القول تحت حدّ الردّة

حسام ميرو
ما أثقلها من أزمنة يحتاج فيها إبداء الرأي إلى مقدمة تكون بمثابة شهادة حسن سلوك! وهذا ما تصل إليه الثورات، بغضّ النظر عن كونها حققت المراد منها أم تحولت إلى مشروع سلطوي لا يختلف كثيراً عمّا سبقه، بل قد يكون مشروعاً أسوأ بكثير. لكن “جمهور الثورة”، أو المنتفعين منها، أو الذين تسلقوا عليها، أو حتى أولئك الذين أسعفتهم نباهتهم ومصالحهم ومخاوفهم بالتكويع نحوها في اللحظة الأخيرة، يصبحون ثوريين أكثر من الثوار، على غرار ملكيين أكثر من الملك.
في سوريا، تحتاج لبدء نقد حال البلاد وحال السلطة والثقافة السائدة إلى مقدمة تذكّر فيها الجميع، وربما من يعرفونك، بأنك كنت معارضاً لسلطة بشار الأسد، وربما كنت معارضاً لأبيه، وقد تكون ممّن طالهم الاعتقال أو المنفى. ومع ذلك، فإن كل ذلك يحتاج إلى سرد مرة بعد أخرى، كي تتجنب تلك الاتهامات السمجة من قبيل “أيتام الأسد”، و”شبيحة النظام البائد”، و”الفلول”، وغيرها من العبارات التي باتت قميئة ومقززة، إلى درجة قد تدفع صاحب الرأي إلى الصمت، تجنباً لهجمات سوقية من قبل “جمهور الثورة” ومطبّليها وموظفيها وأمنيّيها وشركات العلاقات العامة التي تسوّق لها أو تتنكّب عنها مهمة مهاجمة كل من تسوّل له نفسه نقد “السلطة”.
عنوان هذا المقال، ولئن اختصر واقع الحال بـ “حدّ الردّة”، الذي يُقصد به لدى بعض الفقهاء المسلمين إخراج شخص ما من الدين، تمهيداً لنبذه من جماعة المؤمنين، أو حتى وصولاً إلى هدر دمه، فإنه محاولة لجمع حدود عديدة في هذا الحدّ، تسعى في جوهرها إلى عزل الخصم وإخراجه من الجماعة والوطن والثورة، تمهيداً لاستباحة حريته في القول والتعبير وإبداء مواقف ناقدة تتعلق بالشأن العام، الذي يُفترض، من اسمه، أنه شأن عام يخصّ الجميع بلا استثناءات أو قيود.
علمانيون وملاحدة كفرة
مع الفرز الذي شهدته الحالة السورية بعد عام 2011، حاول كثر من الإسلامويين اختصار الثورة بهم، معتبرينها ثورة إسلامية سنية ضد نظام نصيري كافر. ولئن شهدت بعض الكيانات ترحيباً شكلياً ببعض الشخصيات من خلفيات دينية غير إسلامية وغير سنية، إلا أن هذه الشخصيات بقيت في الإطار الشكلي والترويجي، كواجهات لكيانات تسعى لاعتراف دولي، ولدرء شبهة عدم التمثيل الوطني عنها، وكأن التمثيل الوطني يقتضي جمع الناس على أساس طائفي، وليس انطلاقاً من موقف سياسي وأخلاقي ووطني، وقناعة بمشروع نقيض لمشروع الاستبداد الأسدي.
في خضم هذا الفرز، دارت معارك تهاجم العلمانية والعلمانيين، على أساس أن نظام الأسد هو نظام علماني، ولا بأس بالنسبة لمطلقي هذا الزعم بأن يتهموا “نظام الأسد” مرة بأنه نصيري كافر، ومرة أخرى بأنه علماني، فلكل مقام مقال، ولكل زعم ضرورته واستخدامه، في معركة تُخاض في جانب منها على امتلاك السرديات أو تفسيرها.
