تحقيقات

سوريا في قاع مؤشر الفساد: “سلطة جديدة” وأدوات قديمة

(حَدْس) – هيئة التحرير:

حصلت سوريا على 15 نقطة فقط من أصل مئة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، وحلت في المرتبة 172 من أصل 182 دولة وإقليماً شملها المؤشر، بالتساوي مع كوريا الشمالية وغينيا الاستوائية. وبذلك بقيت ضمن الدول العشر الأكثر فساداً في العالم، ولم تتقدم عليها في قاع القائمة سوى دول تعاني الحروب أو انهيار المؤسسات، مثل السودان واليمن وليبيا وفنزويلا والصومال وجنوب السودان.

ومقارنة بمؤشر عام 2024، الذي حصلت فيه سوريا على 12 نقطة واحتلت المرتبة 177 من أصل 180 دولة، يبدو أن ثمة تحسناً محدوداً بلغ ثلاث نقاط وخمس مراتب. وقد تميل سلطة الأمر الواقع إلى تقديم هذا التحسن بوصفه دليلاً على بدء تفكيك منظومة الفساد التي حكمت البلاد في ظل سلطة بشار الأسد. لكن القراءة المنهجية للمؤشر، وفحص طريقة إدارة المال العام بعد سقوط النظام السابق، لا يسمحان بمنح السلطة مثل هذه الشهادة.

فسوريا لم تغادر قاع المؤشر، والزيادة المحدودة لا تعني أن مؤسسات النزاهة قد تأسست أو أن الفساد الكبير تراجع. والأهم أن السلطة، على الرغم من تغيير بعض الوجوه وإعادة فتح عدد من ملفات رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، ما زالت تستخدم الأدوات التي سمحت للفساد بالتحول إلى بنية حكم: مركزية القرار، وضعف القضاء والرقابة، وغياب الشفافية عن العقود، وإدارة أصول الدولة بواسطة لجان وصناديق ترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية.

ماذا يقيس المؤشر؟

تصدر منظمة الشفافية الدولية «مؤشر مدركات الفساد» سنوياً منذ عام 1995، ويعد المرجع الدولي الأكثر تداولاً في تقييم فساد القطاع العام. ويصنف مؤشر 2025 ما مجموعه 182 دولة وإقليماً، اعتماداً على 13 مصدراً مستقلاً للبيانات، تشمل تقديرات خبراء ورجال أعمال ومؤسسات اقتصادية ودولية.

وتتراوح الدرجة بين صفر ومئة، إذ تشير الدرجة القريبة من الصفر إلى أن القطاع العام يُنظر إليه بوصفه شديد الفساد، بينما تعني الدرجة المرتفعة وجود مستوى أفضل من النزاهة والشفافية. وحصلت الدنمارك، التي تصدرت المؤشر، على 89 نقطة، بينما حصلت الصومال وجنوب السودان، في أسفل القائمة، على تسع نقاط لكل منهما. أما المتوسط العالمي فبقي أدنى بكثير من مستوى النزاهة المطلوب، إذ حصل أكثر من ثلثي الدول على أقل من خمسين نقطة.

ولا يقيس المؤشر عدد قضايا الرشوة، ولا القيمة الفعلية للأموال المنهوبة، ولا يستند إلى استطلاع شامل للمواطنين، وإنما يقيس نظرة الخبراء وقطاع الأعمال إلى أمور من بينها الرشوة، واختلاس المال العام، والمحسوبية، واستغلال الوظيفة، وقدرة الدولة على التحقيق والمحاسبة، واستقلال القضاء، وشفافية العقود والإنفاق الحكومي.

والأدق من مقارنة المراتب هو مقارنة الدرجات. فقد يرتفع ترتيب دولة لأن دولاً أخرى تراجعت، أو لأن عدد الدول المشمولة تغير. أما انتقال سوريا من 12 إلى 15 نقطة، فرغم كونه أفضل من استمرار الهبوط، لا يزال يضعها داخل الفئة الممتدة بين صفر و19 نقطة، أي بين البيئات التي يُنظر إلى فساد القطاع العام فيها على أنه بالغ الخطورة.

تراجع بنيوي منذ عام 2012

لا تنظر منظمة الشفافية الدولية إلى وضع سوريا بوصفه نتيجة مؤقتة للحرب فقط، بل تضعها بين الدول التي شهدت منذ عام 2012 تراجعاً طويل الأمد في أنظمة النزاهة والرقابة.

