سوريا ومؤشر هشاشة الدولة …استمرار غياب السيادة ومركزة السلطات وتكريس الفقر

(حَدْس) – هيئة التحرير
لم يؤدِّ سقوط سلطة بشار الأسد إلى إنهاء أزمة الدولة السورية، وإن أنهى النظام الذي ارتبط اسمه بالقسم الأكبر من تدمير مؤسساتها ومجتمعها. فقد ورثت سلطة الأمر الواقع في دمشق بلداً مثقلاً بالفقر والنزوح والانقسام والتدخلات الخارجية، ثم شهدت المرحلة الجديدة مجازر وتصدعات إضافية في العلاقة بين السلطة وقطاعات من السكان.
وفي المقابل، ظهرت مؤشرات على تعافٍ اقتصادي واستعادة بعض وظائف الإدارة المركزية. لذلك، يتطلب تقييم الهشاشة التمييز بين تحسن قدرة الحكومة على إدارة موارد أو مناطق، وقدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان حقوقهم.
تنطلق هذه الدراسة من تعريف عملي للهشاشة: ضعف قدرة المؤسسات على حماية الأرض والسكان، وإدارة الخلافات من دون عنف جماعي، وتأمين الخدمات الأساسية، وممارسة سلطة يقبل بها المواطنون وتخضع للمساءلة. وتستخدم مؤشرات الدول الهشّة إطاراً استرشادياً، من دون منح سوريا درجة رقمية جديدة أو ترتيب عالمي لم يصدر عن الجهة المنتجة للمؤشر.
والنتيجة الأولية التي تصل إليها الدراسة هي أن سوريا لا تزال تعاني هشاشة شديدة ومتعددة الأبعاد، تحققت فيها مكاسب جزئية في الإدارة والاقتصاد، بينما بقيت الضمانات الأمنية والسياسية والاجتماعية اللازمة لاستدامتها ضعيفة.
أولاً: السيادة، دولة تتنافس القوى الخارجية على تشكيل مجالها الأمني
يمثل استمرار التدخل العسكري الخارجي أحد أوضح مظاهر هشاشة الدولة السورية، فالدولة لا تملك سيطرة مستقرة على مجالها الأمني، ولا تستطيع ضمان سلامة سكان المناطق المعرضة للتوغلات والضربات.
في الجنوب، أصبح التوسع الإسرائيلي بعد سقوط الأسد عاملاً إضافياً في تآكل السيادة. وأفادت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، في إحاطة بتاريخ 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بأن الرصد بالمصادر المفتوحة سجل نحو 280 حادثة توغل مسلح للاحتلال الإسرائيلي خلال شهر أيلول الماضي وحده، ويبيّن هذا التكرار أن التدخل بات ممارسة مستمرة تمسّ الأمن المحلي والحياة اليومية، وتتجاوز واقعة الانتشار العسكري الأولى بعد انتقال السلطة.
تتحمل إسرائيل مسؤولية أفعالها، ولا يصح تحويل عجز سوريا عن مواجهتها إلى تبرير للاعتداء. لكن قياس هشاشة الدولة يرصد النتيجة أيضاً، وهي قدرة قوة خارجية على دخول أراضيها واعتقال سكانها وفرض قيود أمنية فيها، مع محدودية قدرة مؤسساتها على توفير الحماية.
وفي الشمال، يستمر الدور العسكري التركي، فيما تكشف التوترات بين أنقرة وتل أبيب حول الانتشار العسكري داخل سوريا مدى تدخل القوى الخارجية في تحديد ما يجوز للدولة السورية بناؤه من قدرات، وقد أظهرت الضربة الإسرائيلية لمطار أبو الظهور في أغسطس/ آب 2026 هذا التشابك، إذ ربطتها إسرائيل بمخاوف من وجود تركي، بينما نفت دمشق التخطيط لقاعدة تركية دائمة في الموقع.
أما الوجود الروسي، فيحتاج إلى توصيف أدق من القول بتجديد الاتفاق السابق كما هو. فالمعلن في 9 أغسطس/ آب 2026 كان مذكرة لإعادة تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس، تتضمن تولّي سوريا إدارة مرافق مدنية وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وهذه ترتيبات تُبقي دوراً روسياً، لكنها تتضمن أيضاً، وفق الإعلان، استعادة إدارة بعض المرافق.
وجود قوات أجنبية بموافقة الحكومة لا يثبت وحده فقدان السيادة، فالتقييم يتوقف على شروط الاتفاق، وحدود الاختصاص، وإمكان الرقابة والإنهاء، ومع غياب فحص كامل لهذه الشروط، يمكن إثبات استمرار الاعتماد الأمني الخارجي، بينما تبقى درجة تقييده للقرار السوري بحاجة إلى تدقيق.
التقدير: هشاشة سيادية شديدة، تتجلى في محدودية الحماية من الاعتداء، واستمرار أدوار عسكرية خارجية، وتأثر بناء القوة السورية بتوازنات لا تتحكم دمشق بها.
ثانياً: حماية السكان، الإخفاق الأخطر في المرحلة الجديدة
يمثل أمن السكان معياراً أشد دلالة من اتساع الانتشار الحكومي، فحين تشارك قوات “السلطة” أو محسوبة على السلطة في قتل المدنيين، تتضرر وظيفة الدولة الأساسية، ويتحول جهاز يفترض أن يوفر الحماية إلى مصدر للخوف، وضرباً للقيم الوطنية والمواطنية.
وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا مجازر الساحل في مارس/ آذار 2025، بما شمل القتل والتعذيب ونهب الممتلكات وإحراق المنازل، وأشارت إلى مقتل نحو 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، وإلى ارتكاب انتهاكات من أعضاء في قوات الحكومة الانتقالية وأفراد يعملون إلى جانبها، وكذلك من مقاتلين موالين للنظام السابق. واعتبرت أن أفعالاً موثقة قد ترقى إلى جرائم حرب.
وفي السويداء، أفادت اللجنة في تقريرها المنشور في 27 آذار/مارس 2026 بأن مجازر يوليو/ تموز 2025 خلّف أكثر من 1700 قتيل ودفع قرابة 200 ألف شخص إلى النزوح، ووثقت أنماط استهداف على أساس الهوية، وانتهاكات ارتكبتها جهات متعددة، بينها القوات الحكومية وجماعات درزية مسلحة ومقاتلون عشائريون.
ويتضمن التقرير استنتاجاً بالغ الأهمية، وهو وجود أساس معقول لاعتبار أن قوات حكومية ومقاتلين عشائريين يعملون إلى جانبها ارتكبوا إعدامات خارج القضاء وتعذيباً وسوء معاملة، ضمن سياسة تنظيمية على مستوى مجموعة من القادة، وهذا يفرض فحص سلسلة القيادة، ولا يسمح بالاكتفاء بوصف جميع الوقائع بأنها تجاوزات فردية.
لا تلغي جرائم الجماعات الأخرى مسؤولية السلطة، كما لا تبيح جرائم السلطة إسقاط حقوق ضحايا تلك الجماعات، غير أن مسؤولية الحكومة أوسع بحكم ادعائها تمثيل الدولة وامتلاك أدواتها، ويصبح السؤال المؤسسي: هل تستطيع السلطة ضبط قواتها، ومنع تكرار الجرائم، ومحاسبة القادة والمنفذين؟
التقدير: هشاشة أمنية وحقوقية شديدة جداً، لأن الخلل يمسّ حياد القوة العامة وسلامة المواطنين، ويتجاوز ضعف القدرة على منع الجريمة إلى تورط عناصر من أجهزة السلطة فيها.
ثالثاً: السويداء والتماسك الوطني … وحدة قانونية وعلاقة سياسية متصدعة
أنتجت مجازر السويداء أزمة تتجاوز آثار القتال المباشرة، فالعلاقة بين المركز والسكان تقوم على توقع حد أدنى من الحماية. وعندما تنهار هذه الثقة، تصبح عودة الأجهزة الحكومية مسألة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حتى لو بقي الانتماء القانوني إلى الدولة قائماً.
وتظهر الأزمة في تفاصيل الخدمات أيضاً، فقد تناول تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، صدر في أكتوبر/ تشرين 2026، تعثر وصول طلاب من السويداء إلى مراكز الامتحانات وتجدد الاشتباكات في أواخر آب وبداية سبتمبر/ أيلول. تكشف هذه الوقائع كيف يتحول الانقسام الأمني إلى عائق أمام ممارسة حقوق يومية يفترض أن تضمنها مؤسسات وطنية موحدة.
يمكن، بناءً على ذلك، وصف الوضع بأنه تجزؤ فعلي في ممارسة السلطة وتصدع عميق في الثقة بالمركز. أما “شبه الانفصال” فهو وصف سياسي يحتاج إلى تفصيل: من يدير الأمن والقضاء والخدمات والإيرادات؟ وما الروابط التي بقيت تعمل مع دمشق؟ إذ لا يكفي غياب القوات الحكومية وحده لإثبات انفصال شامل.
وفي المقابل، ينبغي تسجيل تطورات مغايرة في الشمال الشرقي، فالمصادر المنشورة في خريف 2026 تشير إلى تقدم دمج مؤسسات وقوات مرتبطة بالإدارة الكردية ضمن مؤسسات الدولة، مع استمرار أسئلة حول الترتيبات الأمنية المحلية واستدامتها، وهذا تطور يمكن أن يخفض أحد أبعاد التجزؤ، وإن لم يحسم مسألة الثقة أو توزيع السلطة.
التقدير: هشاشة مرتفعة في التماسك الوطني، تتفاوت جغرافياً، أزمة عميقة في السويداء، مقابل تقدم مؤسسي معلن في الشمال الشرقي يحتاج إلى متابعة التنفيذ واستدامته.
رابعاً: المؤسسات والمساءلة
تحتاج الدولة الخارجة من انهيار طويل إلى مؤسسات تستطيع اتخاذ القرار وتنفيذه، لكنها تحتاج أيضاً إلى قواعد تقيد القرار وتتيح الاعتراض عليه، فسرعة إصدار الأوامر لا تكفي لإثبات متانة الحكم.
أسس الإعلان الدستوري الصادر في مارس/ آذار 2025 لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات. وتوضح وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أنه “الإعلان” يمنح الرئيس صلاحيات واسعة مع رقابة محدودة، بما يشمل تعيين الوزراء وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، والتأثير الحاسم في تشكيل السلطة التشريعية.
تكمن دلالة ذلك على الهشاشة في ضيق قنوات تصحيح الأخطاء ومحاسبة أصحاب القرار، فكلما ارتبط عمل المؤسسات بإرادة مركز واحد، أصبحت قدرتها على الاستمرار وحل النزاعات رهينة توازنات ذلك المركز.
وفي العدالة الانتقالية، يمثل إنشاء هيئتين للعدالة الانتقالية والمفقودين خطوة مؤسسية ينبغي تسجيلها. لكن نطاق الاختصاص وشمول الضحايا موضع تساؤل، إلى جانب نقص تشريعي في تجريم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة بوصفها جرائم مستقلة في القانون السوري.
كما أن فتح تحقيقات أو توقيف أفراد لا يساوي اكتمال المحاسبة، فقد سجلت لجنة التحقيق، عند نشر تقرير السويداء، إعلان توقيف 23 من عناصر الأمن والجيش، مع محدودية المعلومات المتاحة بشأن التحقيق في مسؤولية القيادة.
التقدير: هشاشة مؤسسية مرتفعة، بسبب تركيز الصلاحيات وضعف ضمانات الرقابة والمحاسبة، رغم بدء إنشاء بعض الأطر اللازمة لمعالجة إرث الانتهاكات.
خامساً: الاقتصاد والمعيشة
لا تدعم المصادر حكماً بأن جميع المؤشرات الاقتصادية واصلت التدهور بالوتيرة نفسها، فتقرير البنك الدولي المنشور في أكتوبر/ تشرين 2026 يتوقع نمواً بين 8 و10 في المئة خلال العام، مع انخفاض طفيف متوقع في الفقر، وهذه توقعات، وليست حصيلة نهائية، لكنها تستوجب تسجيل وجود تعافٍ اقتصادي محتمل.
غير أن النمو من قاعدة شديدة الانخفاض يمكن أن يتزامن مع استمرار العجز عن تلبية الاحتياجات، كما أن ارتفاع الإنتاج أو الاستثمار لا يكشف وحده توزيع المنافع بين المناطق والفئات.
وتقدم منظمة الأغذية والزراعة مؤشرات أكثر اتصالاً بحياة الأسر، إذ بلغت الزيادة السنوية في سلة الحد الأدنى للإنفاق أكثر من 30 في المئة في يونيو/ حزيران 2026، وظل الحد الأدنى للأجر العام، رغم زيادته، يعادل نحو 47 في المئة من قيمة السلة. وارتفعت أسعار دقيق القمح والأرز بنحو 34 و32 في المئة على التوالي مقارنة بالعام السابق.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى تسارع التضخم خلال 2026، متأثراً بأسعار الواردات والوقود والغذاء، وارتفاع كلفة السكن والخدمات، وفي الوقت نفسه يرصد تحسناً في قطاعات إنتاجية وخدمية، مع تفاوت جغرافي واستمرار انتشار الفقر.
وبذلك، فإن الوصف الأدق هو تعافٍ اقتصادي غير متكافئ يترافق مع هشاشة معيشية واسعة، مع تراجع الأوضاع المعيشية للسكان، وتكريس واقع الفقر.
ويعزز تقرير دائرة الهجرة الدنماركية الصادر في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 هذا التمييز، فعلامات التعافي قائمة، بينما يستمر الفقر وضعف القدرة الشرائية وانعدام الأمن الغذائي والقيود الشديدة على السكن والخدمات الأساسية.
حصيلة التقييم
التقديرات الآتية أحكام نوعية لهذه الدراسة، وليست تصنيفات رسمية لصندوق السلام:
| البعد | المستوى التقديري | الملاحظة الحاسمة |
| السيادة والحماية الخارجية | شديد | استمرار التوغلات والضربات والأدوار العسكرية الخارجية |
| أمن السكان وحقوقهم | شديد جداً | مجازر موثقة وتورط قوات حكومية وضعف ضمانات عدم التكرار |
| التماسك الوطني | مرتفع ومتفاوت | تصدع العلاقة مع السويداء مقابل تقدم في دمج الشمال الشرقي |
| المؤسسات والمساءلة | مرتفع | تركيز الصلاحيات ومحدودية الرقابة والمحاسبة القيادية |
| المعيشة والخدمات | شديد | عجز واسع عن تغطية الاحتياجات رغم مؤشرات التعافي |
لا تسمح هذه الحصيلة بمنح سوريا مرتبة عالمية جديدة، لكنها تسمح بحكم واضح، فسوريا لم تنتقل بعد إلى وضع تتراجع فيه هشاشة الدولة بصورة مستقرة وشاملة، وقد ترافق تحسن بعض القدرات الإدارية والاقتصادية مع إخفاقات خطيرة في حماية السكان وإعادة بناء الثقة.
ورثت سلطة الأمر الواقع في دمشق القسم الأكبر من الانهيار المادي والمؤسسي، لكنها تتحمل مسؤولية مستقلة عن أفعال قواتها وخياراتها السياسية والاقتصادية، وتمثل مجازر الساحل والسويداء، وما تبعها من تصدع اجتماعي، عاملاً أضاف هشاشة جديدة إلى الإرث السابق.
وتكمن خطورة الوضع في ترابط أبعاده، فالعنف يضعف الثقة بالمركز، وتراجع الثقة يعزز البحث عن حماية محلية أو خارجية، والتدخل الخارجي يقيد استقلال القرار، فيما يقلص الفقر قدرة السكان على تحمل الأزمات، وفي الاتجاه المقابل، تستطيع استعادة الخدمات ودمج المؤسسات تخفيف بعض الضغوط، لكنها تبقى مكاسب قابلة للانتكاس ما لم تقترن بحماية متساوية ومحاسبة موثوقة.
وعليه، فإن السمة الأبرز للمرحلة هي إعادة تجميع بعض أدوات الدولة، مع استمرار ضعف الأسس التي تجعلها دولة لجميع مواطنيها، وهذا هو التفاوت الذي يحدد مستوى الهشاشة السورية اليوم، ويشكّل المعيار الأهم لمتابعة اتجاهها في المرحلة المقبلة.