وأسهم الإعلام المحسوب على الثورة في إشعال معارك وضعت إسلاميي الثورة وعلمانييها كنقيضين وطنيين. وقد شاركت شخصياً في حلقة لتلفزيون سوريا بعنوان “ماذا قدّم العلمانيون والإسلاميون للثورة”، وكان في مواجهتي ملهم الدروبي، أحد قياديّي حركة الإخوان المسلمين. وقد أوضحت، في نطاق الوقت المخصص، عدداً من الحقائق، وفي مقدمتها أن الدول الراعية للكيانات التمثيلية أحجمت عن تقديم أي دعم بالمال والسلاح لأفراد أو قوى علمانية، وأغدقت بكل ذلك على الإسلاميين، فلا يصح وضع من أُقصي بقرار إقليمي ودولي، من حيث ما يمكن أن يقدّمه، في ميزان واحد مع جهات حازت كل الدعم المالي والعسكري والإعلامي. كما أن خيار العسكرة لم يكن خيار معظم العلمانيين، لأن مثل هذا الخيار من شأنه أن يضع أي حركة وطنية رهن شروط من يقدّم لها السلاح.
لكنّ من كانت مهمتهم إدارة المعارك الإعلامية للإسلاميين بمهاجمة العلمانيين ذهبوا شوطاً أبعد مع اكتساب “قوات سوريا الديمقراطية” وزناً في المشهد العسكري وحصولها على الدعم الأمريكي، فأصبح الأكراد السوريون في نظرهم ملاحدة. وقد بقيت هذه الأسطوانة تدور لشيطنة الأكراد لسنوات، ولم تهدأ إلا بعد أن قطعت عملية الاندماج بين سلطة الأمر الواقع و”قسد” بعض الخطوات العملية.
وضع العلويين في الزاوية ووجوههم إلى الجدار
في نظر ماكينة السلطة وإعلامييها وأنصاف مثقفيها، بات كل علوي مداناً بأنه ابن “السلطة البائدة”، فلم تنل عمليات التسريح القسري التي طالت آلاف الموظفين من أبناء الطائفة العلوية أي اهتمام إعلامي. وهي عمليات بدأت سريعاً، بل إنها سبقت مجازر الساحل، التي طالت آلاف المدنيين بين قتلى وجرحى. ويُضاف إلى ذلك ملف المختطفات العلويات، اللواتي ظهرت بعضهن في فيديوهات تُظهر هدايتهن إلى الطريق القويم والدين الحق، عبر مؤسسة الشيخ الذهبي، الذي تجاهله وتجاهل مؤسسته إعلام “السلطة”، وكأنه يقيم ويعمل ويدعو إلى النقاب في بلد أو كوكب آخر.
يحقّ للشيخ الذهبي أن تكون لديه مؤسسة عاملة في الأراضي السورية، وأن يكون لديه موظفون وموظفات وأموال، لكن يحتاج أي كاتب أو مثقف من أبناء الطائفة العلوية إلى شهادة سلوك كي يقول رأيه بما حدث لأبناء مدينته وقريته، وربما بعض أفراد أسرته.
إن أي مواطن سوري أو مواطنة سورية من أبناء الطائفة العلوية سيفكّر ألف مرة قبل أن ينضم إلى حزب سياسي معارض لهذه السلطة، فجميع التهم جاهزة وقابلة للتصديق لدى فئات ليست بالقليلة، وليس مستهجناً أن تعتقله السلطة تحت لائحة من التهم الملفقة، والتي تدعمها بالطبع “علويته”.
هكذا، ببساطة، كمّمت “السلطة” أفواه العلويين السوريين من المقيمين داخل البلاد، ودفعتهم، كما يُقال، إلى الزاوية ووجوههم إلى الجدار، همّهم البقاء في أمان، بعيداً عن بطش السلطة أو اندفاعها إلى ارتكاب مجازر جديدة، في مقايضة عنوانها الأمان مقابل الصمت.
احتكار السردية ورجم المخالفين
مع مجيء سلطة الأمر الواقع، اكتسحت المشهد العام سردية تفسّر ما حصل خلال سنوات ما بعد عام 2011. وككل صراع، تصبح السردية أداة حادة لطعن الآخر المختلف، فالاقتناع بسردية سلطة استبدادية قد يشكّل مدخلاً للحصول على امتيازاتها، خصوصاً عندما تكون السلطة نفسها غير مكتملة، وبحاجة إلى انضمام ذوي الولاء، أي أولئك المستعدين ليكونوا ناطقين رسميين لسرديتها.
ببساطة، يصبح قادة فصائل سلفية جهادية محرّرين، ويصبح الدخول إلى دمشق بما يشبه التسليم والتسلّم فتحاً، ويصبح سير عشرات أو مئات من السيارات التي تقلّ مقاتلين بأسلحة خفيفة نحو العاصمة بعد فرار الأسد معجزة عسكرية ينبغي تدريسها. ويكون من السهل نسب الحكام الجدد إلى تاريخ قديم: بني أمية، وسيكون من السهل القول إن أي معارضة للسلطة الحالية هي تنكّر لدماء الشهداء، وكأن الشهداء قد استُفتوا على من سيحكم باسمهم. لكن، في المحصلة، لا بد لهذه السردية أن تبني منطقها في وجه الخصوم، وأن تجعل من نفسها مؤتمنة على تضحيات الآخرين، حتى لو كانت السلطة نفسها قد طوت صفحة معرفة مصير آلاف المغيّبين في سجون الأسد الهارب.
بطبيعة الحال، ليس مطلوباً من هذه السردية أن تصمد أمام النقد التاريخي والسياسي والاجتماعي، فهي، ككل سردية مشحونة بعوامل أيديولوجية، لا تهدف إلى أن تكون مطابقة للواقع. ويُضاف إلى ذلك أنها مُصدَّرة عبر أجهزة إعلام مموّلة بشكل هائل، وهدفها تثبيت رؤية واحدة للحدث السوري، وجعلها الرؤية الوحيدة المطروحة على الساحة بوصفها رؤية الدولة والمجتمع، ويمكن نقلها مع الوقت إلى مناهج التعليم، لجعلها حقيقة تاريخية غير قابلة للدحض.
حدّ الردّة بدعم أمريكي
إذا كانت الجماعة الأيديولوجية، أيّ جماعة، تسعى لتأكيد شرعيتها من داخل نسقها الأيديولوجي، فإن التاريخ السوري، بعد انهيار سلطة بشار الأسد وإظهار ترامب وإدارته مسؤوليتهما عن وصول السلطة الحالية إلى الحكم، أفصح عن حالة قد تكون غير مسبوقة لدى الجماعات الأيديولوجية، أو غير مفضوحة إلى هذا الحدّ الذي أظهرته جماعة “هيئة تحرير الشام” ومن يدور في فلكها أو يتودّد لها، عبر المبالغة في إظهار علامات الفرح بالرضا الأمريكي عن الجماعة وقائدها، غير آبهين بتصريحات سابقة لهذا القائد بشأن عدائه لأمريكا “التي تناصر الحكام العرب المستبدين”، وغير آبهين بالعداء التاريخي المعلن من قبل الحركات السلفية الجهادية لأمريكا والغرب الكافرين.
إن عنق أي معارض لهذه السلطة أصبح عرضة للقطف (“إني أرى رؤوساً قد أينعت”)، كما في خطبة الحجّاج بن يوسف الثقفي، ليس من قبل سيف السلطة وحده، بل أيضاً من قبل السيف الأمريكي، خصوصاً أن أمريكا هي اللاعب الأكبر في منح الشرعية ونزعها عن الدول والجماعات والتنظيمات والحركات، أي أنها مانحة البركات والخيبات في الوقت نفسه.
لكن، هل فعلاً تشارك أمريكا في وضع السيف على رقاب معارضي سلطة الأمر الواقع في دمشق؟
لا يحتاج الأمر إلى كثير من النباهة لاكتشاف أن القنوات الأكثر انتشاراً في العالم العربي تتبنّى وجهة نظر “السلطة”، وتنقل سرديتها عن كل حادثة تقع في سوريا، وتستضيف آراء تعبّر عن وجهة نظرها، ويكاد يغيب الصوت المعارض عن هذه الشاشات. بل ذهب بعضها شوطاً أبعد في تظهير رئيس هذه السلطة كقائد كبير لثورة، كما في اللقاء الذي أجراه علي الظفيري، مقدّم البرامج في قناة الجزيرة القطرية.
“المثقف” السلطوي وانعدام الوجدان
قد يكون من غير الضروري تناول ظاهرة انعدام الوجدان لدى “المثقف” السلطوي حين يصبح عدواً شرساً للمثقف المعارض، لكن المفاجآت التي تكشف عنها حالتنا السورية لا تتوقف عند حدّ. فإذا كان مثقف السلطة صاحب دور تبريري لأفعالها، بما فيها تلك الأفعال العارية عن أي منطق سياسي أو اجتماعي أو مؤسساتي، فإن “مثقف” السلطة الحالية يمثّل حالة تكاد تكون خاصة، فمعظم هؤلاء دبّجوا مدائح في الحرية على مدار سنوات، كتابة وقولاً، وتباروا فيما بينهم على لقب الأكثر انخراطاً في الثورة وانحيازاً لقيم الحق والعدالة. لكنهم تحولوا بين عشية وضحاها إلى عميان أو حُول، فلم يكتفوا بنفي صفة المجازر عمّا ارتكبته قوات تابعة للسلطة في الساحل والسويداء، بل ذهب معظمهم إلى تحريف الوقائع، وتطوّعوا لنسف روايات الضحايا بروايات مضادة.
في أحد تعريفات المفكر السوري الراحل إلياس مرقص للمثقف، ربط بين الثقافة والوجدان، إذ لا يمكن، كما رأى مرقص، أن يكون المثقف مثقفاً إذا لم يكن يقترن الجانب النظري بالجانب الأخلاقي، فلا ثقافة من دون ضمير، ومن دون اتساق داخلي، وهما أمران أساسيان لاكتساب المثقف قيمته ومكانته، وليس فقط ما يقدّمه من نتاج معرفي.
حسناً، لتكن الردّة مقياساً
إذا كان الخروج من الجماعة وعنها معياراً يصلح لأن يكون فيصلاً، فلِمَ لا؟ فإذا كان منطق الجماعة هو التنكّر للمعرفة والخبرة الإنسانية اللتين تقولان إن التعاقد أساس العلاقات في المجتمعات الحديثة، وليس منطق الولاء القبلي للجماعة الدينية أو المذهبية أو العشائرية، فإن النضال ضد هذا المنطق يكتسب معنى أكبر وأوسع من نطاقه المحلي السوري، ويصبح له معنى يتماهى في جوهره مع النضال من أجل حرية تقوم على الاختلاف، وعلى منطق يقوم على المعرفة والحجّة، لا الولاء المطلق، وعلى الضمير في مواجهة عديمي الضمير.
إن ما يمنح هذه المواجهة معنى، أو معاني متعددة، هو أنها تنطوي على أبعاد تتجاوز معارضة سلطة سياسية مدعومة بمنظومة أمنية وعسكرية، أو تحوز شرعية لقاء قيامها بأدوار وظيفية لمصلحة الخارج. فهذه المعارضة، وهذه الردّة عن منطق الجماعة القبلي (الانتماء كجوهر معطى وثابت)، تمثّلان معارضة لتيار يدفع نحو تبنّي الجهل السياسي والفكري والإنساني. بل إنه، في استعادته لمشروع استبداد ديني، لا يقدّم نموذجاً واضحاً يمكن نقاشه، وإنما يقدّم خليطاً هلامياً يبدو غير واضح أو معرّف في أذهان السلطة ومواليها وماكينتها الإعلامية.
نحو وطن تعاقدي
يستحق هذا العنوان ألا يختزل كخاتمة قصيرة لهذا المقال، وأن يكون لوحده فاتحة لدراسة أو دراسات معمقة حول حاجتنا كسوريين إلى وطن تعاقدي: دولة ودستور ومؤسسات وقانون ونمط حياة، إذ لا بديل ممكن لبقاء الوطن نفسه من دون التعاقد بمفهومه الحديث، في مواجهة “مشروع” لا يمتلك مقومات مشروع، وفي مواجهة أدوات هدفها الإخضاع، وفكر استنفد مقومات صموده المعرفية، وعلاقات ما قبل الدولة الحديثة، التي تقوم السلطة بممارستها كنمط انطلاقاً من اعتبار نفسها “القوة الغالبة”، وعبر تفريخ أبواق بكراتين “شهادات” أو حتى من دونها، واقفين بالمرصاد لكل من ينتقد أولياء نعمتهم، مانحين أنفسهم حقّ مساءلة الناس عن تاريخهم ومواقفهم السابقة، في الوقت الذي كان ينبغي أن يكون القانون والعدالة هما المعياران في تحديد من ارتكبوا انتهاكات وجرائم بحق السوريين، وأن يحاسبوا كأفراد، وليس بوصفهم ممثلين لهذه الطائفة أو تلك، فالمسؤولية عن الجريمة بالتعريف مسؤولية مرتكبها، ولا يتحمل أحد المسؤولية عن أحد بحكم الانتماء إلى الطائفة ذاتها، كما أن محاكمة جرائم الأمس لا ينبغي أن تخفي ورائها تهرب جناة اليوم من المحاكمة، إذ لا ينبغي إعلاء ضحية فوق أخرى تحت أي ذريعة كانت.