ويشير تقرير 2025 بالاسم إلى سوريا، إلى جانب فنزويلا وجنوب السودان والمجر، بوصفها من الحالات التي أصابها «تآكل هيكلي» مستمر، قادته عوامل تشمل ضعف المؤسسات وترسخ شبكات المحسوبية وتراجع الضوابط الديمقراطية، وتسارعت وتيرته بسبب النزاعات المسلحة. ويؤكد التقرير أن هذا النوع من الفساد يصبح صعب المعالجة عندما يتجذر في المؤسستين السياسية والإدارية.

ففي عام 2012 حصلت سوريا على 26 نقطة، ثم اتخذ مسارها اتجاهاً هابطاً مع تحول الحرب إلى اقتصاد قائم على الحواجز والتهريب والاحتكار والتمويل غير الرسمي. وفي عام 2023 لم تحصل إلاّ على 13 نقطة، قبل أن تتراجع إلى 12 في 2024، ثم ترتفع إلى 15 نقطة في 2025.

ولذلك، فإن التحسن السنوي الأخير يجب أن يُقرأ داخل مسار خسرت فيه سوريا نحو 11 نقطة منذ 2012، لا بوصفه انتقالاً مؤسسياً مكتمل الملامح.

فساد النظام السابق: أكثر من رشى واختلاسات

لم يكن الفساد في عهد بشار الأسد مجرد مجموعة مخالفات يرتكبها موظفون ومسؤولون، وإنما كان وسيلة لإدارة الدولة وتوزيع الثروة وشراء الولاء.

فقد حصل رجال أعمال مرتبطون بالقصر والأجهزة الأمنية على الاحتكارات والعقود والتراخيص والوكالات، بينما استُخدمت الضرائب والجمارك والملاحقات الأمنية لمعاقبة المنافسين وإجبارهم على الشراكة أو التنازل. وتحولت مؤسسات الدولة إلى واجهات لمصالح عائلات وشبكات نافذة، أبرزها عائلتا الأسد ومخلوف، قبل أن تتوسع الدائرة خلال الحرب لتضم أمراء الحرب والوسطاء وقادة الميليشيات.

كما أوجدت الحرب أسواقاً جديدة للفساد: تهريب المحروقات والسلاح والمخدرات، وسرقة المنازل والمعامل، والاتجار بالمساعدات، وفرض الإتاوات على الحواجز، وابتزاز المطلوبين للخدمة العسكرية، والاستيلاء على ممتلكات المعتقلين والمهجرين بموجب قوانين وإجراءات صيغت ظاهرياً باسم التنظيم العمراني أو مكافحة الإرهاب.

وفي هذا النموذج، لم يكن الفساد انحرافاً عن قواعد النظام، بل كان إحدى قواعده. كانت السلطة تمنح المقربين حق تحقيق الثروة مقابل الولاء، وتسمح للأجهزة الأمنية بتمويل نفسها عبر الابتزاز والاقتصاد غير الرسمي، فيما يدفع المواطن الرشوة للحصول على حق يفترض أن تكفله الدولة.

هل تفكيك الشبكة القديمة يعني انتهاء الفساد؟

بعد سقوط النظام السابق، بدأت سلطة الأمر الواقع فتح ملفات عدد من رجال الأعمال الذين ارتبطت أسماؤهم به، وأعلنت إنشاء «اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع»، وإجراء تسويات مالية استردت الدولة بموجبها شركات وعقارات وأصولاً وأموالاً.

من حيث المبدأ، يعد استرداد المال العام خطوة ضرورية. لكن مكافحة الفساد لا تقاس فقط بحجم الأصول التي تنتزع من رجال الأعمال السابقين، بل بالقانون الذي يحكم العملية، والجهة التي تقرر، وطريقة تقييم الممتلكات، ومصير الأموال بعد استردادها.

وحتى الآن، لم تنشر السلطة كشفاً متكاملاً بأسماء جميع من خضعوا للتسويات، أو قيمة ما أعاده كل منهم، أو منهجية تحديد النسب، أو التقارير التي اعتمدت في تقييم الشركات والعقارات. كما لم يتضح بصورة كافية ما إذا كانت هذه التسويات مالية فقط، أم أنها تمنح أصحابها حماية من الملاحقة عن جرائم أخرى.

وتطرح هذه الطريقة أسئلة جوهرية: هل يملك عدد محدود من المسؤولين صلاحية التفاوض سراً على ثروات جُمعت تحت حماية النظام السابق؟ وهل يمكن استبدال المحاكمة العلنية بتسوية لا يعرف السوريون شروطها؟ ومن يضمن ألا تتحول عملية «استرداد الأموال» إلى إعادة توزيع للنفوذ الاقتصادي بين شبكة قديمة وشبكة جديدة؟

لجنة اقتصادية خارج مؤسسات الدولة

كشف تحقيق لوكالة رويترز، استند إلى مقابلات مع أكثر من مئة رجل أعمال ومسؤول ودبلوماسي وباحث، إضافة إلى وثائق مالية وسجلات شركات، أن إعادة تشكيل أجزاء من الاقتصاد السوري جرت عبر لجنة لم يكن وجودها أو اختصاصها معلناً للرأي العام.

ووفق التحقيق، أشرف حازم الشرع، شقيق رئيس الجمهورية، على العملية، في حين تولى قيادة اللجنة إبراهيم سكرية، المعروف باسم «أبو مريم الأسترالي»، وهو شخص مدرج على قائمة العقوبات الأسترالية على خلفية اتهامات مرتبطة بتمويل الإرهاب. ولم يكن للرجلين، عند عمل اللجنة، منصبان حكوميان معلنان يفسران سلطتهما على ملفات مالية بهذا الحجم.

وقدرت رويترز الأصول التي حصلت عليها اللجنة عبر التسويات والمصادرات بأكثر من 1.6 مليار دولار، بينها حصص في شركات وأموال تعود إلى رجال أعمال وشركات كانت مرتبطة بالدائرة الاقتصادية للنظام السابق. ولم ترد السلطة، بحسب الوكالة، على الأسئلة التفصيلية التي وُجهت إليها قبل نشر التحقيق.

تكشف هذه الحالة جوهر المشكلة: قد يكون الهدف المعلن هو استعادة المال المنهوب، لكن تكليف دائرة غير معلنة، تضم أشخاصاً بلا صفات حكومية واضحة، بإدارة مفاوضات تتعلق بمليارات الدولارات، يعيد إنتاج البيئة التي ينمو فيها الفساد الكبير.

فالفساد لا يبدأ عند ثبوت السرقة فقط، بل يبدأ أيضاً حين تُمنح سلطة واسعة لأشخاص لا يخضعون للمساءلة، وحين تصبح القرارات المالية الكبرى غير قابلة للتدقيق العام.

الصندوق السيادي: ثروة عامة تحت رقابة الرئاسة

أُنشئ الصندوق السيادي السوري بالمرسوم رقم 113 الصادر في 24 يونيو/حزيران 2025، بوصفه مؤسسة اقتصادية مملوكة للدولة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية.

ويقول الصندوق إن مهمته إدارة أصول الدولة واستثمارها، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية. كما يعلن أنه يعمل في 36 قطاعاً تخصصياً، ويدير 11 شركة مركزية، ويضم أكثر من 40 ألف موظف وعامل، بينهم 270 موظفاً في الإدارة المركزية.

لكن هذه الأرقام لا تجيب عن الأسئلة الأساسية، فالصندوق لم ينشر قائمة تفصيلية بالشركات والعقارات والمصانع والأموال التي يديرها، ولا قيمتها الإجمالية، ولا ميزانيته العمومية، ولا أرباحه وخسائره، ولا أسماء أعضاء مجلس إدارته كاملة، ولا عقوده الكبرى، ولا الأسس المعتمدة لتقييم الأصول واختيار المستثمرين.

ويذكر الموقع أن الصندوق يرفع تقارير ربع سنوية وسنوية إلى رئاسة الجمهورية، ويخضع لتدقيق مالي من جهات مستقلة عنه. لكن التقارير لا تنشر للرأي العام، ولا تُعرف هوية الجهات التي تجري التدقيق أو طريقة اختيارها. وبذلك تتحول الرئاسة إلى الجهة التي تشرف على الصندوق وتتلقى تقاريره في الوقت نفسه.

وحتى بعد إطلاق موقعه الرسمي، بقيت المعلومات الأهم غائبة. فقد قدم الموقع تعريفاً عاماً بالأهداف والقطاعات، لكنه لم يعرض كشفاً بالأصول أو حسابات مدققة يستطيع السوريون مراجعتها.

إن المشكلة ليست في وجود صندوق سيادي من حيث المبدأ، فمثل هذه الصناديق يمكن أن تحمي الأصول وتزيد عوائدها. لكن الصندوق السوري لا يدير فوائض نفطية أو مالية متراكمة فقط، بل يضع يده على شركات عامة وأصول مستردة أو مصادرة تمثل جزءاً من ثروة السوريين، ولذلك فإن إخراجه من رقابة البرلمان والقضاء والرأي العام يفتح باباً واسعاً أمام تضارب المصالح والمحسوبية والخصخصة غير الشفافة.

صندوق التنمية والتبرعات: الحسابات التي لا تكتمل

إلى جانب الصندوق السيادي، أُنشئ «صندوق التنمية السوري» بالمرسوم رقم 112 لعام 2025، لتمويل التنمية وإعادة الإعمار. وعلى الرغم من اختلاف الوظيفتين، يرتبط الصندوقان بالرئاسة، وتتقاطع بينهما الأموال والأصول والمشروعات.

وزاد الغموض مع إطلاق حملات التبرع في المحافظات، والتي أعلنت، وفق رصد صحفي، أرقاماً تجاوز مجموعها مليار دولار. لكن هذه الحصيلة لم تكن كلها أموالاً مدفوعة، بل شملت تعهدات مؤجلة، وتبرعات عينية، ومخصصات حكومية، ومشروعات كانت منظمات قد بدأت التخطيط لها.

إن تقديم مجموع التعهدات باعتباره أموالاً «جُمعت» لا يمثل مجرد خطأ في التعبير، بل يكشف طريقة في إدارة المعلومات المالية: إعلان الرقم الكبير لحظة الاحتفال، ثم عدم منح الرقم المحصل فعلياً القدر نفسه من الاهتمام والنشر.

والشفافية ليست أن تعلن السلطة ما وُعدت بالحصول عليه، بل أن تنشر، بصورة دورية، ما استلمته فعلياً وما أنفقته، والجهة التي حصلت عليه، والمشروعات التي نفذت به.

العقود والاستثمارات: مليارات بلا وثائق منشورة

منذ وصولها إلى دمشق، أعلنت سلطة الأمر الواقع توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بمليارات الدولارات في قطاعات المطارات والطاقة والاتصالات والعقارات والنقل.

والاستثمار ضرورة حيوية لبلد دمرت الحرب جزءاً كبيراً من بنيته التحتية، لكن الأرقام الكبيرة لا تكفي لتقييم سلامة الاتفاقيات. فما يهم في قياس مخاطر الفساد هو طريقة اختيار الشركات، وما إذا جرت منافسة علنية، وما الامتيازات والضمانات الممنوحة، وكيف وُزعت الأرباح والمخاطر بين الدولة والمستثمر.

ولا يعرف السوريون، في عدد من الاتفاقيات المعلنة، ما إذا كانت عقوداً نهائية ملزمة أم مذكرات تفاهم أولية، ولا يطلعون على نصوصها الكاملة، أو مدة الانتفاع بالأصول، أو الإعفاءات الممنوحة للشركات، أو المسؤولية التي تتحملها الدولة في حال تعثر المشروع.

هنا يظهر الفساد في صورته الحديثة. فهو لا يحتاج بالضرورة إلى حقيبة مال تُسلّم لمسؤول، إذ يمكن أن يتجسد في عقد غير متوازن، أو تقييم منخفض لأصل عام، أو منح امتياز طويل الأجل بلا منافسة، أو اختيار شركة بسبب صلتها بمركز القرار.

فساد النفوذ والعائلة

من أبرز مخاطر المرحلة الجديدة عدم الفصل الواضح بين الدولة ودائرة الرئيس المؤقت، فقد ظهر حازم الشرع في ملفات إعادة هيكلة الاقتصاد من دون منصب رسمي معلن في البداية، بينما تدخل شقيق آخر للرئيس، جمال الشرع، في نشاطات ذات طابع تجاري واستثماري قبل أن تعلن “السلطة” إغلاق مكتبه والتأكيد أنه لا يحمل صفة رسمية.

منظومة النزاهة لا تقوم على تدخل الرئيس بعد ظهور المشكلة، بل على قواعد تمنع أقاربه أو المقربين منه من ممارسة النفوذ خارج المؤسسات، وتلزم كبار المسؤولين بالتصريح عن ممتلكاتهم ومصالحهم، وتجرّم تضارب المصالح، وتتيح للقضاء والصحافة التحقيق من دون إذن سياسي.

السلطة المركزة لا تراقب نفسها

تؤكد منظمة الشفافية الدولية وجود علاقة واضحة بين القدرة على مكافحة الفساد وبين استقلال المؤسسات واتساع المجال المدني. فقد بلغ متوسط الدول الديمقراطية الكاملة في مؤشر 2025 نحو 71 نقطة، مقابل 47 للديمقراطيات المعيبة و32 للأنظمة غير الديمقراطية.

كما يحذر التقرير من أن حملات مكافحة الفساد المركزية التي تقودها السلطة من أعلى قد تحقق نتائج محدودة، لكنها تبقى هشة وقابلة للتراجع إذا لم تخضع لرقابة مستقلة ومجتمعية.

هذه الخلاصة ذات صلة مباشرة بسوريا. فالإعلان الدستوري منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، ولا توجد حتى الآن منظومة توازن مؤسسي قادرة على مراقبة قرارات الرئاسة. كما أن القضاء لم يثبت استقلاله الكامل، والهيئات الرقابية لا تنشر جميع تقاريرها، ولا تزال قدرة الصحافة ومنظمات المجتمع المدني على التحقيق في ملفات النفوذ والمال العام محدودة.

ولا تستطيع لجنة لمكافحة الكسب غير المشروع، مهما كان اسمها أو صلاحياتها، أن تكون بديلاً عن قضاء مستقل وبرلمان قادر على استجواب الحكومة وديوان محاسبة ينشر تقاريره وصحافة تحمي مصادرها.

فحين تختار السلطة الأشخاص الذين يحققون في الفساد، وتحدد الملفات التي تُفتح، وتتلقى وحدها نتائج التحقيقات، تصبح مكافحة الفساد قابلة للاستخدام ضد الخصوم، فيما تُستثنى منها الدائرة الأقرب إلى مركز القرار.

الفساد الصغير ضريبة على الفقراء

إلى جانب الصناديق والعقود والتسويات، ما زال السوري يواجه الوجه اليومي للفساد: المال المطلوب لتسريع معاملة، والواسطة للحصول على وظيفة، والمحسوبية في توزيع المساعدات، والابتزاز في الجمارك والتراخيص، والدفع مقابل خدمة يفترض أن تكون حقاً.

وتسهم الأجور المنخفضة وانهيار القدرة الشرائية في انتشار الرشوة الصغيرة، لكنها لا تبررها ولا تفسر الفساد الكبير. فالموظف الذي يطلب مبلغاً لتسيير معاملة يعمل داخل نظام يشاهد فيه أصحاب النفوذ يحصلون على العقود والشركات والامتيازات بلا منافسة أو حساب.

وتشبه الرشوة اليومية ضريبة غير معلنة يتحملها الفقراء بنسبة أكبر من دخولهم. كما أنها تحول الحقوق إلى سلع: من يملك المال أو الصلة يحصل على العلاج والتعليم والوثيقة والوظيفة، ومن لا يملكهما ينتظر أو يُحرم.

ولهذا يربط تقرير الشفافية الدولية بين تدني درجات النزاهة وتراجع جودة الخدمات الأساسية. فعندما تُسرق المخصصات، أو يجري توزيعها بالمحسوبية، أو تصبح الرشوة شرطاً للوصول إلى الخدمة، تتسع الفجوة الاجتماعية ويفقد المواطن ثقته بالدولة.

ماذا يعني التحسن بثلاث نقاط؟

لا ينبغي تجاهل انتقال سوريا من 12 إلى 15 نقطة، لكنه لا يحتمل المبالغة. وقد يعكس تحسناً في توقعات الخبراء بعد سقوط نظام كان فساده موثقاً، أو فتح بعض ملفات المال العام، أو تراجع نفوذ شبكات سابقة، أو بداية الانفتاح الاقتصادي وعودة المؤسسات الدولية.

لكنه لا يثبت أن الفساد انخفض فعلياً بالنسبة نفسها. كما أن المؤشر نفسه يشدد على المسار السلبي الطويل لسوريا منذ 2012، ويضعها ضمن الحالات التي أصبح فيها الفساد متجذراً سياسياً وإدارياً.

لقد انها النظام الذي جعل الفساد أداة للحكم، لكن الأدوات التي صنعت ذلك الفساد لم تسقط، فالثروة العامة ما زالت تدار داخل دوائر ضيقة، وما تزال العقود والموازنات والتسويات بعيدة عن الرقابة الشعبية، وما تزال مكافحة الفساد تأتي بقرار من أعلى، لا عبر مؤسسات مستقلة تستطيع محاسبة الأعلى نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق