محاولة في تفكيك “فكرة الجوع” في رواية القرن التّاسع عشر الرّوسية

محمّد حلّاق الجرف
مقدمة
يمكن القول، وبثقة كبيرة، بأنّ الرّواية الروسية تبلورت وبلغت ذروتها في القرن التّاسع عشر، فقبل ذلك، وفي الثّامن عشر، كان الأدب الرّوسي يميل أساساً إلى الشّعر والمسرح، فيما لم تكن الرّواية الرّوسية موجودة تقريباً، وكان هذا الجنس الأدبي مجرّد محاكاة لما يُنتج في باقي أصقاع أوروبا.
مع القرن التّاسع عشر وُلد العصر الذّهبي للرّواية الرّوسية، ففي هذا القرن عاشت هذه القارّة الباردة حقبةً من التّغيرات السّياسية والاجتماعية العنيفة التي عصفت بها. فقد كان المجتمع الرّوسي يعيش تحت وطأة الإقطاع والعبودية، وعانى الرّوس من موجاتٍ متكرّرة من المجاعة، كان أقساها مجاعة العام 1891، في ظلّ هذه الأوضاع المأساوية وُلدت الرّواية الرّوسية الكبرى على يد أدباء عظام كنيقولاي غوغول (1809-1852)، وإيفان تورغينيف (1818-1883)، وفيودور ديستوفسكي (1821-1881)، وليون تولستوي (1828-1910).
لم يكن “الجوع” مجرّد تيمة أو موضوع أو فكرة عابرة في أدب القرن التّاسع عشر في روسيا، بل كان بطلاً خفيّاً – محورياً في المشهد الرّوائي يعكس صراع الطبقات، وكذلك التناقضات النّظرية والفكرية، والأهمّ أنّ “الجوع” تمّ تقديمه في الرّواية الرّوسية على شكل اختبار وجودي حادّ وضع الكرامة الإنسانية على المحك.
في هذه المقال لن نكتفي باستعراض “فكرة الجوع” فقط، بل سنحاول مقاربتها نقدياً عبر قراءتها كحركية ثنائيات ضدّية بين أطراف حدّية كـ “الحضور، والعقل، والحرّية” في مقابل “الغياب، والجسد، والعبودية” ممّا سيكشف لنا بأنّ الجوع هو العلامة الأبرز على هشاشة الذّات وعدم اكتمالها في مواجهة مركزية اللوغوس Logocentrisme. فـ “الجوع” في رأينا هو التجربة التي تتجاوز الحدود حتّى بين الإنسان والحيوان، وهي العامل الأبرز في تفكيك الهرمية الوهمية التي تضع الإنسان فوق باقي الكائنات الحيّة.
-I-
لا يتوقّف الجوع عند حدوده المادّية في أدب فيودور دوستويفسكي، بل يتحوّل إلى كابوسٍ دائمٍ يعمل على انهيار البناء النّفسي والفكري للشّخصيات، هذا الانهيار يُعيد تفكيك مركزية اللوغوس Logocentrisme ليكشف هشاشتها وضعفها تجاه كلّ ما هو خارجٌ عنها. هذا الجوع هو أثرٌ للهذيان، ومولّدٌ للتمرّد.
ففي رواية الجريمة والعقاب (1866) يعيش البطل “روديون راسكولنيكوف” في غرفة ضيقة جداً أشبه ما تكون بالتّابوت، طالبٌ جامعيّ لا يستطيع تأمين مصاريف دراسته ممّا يضطره لترك دراسته، أو بالأخرى إهمالها. وصلت به الفاقة إلى درجة لا يستطيع بها تأمين قوته اليومي. يربط دوستويفسكي ببراعة بين الجوع وبين العجز والشعور بالمهانة. الأمر الذي يدفع بطله راسكولنيكوف إلى الهذيان واختراع فكرة “الرّجال الخارقين” التي سيبرّر بها ارتكابه لجريمة القتل. يصف دوستويفسكي حالة بطله قبل جريمة القتل كشابّ بلغ به الفقر حدّاً جعله يأنف حتّى من تناول الطعام، إذ أنّ راسكولنيكوف كان يعيش في جحره كالمعتزل، يستلقي لليالٍ كاملة يفكر في نظريته تلك، والجوع يعصر أحشاءه، وهذيان الفكرة يلتهم عقله.
يعمل الجوع هنا عمله كـ “أثر”، فهو يشحذ عقل راسكولنيكوف بوعيٍ حادّ (كان راسكولنيكوف يعتبر نفسه مثقّفاً)، ولكنّه في نفس الوقت يُتلف جسده ويُسمّم تفكيره لينحو به نحو الهذيان والسّقوط الأخلاقي.
نقطة انطلاق الرّواية الأساسية كانت لقاء راسكولنيكوف بالموظّف المتقاعد “مارميلادوف” في حانة وضيعة من حانات بطرسبورغ، إذْ يُلقي هذا الموظّف خطبةً طويلة يفرّق فيها بين مفهومي الفقر، والبؤس. فالإنسانُ الفقير قد يستطيع حفظ كرامته واحترامه بين أفراد المجتمع، بينما الإنسان البائس هو إنسانٌ بلا كرامة، إنسانٌ منبوذٌ من مجتمعه:
“الفقر ليس خطيئة، هذه حقيقة، ولكن البؤس خطيئة، نعم! في الفقر تستطيع أن تحتفظ بنبل عواطفك الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك أحدٌ قطّ، وفي البؤس يُطرد الإنسان لا بالعصا، بل يُكنس بالمكنسة من مجتمع البشر!”.
هذا البؤس هو ما دفع “سونيا مارميلادوف” للعمل في الدّعارة من أجل تأمين الخبز، فقط تأمين الخبز، لإخوتها الصّغار. وهنا يطرح دوستويفسكي عبر سيرة آل مارميلادوف معنى الفضيلة والنّقاء الأخلاقي من خلال سرده لهزيمة الأخلاق “التّقليدية” في معركة الأمعاء الخاوية.
في رواية الإخوة كارامازوف (1880) تصل معالجة دوستويفسكي إلى ذروتها عبر قصّة “المفتّش الكبير” التي يتلوها إيفان فيودروفيتش كارامازوف، يُبرز دوستويفسكي من خلال المواجهة بين “المفتّش الكبير” والمسيح الصّراع بين مفهومين متناقضين للحرّية، حرّية الأرض، وحرّية السماء عندما يواجه المفتّش المسيح بحقيقة صريحة مفادها أنّ البشرية على استعداد لبيع حرّيتها وإيمانها الرّوحي مقابل الشّبع:
“أطعمهم أوّلاً، ثمّ طالبهم بالفضيلة! إنهم سيزحفون تحت أقدامنا ويصرخون: استعبدونا، ولكن أطعمونا! وسيفهمون في النّهاية أنّ الحرّية وخبز الأرض الكافي للجميع أمران لا يجتمعان”.
الحرّية والاحتياجات الرّوحية تُرجآن باستمرار أمام متطلّبات ومعاناة الجوع المادّي. فالجوع في روايات دوستويفسكي ليس مجرّد حالة مؤقّتة تنتهي عند الشّبع، إنّه حركة دائرية مستمرّة، فكلّ وجبة هي تأجيل لجوعٍ قادم. وهكذا تكشف “الإخوة كارامازوف” هشاشة مفهوم الحرية حين يصطدم الإنسان بحاجاته البيولوجية، وتضع الحّرية في مواجهة السؤال الأكثر بدائية: ماذا يبقى من استقلال الإنسان حين يصبح الخبز شرطاً لبقائه؟
-II-
لا نجد عند ليون تولستوي هذا الضجيج النّفسي الكبير الذي وجدناه عند دوستويفسكي. فتولستوي اعتبر أنّ “الجوع” جريمة أخلاقية يرتكبها الأرستقراطيون بحقّ الفلّاحين الأمر الذي اقتضى منه اتخاذ موقفٍ أخلاقي حازم من زيف طبقة النبلاء الرّوس. ارستقراطيو روسيا ونبلاؤها الذين يعيشون التّرف في صالوناتهم في تناقضٍ صارخ مع بؤس الفلّاحين الذين يعملون في أراضي الإقطاعيين دون أن ينالوا قوت يومهم.
يصور تولستوي الجوع كجريمة أخلاقية ترتكبها الطبقة الأرستقراطية بحق الفلاحين. يظهر ترف الصالونات الروسية في تضاد صارخ مع بؤس الفلاح الذي يعمل بالأرض ولا يجد قوته. يكتب تولستوي في مقاله الشهير “عن المجاعة” (1891):
“إنّ النّاس لا يجوعون لأنّ المحاصيل لمْ تنبت فحسب، بلْ لأنّهم مجرّدون من الوسائل التي تمكنّهم من أكل الخبز الذي ينتجونه بأيديهم، نحن نأكل الكعك ونفكّر في معضلات الرّوح، بينما هم يخلطون لحاء الشّجر بالدقيق كي لا يموت أبناؤهم ألماً”.
هكذا يُفكّك تولستوي الثّنائية الضّدية بين (المركز والهامش) أو (السّيد والعبد)، فالطبقة الحاكمة التي تظنّ أنّها تمثّل “مركز” الثّقافة والحضارة، تعتمد في أصل وجودها حقيقةً على الفلّاح البائس، المهمّش والجائع.
من المعروف أنّ تولستوي لم يكتف ِ بالتّنظير الأدبي بل انخرط عمليًّا في مواجهة مجاعة عام 1891 وشارك مع أخرين في تأسيس شبكة مطابخ إغاثية أطعمت عشرات الآلاف، وتنقّل بين القرى المتضرّرة والمناطق المنكوبة متّخذًا من الجوع قضية حياتية جعلته ينغمس في العمل المباشر في مواجهة الكنيسة والحكومة القيصرية. لم يكن “الجوع” بالنّسبة إلى تولستوي مسألةً فردية، بل تجاوز ذلك ليصبح قضيةً أخلاقية تفرض على الذّات مسؤوليةً غير مشروطة تجاه الآخر، ولهذا فإنّ موقفه من الجوع لم يتوقّف عند وصف المأساة، بل انتقل إلى من الكتابة إلى الفعل، لأنّ الجسد الجائع لا يحتاج إلى تفسيرٍ فلسفي، أو إلى روايةٍ، بقدر ما يحتاج إلى الخبز.
الفارق الأبرز بين تولستوي ودوستويفسكي في مسألة “الجوع” هو أنّ دوستويفسكي استخدم الجوع للكشف عن هشاشة الذّات وانهيارها الدّاخلي، بينما استخدمه تولستوي للكشف عن هشاشة بُنى النّظام الاجتماعي الذي يسمح بتجاور الشّبع والجوع. عند دوستويفسكي يهتزّ مركز الذّات، بينما عند تولستوي يهتزّ مركز الطّبقة.
-III-
في مقابل التّصوير التّراجيدي لمأساة الجوع التي استخدمها دوستويفسكي وتولستوي عمد نيكولاي غوغول إلى استخدام السّخرية لتعرية قسوة الجوع في المجتمع الرّوسي وتفكيك ادعاءات السّلطة، ففي رواية المعطف (1842) يضطر الموظّف البسيط السّيد “أكاكي أكاكيفتش” إلى تجويع نفسه وعيش الحرمان لأشهر طويلة وذلك فقط ليدخر ثمن معطفٍ جديد يحفظ ما تبقى من كرامته فضلًا عن وقايته من برد بطرسبورغ القارس:
“تعوّد أن يحرم نفسه حتّى من الشّاي في المساء، وألاّ يوقد شمعة. وإذا كان لا بد من العمل، ذهب إلى غرفة القنديل. لقد جاع جسده كلياً، لكنّه كان يتغذّى روحيّاً على فكرة المعطف القادم”.
يبدأُ الأمر من حاجة مادّية بسيطة: معطفٌ جديد. لكنّ غوغول سرعان ما يحوّل هذه الحاجة إلى مركز تدور حوله حياة أكاكي بأكملها. فالشّخصية تتنازل عن الشّاي، وتقتّر في استعمال الشّموع، وتقتصد حتّى في خطواتها أثناء المشي في الشّارع كي لا تُبلى أحذيتها سريعاً. الجسد هنا يتحمّل الحرمان من أجل شيء لا يبدو، في ظاهره، ضرورياً للبقاء. لكنّ المعطف عند غوغول سرعان ما يتحوّل من قطعة ملابس إلى وعدٍ بحياة أخرى أكثر جمالاً واحتراماً.
وهنا تكمن المفارقة، أكاكي يجوع لكي يحصل على شيء سيغذّي ذاته رمزياً.
فالمعطف أضحى رمزاً لا يمنحه الدّفء فقط، وإنمّا يمنحه، ولو مؤقتاً، إحساساً بالوجود والأهم: يمنحه الاعتراف، اعتراف الآخرين به. وحين يظهر به أمام زملائه، سيتحوّل الموظّف الذي كان شبه غير مرئي إلى موضوعٍ للانتباه والتّهنئة. لقد انتقل من هامش الجماعة إلى مركز اهتمامها، ولو للحظات، بفضل معطفه الجديد.
هنا يفكك غوغول الحدّ الفاصل بين “الجسدي” و”الرمزي”. فالجوع الحسي يتداخل مع الحاجة إلى الاعتراف والكرامة، ويصبح الجسد مستعداً لتحمّل الحرمان من أجل الحصول على رمز اجتماعي يُعيد إليه شيئاً من إنسانيته.
لكن المأساة تكشف أيضاً هشاشة هذا الاعتراف. فالمعطف الذي منح أكاكي لحظةً من الحضور الاجتماعي يُنتزع منه بسرعة، كما تُنتزع منه حياته نفسها. وحين يعود إلى غيابه السابق، يكون قد اكتشف أنّ ما ظنّه خلاصاً لم يكن إلاّ اعترافاً مؤقتاً تمنحه السّلطة الاجتماعية وتسلبه في اللحظة نفسها.
وهكذا لا تعود الفاقة عند غوغول مجرّد نقصٍ في الطعام، بل تُصبح نقصاً في الحضور أيضاً: حضور الجسد في العالم، وحضور الفرد في أعين الآخرين. ومن هنا يتصل “الجوع” مباشرة بثنائية الحضور والغياب التي انطلقنا منها في بداية هذا المقال.
-IV-
إذن، كان الجوع في الرّواية الرّوسية خلال القرن التّاسع عشر أكثر من مجرّد موضوع فرعي، أو مجرّد ألمٌ في يزول بالوجبة القادمة، بل كان مرآة صقيلة لروح الأمّة الرّوسية وهي تتخبّط بين العبودية والحرّية، وبين الإيمان بالوجود والعدمية.
وعند تفكيك الجوع يتضّح أنّه يعمل كقوة تفكيكية بالغة التّأثير: فهو يقلب الهرميات الاجتماعية، ويفكّك وهم “الذّات المستقلة المكتفية”، ويكشف عن “الأثر” غير المنتهي للاحتياج الإنساني.
فقد رأينا أنّ الجوع يكشف عند دوستويفسكي هشاشة الذّات والعقل أمام الجسد. وعند تولستوي، يكشف أنّ المركز الاجتماعي لا يستطيع الاستغناء عن الهامش الذي يقوم عليه. أمّا عند غوغول، يكشف الجوع أنّ الجسد قد يتحمّل الحرمان من أجل الحصول على الاعتراف الرّمزي.
وهنا، ربّما، تكمن المفارقة الأساسية التي تجعل “الجوع” مفهوماً أدبياً وفلسفياً في آنٍ واحد، فالإنسان الذي يتصوّر نفسه ذاتاً عاقلة، مكتفية، قادرة على تنظيم وجودها بواسطة العقل، يكتشف فجأة أنّ هناك شيئاً أقدم من العقل وأشدّ إلحاحاً منه: الجسد.
الجوع هو اللحظة التي يتراجع فيها اللوغوس أمام الجسد، لا لكي يختفي تماماً، وإنّما لكي ينكشف حدّه. فالعقل يستطيع أنْ يؤجّل الرّغبة، وأنْ يصنع القوانين والأخلاق والنّظريات، لكنّه لا يستطيع أن يلغي حقيقة أنّ الإنسان كائنٌ يحتاج أساساً إلى الطّعام. ومن هنا يصبح الجوع تجربةً تكشف هشاشة مركزية اللوغوس نفسها، لأنّه يُنبّه الذّات بأنّها ليست حضوراً خالصاً، ولا عقلاً مكتفياً بذاته، وإنّما هي جسدٌ مفتوحٌ على الحاجة، وعلى الآخر.
ولعلّ هذا هو ما يجعل من “الجوع” إشكاليةً تتجاوز الحدود حتّى بين الإنسان والحيوان. فكلاهما يخضع، في لحظة الجوع، لحقيقة الجسد الأولى ألا وهي حقيقة الحاجة إلى البقاء. لكنّ الأدب الروسي لم يكتفِ بإعادة الإنسان إلى هذه الحقيقة البيولوجية، بل يحوّلها إلى سؤال أخلاقي وفلسفي: ماذا يحدث للكرامة حين يجوع الإنسان؟ وماذا يحدث للعقل حين يكتشف أنّه لا يستطيع أن يعيش مستقلًا عن الجسد؟
إن ما يمنح هذه محاولتنا هذه راهنيتها هو أنّ سؤال “الجوع” الذي واجهته الكتابة الرّوسية يعود اليوم بإلحاحٍ في الواقع السّوري، حيث تتداخل الحاجة إلى الخبز مع آثار الحرب والنّزوح وفقدان العمل، ومع سؤال الكرامة في حياةٍ يضيق فيها هامش الاختيار. فالإنسان الذي ينشغل بتأمين وجبته القادمة لا يفقد حاجته إلى الحرّية والاعتراف، لكنّه يجد نفسه أمام شروطٍ تجعل الدفاع عنهما أكثر كلفةً. وهنا تستعيد ثنائيات الجسد والعقل، والحرّية والعبودية، والحضور والغياب، توتّرها داخل تفاصيل الحياة اليومية: أيّ معنى لحرّيةٍ لا يستطيع صاحبها تأمين شروط بقائه؟ وأيّ قيمةٍ لاعترافٍ بإنسانية المواطن إذا ظلّ جسده متروكاً للفاقة؟ إنّ استحضار دوستويفسكي وتولستوي وغوغول في هذا السياق يتيح قراءة الجوع بما يتجاوز نقص الطّعام، بوصفه علاقةً تمسّ قدرة الإنسان على الكلام والاعتراض، وعلى الظهور في المجتمع صاحبَ حقٍّ وإرادة. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن الجائع السّوري سؤالاً عن موقعه داخل العالم الذي يعيش فيه: كيف يُرى؟ ومن يتكلّم باسمه؟ وهل يُسمع صوته حين يصف حاجته؟
وفي هذا الواقع، تكتسب الكتابة مسؤوليتها من الطريقة التي تمنح بها الجوع لغةً، وتعيد بها وصل معاناة الجسد بالشّروط التي تنتجها وتطيل أمدها. فثمة خطرٌ في أن يتحوّل الجائع إلى مشهدٍ مألوف، وفي أن تستقرّ صور الحرمان داخل خطابٍ يستدرّ الشّفقة ويترك علاقات القوّة والتوزيع والمساءلة خارج النّظر. ولعلّ الدّرس الذي تتيحه الأعمال التي قرأناها هو قدرتها على إعادة الفرد إلى تعقيده: إنسانًا يفكّر ويخاف ويرغب ويقاوم، ويحمل تاريخاً لا تختصره معدته الخاوية. ومن هنا يمكن للأدب الذي يواجه الجوع في سوريا أن يسائل اللغة التي تجعله قدراً، واللغة التي تجعل الخبز منّةً، والتصوّرات التي تطلب من المحروم أن يؤجّل كرامته إلى ما بعد الشّبع. فالخبز الذي يصير ثمناً للصّمت يُبقي سؤال “المفتّش الكبير” مفتوحاً، والاعتراف الذي يُمنح للفرد ثمّ يُسلب منه يعيدنا إلى هشاشة حضور أكاكي، فيما يدعونا تولستوي إلى مساءلة عالمٍ يتجاور فيه التّرف والحرمان.
هكذا يمتدّ “أثر” الجوع من النّصّ إلى الواقع السّوري، ويضع الكتابة أمام سؤالها الأخلاقي: كيف تمنح الجائع حضوراً لا ينتهي بانتهاء الحكاية، وكيف تحفظ صوته وهو يطالب بالخبز، وبحقّه في حياةٍ لا يكون فيها البقاء مرهوناً بالتّنازل عن إنسانيته؟