ثقافة

عبد العزيز الخيّر في الذكرى الرابعة عشرة لتغييبه: السياسة التي أرادت الديكتاتورية محوها

(حدْس) ـ هيئة التحرير:

في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي، يكون قد مضى أربعة عشر عاماً على تغييب السياسي والمناضل عبد العزيز الخيّر من قبل الأجهزة الأمنية للسلطة المنهارة، فبعد وصوله إلى مطار دمشق عائداً من زيارة إلى الصين، اختفى الخيّر مع رفيقيه إياس عياش وماهر الطحان، ليبقى الخيّر مغيّباً، لا يُعرف مصيره، حتى بعد انهيار سلطة بشار الأسد، أسوةً بعشرات الآلاف من المغيّبين قسراً الذين لم يُعرف مصيرهم حتى الآن، في تمييع واضح وممنهج لهذا الملف من قبل سلطة الأمر الواقع في دمشق.

لم يكن عبد العزيز الخيّر مناضلاً شيوعياً ويسارياً وحسب، وإنما مناضلاً وطنياً وسياسياً من طراز رفيع، من القلائل الذين بقي رأسهم فوق أكتافهم في ذروة الشعبوية التي اجتاحت المعارضة السورية بعد انتفاضة مارس/ آذار 2011، في رفضه المطلق لأي تطييف أو عسكرة للصراع الوطني السوري، وفي انحياز لخيار العقلانية السياسية لحلّ أزمة انسداد الأفق الوطني.

وفي الوقت الذي كانت فيه شخصيات معارضة على شاشات التلفزيون مسوّقةً لخيارات العسكرة، ومشحونةً في حالات عديدة بخطاب طائفي واستنجاد بالقوى الخارجية، بقي عبد العزيز الخيّر ممثلاً لصوت هادئ وعميق ومتزن، يستند إلى تجربة طويلة في العمل السياسي ومعرفة بالتجارب التاريخية للشعوب، رافضاً لأي استنجاد بقوى خارجية، مهما بدا خطابها الظاهري منحازاً للشعب السوري و«ثورته»، فالخيّر يعلم تماماً المعادلة: ما تقدمه لك الدول باليمين تأخذه منك عشرات وربما مئات الأضعاف باليسار، فهي ليست جمعيات خيرية، وأي تطييف أو عسكرة لانتفاضة شعبية يعني بداية انقسام وخراب كبيرين.

في سيرة عبد العزيز الخيّر، يمكن قراءة جانب من التاريخ السوري الذي حاول الاستبداد إبعاده عن الذاكرة العامة: تاريخ السوريين الذين أرادوا أن يكون لهم رأي وتنظيم وصوت، وأن يشاركوا في تقرير مستقبل بلادهم. فخلف الصورة التي صنعتها السلطة عن مجتمع يلتف حول قائد، كانت هناك حياة سياسية تُلاحَق، وأفكار تُمنع، وأشخاص يدفعون سنوات من أعمارهم لقاء تمسكهم بحقهم في الاختلاف. ينتمي الخيّر إلى هذا التاريخ، إلى محاولة إبقاء السياسة شأناً مجتمعياً في بلد عملت أجهزة الأمن على تحويله إلى مجال مغلق.

تكتسب استعادة الخيّر اليوم معناها من هذا السؤال: ما الذي خسرته سوريا حين طورد أصحاب المشاريع السياسية المستقلة، وسُجنوا، وغُيّبوا؟ إن محو السياسة يبدأ بإبعاد الناس عن المجال العام، لكنه يمتد إلى حرمان الأجيال اللاحقة من معرفة التجارب التي سبقتها. وحين تُستعاد تجربة الخيّر، يعود إلى المشهد شيء من تاريخ النضال من أجل الحرية والعدالة، ومن الجهد الذي بذله سوريون لبناء علاقة أخرى بين الإنسان والسلطة.

ولد عبد العزيز الخيّر في القرداحة عام 1951، ودرس الطب، واتخذ من العمل السياسي مساراً امتد عبر عقود. برز في حزب العمل الشيوعي، وانتُخب عضواً في لجنته المركزية ومكتبه السياسي عام 1981. كما تولّى رئاسة تحرير «النداء الشعبي»، وشارك في تحرير «الراية الحمراء» ومجلة «الشيوعي».

أتاح انتماؤه إلى اليسار وضع قضايا الاستغلال والفقر والتفاوت الاجتماعي في صلب اهتمامه السياسي. ويمكن قراءة مساره بوصفه سعياً إلى وصل هذه القضايا بمسألة الحرية، فالمجتمع الذي يُحرم من التنظيم والمحاسبة لا يملك الأدوات اللازمة للدفاع عن مصالحه، والناس الذين لا يستطيعون الاعتراض على قرارات السلطة يصبحون أكثر تعرضاً لتحمل أعبائها. ومن هنا تستمد تجربته راهنيتها، إذ تضع أمامنا سؤال العلاقة بين العدالة الاجتماعية والقدرة الفعلية للمواطنين على المشاركة في السياسة.

اعتُقل الخيّر في شباط 1992، واستمر سجنه حتى الإفراج عنه عام 2005. أكثر من ثلاثة عشر عاماً انتُزعت من حياة إنسان، ومن أسرته وعمله وعلاقاته. وفي حساب المجتمع، كانت تلك السنوات خسارة لطبيب ومناضل وصاحب خبرة، مثلما كان اعتقال رفاقه خسارة لشبكات من المعرفة والتعاون كان يمكن أن تسهم في بناء البلاد.

لكن السجن يكشف في سيرته عن وجه آخر للالتزام، فقد كان الخيّر يستجيب لنداءات إسعاف المرضى ليلاً وعند الفجر، واستطاع تحويل إحدى الزنازين إلى عيادة، بمساعدة رفاقه وبإمكانات محدودة. ومن هذه الزاوية، تتصل مهنة الطبيب بموقف المناضل. كلاهما يبدأ من الإحساس بأن معاناة الآخرين تستوجب فعلاً، وأن امتلاك المعرفة يحمّل صاحبها مسؤولية. وفي السجن، حيث تضيق خيارات المعتقل إلى أقصى الحدود، تصبح العناية بزميل وسيلة لحماية ما تبقى من الحياة المشتركة. وتتيح لنا هذه التفاصيل رؤية الخيّر إنساناً يمارس التزامه في اليومي، ويمنح الآخرين من جهده في ظروف تستنزف الجسد والقدرة على الاحتمال.

عقب خروجه، عاد إلى النشاط السياسي، وشارك في إعلان دمشق، ثم في تجمع اليسار الماركسي. ومع انطلاق الثورة عام 2011، أسهم في تأسيس هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وتولّى مسؤولية مكتب الشؤون الخارجية فيها.

تسمح قراءة هذا المسار بإضاءة معنى التنظيم السياسي نفسه. فالتغيير يحتاج إلى أشخاص قادرين على بناء الصلات، وصوغ المواقف، والعمل مع المختلفين، وتحمل مسؤولية خياراتهم أمام المجتمع. وحين تُستنزف هذه القدرات بالملاحقة والسجن، يفقد البلد جزءاً من إمكاناته في إدارة خلافاته سلمياً. لقد عمل الاستبداد على إضعاف الوسائط التي يستطيع الناس من خلالها التعبير عن مصالحهم، فصار الاجتماع السياسي المستقل تحدياً لسلطة تريد مخاطبة أفراد معزولين، يسهل إخضاع كل واحد منهم على حدة.

في 20 أيلول 2012، انقطع هذا المسار العلني باعتقاله مع إياس عياش وماهر طحان، عقب عودته من زيارة إلى الصين. (توثق منظمة العفو الدولية اعتقال الخيّر عند نقطة تفتيش للمخابرات الجوية، وتذكر أن السلطات نفت احتجازه ونسبت اختفاءه إلى جماعة إرهابية). ومع التغييب القسري، يمتد العقاب إلى العائلة التي تُترك أمام انتظار مفتوح، وإلى المجتمع الذي يُحرم حتى من معرفة ما جرى لأحد أبنائه.

لهذا لا يجوز أن تتحول استعادة الخيّر إلى كتابة تغلق سيرته على مصير لم يُكشف. إن حقه وحق رفيقيه في معرفة الحقيقة، وحق عائلاتهم في الإجابة، يظلان جزءاً من المعنى السياسي والأخلاقي لهذه الاستعادة. فالعدالة تبدأ أيضاً من رفض أن يملك جهاز أمني سلطة إخفاء إنسان ثم إنكار وجوده، ومن الإصرار على أن حياة المواطن ومسؤولية الدولة تجاهه لا تسقطان بالصمت أو بتقادم السنوات.

تجد تجربة الخيّر مكانها في «ذاكرة المستقبل» لأنها تحمل الكثير مما تحتاج إليه سوريا: حياة سياسية يستطيع الناس المشاركة فيها، وتنظيمات تدافع عن مصالحهم، وحرية تتيح لهم الاعتراض والمحاسبة. ومن الوفاء له أن تعرف الأجيال الجديدة تجربته وتجارب رفاقه، وأن تدرك أن النضال من أجل هذه الحقوق له تاريخ في بلادها، وأن كثيرين دفعوا من أعمارهم ثمن التمسك بها.

حاولت الديكتاتورية، باعتقال الخيّر وتغييبه، أن تمحو صوته ودوره، كما فعلت مع آلاف السوريين. لكن سيرته تظل جزءاً من تاريخ البلاد، بما فيها من عمل سياسي وكتابة ورعاية للناس وإصرار على مواصلة النضال. وحفظ هذا التاريخ مسؤولية تجاه الذين حُرموا من حريتهم، وتجاه أجيال تحتاج إلى معرفة ما جرى كي تستطيع بناء مستقبل مختلف. أما عبد العزيز الخيّر، فيبقى اسمه حاضراً، ويبقى السؤال عن مصيره قائماً، إلى أن تظهر الحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق