى الشرعية الشعبية والدستورية، ومن سعيها إلى تثبيت وجودها والحصول على الاعتراف الخارجي.
لقد احتلت إسرائيل الجولان السوري عام 1967، وأعلنت ضمه من جانب واحد عام 1981، ثم استغلت انهيار النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024 لتوسيع احتلالها والسيطرة على مواقع وأراضٍ سورية جديدة، وفرض وجود عسكري داخل المنطقة العازلة وخارجها، بالتوازي مع اعتداءات جوية وبرية متكررة على الأراضي السورية.
وعليه، فإننا نهيب بكل السوريات والسوريين تثبيت نقطة بداية واضحة لأي موقف وطني تجاه ما يجري: إسرائيل قوة احتلال في سوريا، وما استولت عليه بالقوة لا ينشئ لها حقاً، ولا تستطيع أي سلطة سورية أن تمنح الاحتلال شرعية يفتقدها.
ويرفض حزبنا رفضاً قاطعاً أي تفاوض تكون نتيجته تثبيت الاحتلال الإسرائيلي، أو إنشاء مناطق أمنية خاضعة للهيمنة الإسرائيلية داخل سوريا، أو منح إسرائيل حق التدخل العسكري في الأراضي السورية، أو فرض قيود دائمة على سيادة الدولة السورية في الجنوب.
وفي المقابل، فإن السلطة القائمة في دمشق هي سلطة أمر واقع غير منتخبة، لم تحصل على تفويض من السوريين، ولم تنبثق عن عقد دستوري أو مؤسسات تمثيلية شرعية، وهي نفسها تصف المرحلة التي تديرها بأنها انتقالية. ولذلك لا تملك تفويضاً بالتنازل عن أرض سورية، أو الاعتراف بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسيادة إسرائيل أو هيمنتها على أراضٍ احتلتها، أو منح الاحتلال حقوقاً عسكرية وأمنية دائمة داخل سوريا.
إن قضية الجولان السوري المحتل لا تبدأ من الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024. فقد ظل الموقف السوري، طوال عقود وعلى اختلاف الحكومات والظروف، رافضاً لأي تسوية نهائية تتنازل عن الجولان. ولا يجوز لسلطة انتقالية تفتقر إلى التفويض الشعبي أن تتراجع عن حق وطني تمسكت به الدولة السورية منذ احتلال الجولان عام 1967.
كما أن للشعب السوري، شأنه شأن كل شعب تقع أرضه تحت الاحتلال، الحق في مقاومة الاحتلال والعمل على إنهائه واستعادة أرضه وفقاً للقانون الدولي. ومقاومة الاحتلال ليست منحة من سلطة سياسية، ولا حقاً قابلاً للتصرف فيه باتفاق أمني، بل حق أصيل للشعب لا تستطيع سلطة أمر واقع إسقاطه أو ترتيب التزامات تحول دون ممارسته مستقبلاً.
إن التمسك بهذا الحق لا يعني الدعوة إلى زج السوريين اليوم في حرب جديدة، أو تجاهل حجم الدمار والإنهاك الذي أصاب البلاد والاختلال الهائل في موازين القوى. لكن هناك فارقاً جوهرياً بين عدم القدرة على ممارسة حق في لحظة تاريخية محددة وبين التنازل عنه.
قد لا تسمح موازين القوى اليوم للسوريين باستعادة أرضهم المحتلة، لكن سلطة الأمر الواقع لا تملك، تحت ذريعة هذا الضعف، أن توقع باسمهم على إسقاط حقهم في استعادتها مستقبلاً، فالحقوق الوطنية لا تقاس بموازين القوى في لحظة واحدة. فالحكومات تتغير، والأنظمة تسقط، وموازين القوى الدولية والإقليمية تتبدل، بينما الأرض والحقوق السيادية ملك للشعب وليست ملكاً للسلطة التي تتولى الحكم في مرحلة ما.
ومن هذا المنطلق، نرفض وضع السوريين أمام ثنائية زائفة: إما القبول بالشروط الإسرائيلية وإما الحرب. فلا يحق لإسرائيل أن تجعل احتلالها ثمناً للأمن، ولا يحق لسلطة الأمر الواقع أن تجعل الخوف من الحرب مبرراً للتنازل.
إن العودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974 يمكن أن تشكل إجراءً مؤقتاً لإعادة القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت عليها قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 ومنع التصعيد، لكنها لا تمثل حلاً لقضية الاحتلال الأصلية، ولا تلغي حقيقة أن الجولان أرض سورية محتلة، لذلك نرفض تحويل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى نقطة الصفر في النزاع السوري الإسرائيلي: الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد ذلك التاريخ ضرورة فورية، وإنهاء احتلال الجولان حق وطني سوري لا يسقط ولا يجوز التنازل عنه.
وانطلاقاً من ذلك، يؤكد الحزب الدستوري السوري المبادئ الآتية:
1- الجولان أرض سورية محتلة، وإنهاء احتلاله واستعادته حق ثابت للشعب السوري.
2- كل أرض سورية احتلتها إسرائيل بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 يجب أن تعود إلى السيادة السورية.
3- لا شرعية لأي ضم أو منطقة نفوذ أو هيمنة إسرائيلية داخل الأراضي السورية.
4- لا تملك سلطة الأمر الواقع تفويضاً بالتنازل عن الأرض أو الحقوق السيادية، ولا يملك تقرير أي تسوية نهائية تمس الأرض والسيادة إلا دولة سورية حرة ذات نظام دستوري منتخب ومؤسسات تمثل إرادة السوريين.
5- حق الشعب السوري في مقاومة الاحتلال والعمل على إنهائه واستعادة أرضه حق لا تستطيع سلطة انتقالية إلغاءه أو التنازل عنه.
6- أي اتفاق نهائي يمس الأرض أو الحدود أو حقوق سوريا السيادية ويصدر عن سلطة غير منتخبة لا نعدّه ملزماً للشعب السوري، ولا منشئاً لشرعية للاحتلال.
إننا نرفض أن تتحول لحظة الضعف السوري إلى فرصة لإعادة رسم حدود السيادة بالقوة، أو أن تتحول حاجة السوريين إلى الأمن والاستقرار إلى ذريعة لانتزاع حقوقهم الوطنية.
سوريا ليست ملكاً للسلطة القائمة، والجولان ليس ملكاً لها، والأرض التي تحتلها إسرائيل ليست ورقة تفاوض تملك التصرف بها.
الأثنين 24 أغسطس/ آب 2026