هل يؤدي إلغاء قانون “قيصر” إلى تعافٍ اقتصادي وتدفّق الاستثمارات؟

حسام ميرو
صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي بالموافقة على مشروع قانون الدفاع الوطني الأمريكي “NDAA” للعام 2026.
يتضمن مشروع القانون عدداً من التعديلات التي تخص السياسة الدفاعية الأمريكية، ومن بينها تعديل خاص بإلغاء قانون “قيصر” حمل الرقم “3899”، ويحتاج إلغاء القانون بشكل نهائي إلى “مواءمة مجلس النواب (من خلال لجنة مشتركة مع مجلس الشيوخ) لإقرار المادة نفسها في موازنة وزارة الدفاع، وصولا إلى توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل نهاية العام على الموازنة الجديدة، وبالتالي دخول إلغاء قانون قيصر حيز التنفيذ”.
وإذا افترضنا أن القانون سيلغى فعلياً مع بدء العام المقبل، فإن ثمة أسئلة كثيرة تطال التأثيرات الفعلية لهذا الإلغاء على الاقتصاد السوري من جهة، وإمكانية تدفّق الاستثمارات من جهة ثانية.
بطبيعة الحال، إن التأثير المباشر سيكون على تعاملات البنك المركزي السوري، وما يرتبط بهذه المعاملات من حركة انتقال أموال من الداخل إلى الخارج وبالعكس.
الذين يعوّلون ويعلّقون الآمال على إلغاء القانون، ينطلقون من فرضية أن القانون هو حجر العثرة الأكبر على توليد دورة تعافي في الاقتصاد السوري، وبدء خروجه من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد شبه طبيعي، تسهم في بناء دورة إنتاج جديدة في البلاد بعد أن انهارت بشكل شبه كلي.
لكن، إذا أردنا أن نقوم بمقاربة منهجية لتأثير هذا الإلغاء في حال حدوثه، سيكون علينا أن نبني مقاربة تنطلق من مداخل عدة:
أولاً-النظام الإقليمي الشرق أوسطي:
يعيش هذا النظام مرحلة انتقال لا تحدث (أو ما يسمّى غياب السيناريو), هناك نظام إقليمي للأمن والاستقرار انتهى منذ سنوات، لكن لم تحدث عملية انتقال نحو منظومة أمن واستقرار جديدة، تحكمها توافقات وتفاهمات يمكن الوثوق بها بين اللاعبين الأساسيين، ولا توجد مؤشرات على اقتراب حدوث مثل هذه التوافقات والتفاهمات، فقد علمتنا دروس السنوات الأخيرة أن كل هدنة، هي مجرد استراحة بين حربين.
في هذا النظام الإقليمي، لا حاجة للكثير من التحليل للاستنتاج أن هذا النظام يعاني من هشاشة بالغة، وللخروج منها ربما سيكون علينا انتظار نتائج بعض الحروب المقبلة، أو الدخول في بوابة استنقاع، فيما لو رغبت الأطراف الأساسية أخذ استراحة لإعادة التموضع.
إسرائيل ستبدأ مرحلة ما بعد “اتفاق غزة”، وسيكون علينا الانتظار بضعة أسابيع أو أشهر لمعرفة مفاعيل هذا الاتفاق على السياسة الداخلية، فلا ريب أن هناك انتخابات قادمة، وهي الاستحقاق الذي بدأ بنيامين نتنياهو بالتحضير له، طالباً من مستشاريه الاستعداد لها، وهو يعلم بأن محاكماته لا تزال مفتوحة أمام القضاء.
ملف اليمن عموماً، وباب المندب خصوصاً، هو أحد أصعب هذه الملفات، إذ يشكل مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية للتجارة العالمية، وما زال التهديد للملاحة قائماً، ومن المؤكد أن ساحة اليمن زادت أهميتها بالنسبة لصانع القرار في طهران، بعد خسارة ساحة غزة ولبنان وسوريا.
تركيا ليست في أفضل حالاتها سياسياً واقتصادياً، وهي أيضاً على أعتاب انتخابات في العام المقبل، والصراع بين أردوغان والمعارضة على أشدّه، والاقتصاد التركي يعاني نتيجة أسباب عديدة، وكل المؤشرات الاقتصادية والتجارية والائتمانية تراجعت بشكل كبير في السنوات الماضية، وحدث انكشاف كبير لسعر الليرة التركية التي فقدت حوالي 95% من قيمتها التي كانت عليها في عام 2011، حين كان الدولار يساوي 1.69 ليرة، واليوم يساوي 41 ليرة.
ثانياً- سوريا كمثال لدولة بلا صوت:
لدينا في المنطقة اليوم عدد من الدول التي ينطبق عليها هذا التوصيف “دولة بلا صوت”، وهو تعبير عن حالة الدولة التي فقدت القدرة على التأثير في محيطها: ليبيا، السودان، اليمن، سوريا، لبنان.
هذه الدول لم تعد تؤخذ بالحسبان في سياسات الدول الفاعلة، ولا تمتلك قراراً سيادياً مستقلاً، وما تأخذه من قرارات هو صدى لموازين قوى خارجية، وليس تعبيراً عن احتياجاتها الموضوعية.
“الدولة بلا صوت”، هي بالضروة دولة تفتقد إلى قوة عسكرية قادرة على حماية سيادة البلاد، فكيف إذا كان الحال في وضع مثل سوريا، بعد أن انهارت المقومات العسكرية والمادية والبشرية لمؤسسة الجيش السوري، وما هو موجود تجميع لفصائل، لا ظروف موضوعية متاحة أمامها للتحوّل إلى جيش وطني.
كل هذه الدول التي فقدت صوتها، لم تعد تتحكم بمواردها، بما فيها ليبيا، التي يخضع نفطها لموازين القوى الخارجية، التي تنهب فعلياً القسم الأكبر من مقدرات النفط الليبي، في الوقت الذي يكاد يتمكن فيه لبنان واليمن والسودان وسوريا من البقاء من دون برامج المساعدات الأممية.
ثالثاً- المحاصصات الخارجية:
في اللحظة التي أبرمت فيها القوى الأساسية الاتفاق على تغييب بشار الأسد من السلطة، كانت سوريا مقسمة من حيث النفوذ بين أمريكا في الشمال الشرقي، وتركيا في الشمال الغربي، وروسيا في الساحل، وقد قبلت إسرائيل بهذا الاتفاق، على أن يكون الجنوب السوري حصتها، على حساب إيران الخاسرة في الملعب السوري.
إن أي تخطيط لدورة اقتصادية سورية تنشد حالة التعافي، ستواجه عقبة المحاصصة الإقليمية والدولية، وتناقض المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية فيما بينهم، والتي تحمل من التعقيد والتباين ما لا يمكن تصوّر الوصول إلى تسوية سريعة بشأن الملفات المتشابكة.
بطبيعة الحال، كانت الحرب في سوريا قد قلّصت تدريجياً قطر دائرة الإنتاج، والتي وصلت قبل هروب بشار الأسد إلى وضع كارثي، وإعادة توسيعها اليوم سيكون إلى حد كبير رهناً بمدى التوافق بين القوى المتحاصصة.
رابعاً- أي اقتصاد؟:
في المنطقة يسود بشكل عام الاقتصاد الريعي، ونموذجه دول الخليج والعراق، حيث يشكل النفط والغاز عصب العائدات المالية، بينما يعيش الأردن في حدود الكفاف الاقتصادي، والاعتماد على المساعدات الخارجية، وكذلك حال لبنان، الذي ما زال ينتظر حسم ملفات سياسية أساسية، وهو اقتصادياً مؤسس، بالإضافة إلى المساعدات الخارجية والريع السياسي، على بنية خدمية بنكية وسياحية، وقد تضررت الأولى بشكل كبير، وخسرت مصداقيتها بعد أزمة البنوك اللبنانية، كما خسرت بسبب الحروب ميزتها كوجهة سياحية.
الاقتصاد السوري تاريخياً هو اقتصاد هجين، قوامه الزراعة، والصناعات التحويلية، والتجارة، وقطاع البناء، والسياحة المحدودة، وقد وصلت مجمل هذه القطاعات إلى أوضاع مزرية، لأسباب تتعلق بتدمير البنى التحتية، ونقص الطاقة، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وغياب السياحة، ونقص حاد في الأيدي الماهرة، بعد موجات اللجوء الكبيرة للسوريين.
قطاع الزراعة يواجه منذ سنوات تحديات كبيرة وتراجع كبير في المحاصيل، خصوصاً القمح، وموجات جفاف متتالية ضربت معظم مناطق البلاد، التي تعيش اليوم أزمة مائية غير مسبوقة، مع تراجع الهطولات المطرية، ونقص الاحتياط المائي في الأحواض، وآخر هذه الكوارث وضع إسرائيل يدها على منابع المياه في الجنوب وجبل الشيخ.
أما قطاع الصناعات التحويلية، فقد عانى في الأشهر القليلة الماضية تحديات جديدة، مع تدفق البضائع التركية والصينية الرخيصة، والتي لا يمكن منافستها من حيث الجودة والأسعار، نظراً للأوضاع المزرية التي تعاني منها هذه الصناعات في الأساس.
لقد مضت حوالي عشرة أشهر على وصول السلطة الحالية إلى دمشق، لكن لم يظهر منها أي حديث حول شكل الاقتصاد في سوريا، أو أي تنظير لما يمكن أن يكون عليه توجه السوق، أو دور الحكومة في الاقتصاد، أو شكل الضريبة على الأرباح، وغير ذلك من المسائل التي تشكل بوصلة الاقتصاد في أي بلد.
خامساً- غياب المدخل الوطني:
من المؤكد أن وجود عقوبات اقتصادية ومالية على أي دولة، يحدّ من قدرة اقتصادها الداخلي، أو اندماجها بالأسواق المحيطة، أو حتى السوق العالمية، لكن العديد من الدول التي لا تخضع لعقوبات دولية، وتعيش أزمات وطنية، تعاني مشكلات اقتصادية ومالية مزمنة، وبعضها من الأفقر عالمياً.
المدخل الوطني ليس ترفاً لبناء الاقتصادات، فمن دون هذا التوافق لا يمكن لأي دولة في العالم أن تشهد انتعاشاً اقتصادياً، فكيف إذاً مع الدول التي تتفاقم أزماتها الوطنية، وترتكب فيها السلطة القائمة مجازر بحقّ المدنيين على أساس طائفي، كما جرى في الساحل والسويداء، ولا تزال الأزمة مع الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد قائمة، على الرغم من الاتفاق الموقع بين الطرفين في 10 مارس/ آذار الماضي، لكن من دون أن يدخل حيّز التنفيذ، كما أن العقبات أمامه ليست داخلية فقط، وإنما خارجية أيضاً.
لقد قلنا في مقالات ولقاءات عديدة سابقة، أن السلطة الانتقالية ضيّعت الفرصة التي كانت متاحة في الشهرين الأوليين من وصولها للحكم، حيث كان ينبغي أن تبادر إلى حوار وطني شامل وعميق وفعال وديمقراطي لمناقشة الأزمات الوطنية، والبدء بمسار واضح للعدالة الانتقالية، والكثير من الإجراءات الضرورية لمرحلة الانتقال السياسي.
سادساً- انعدام البيئة الآمنة؟
يبدو مستغرباً التهليل لموافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على إلغاء قانون قيصر، في الوقت الذي يغيب فيه منطق الدولة عن الدولة نفسها، فلا زال التوتّر الطائفي سيّد المشهد، ليس فقط في الساحل والسويداء، اللذين شهدا مجازر طائفية، بل في مناطق كثيرة من الجغرافيا السورية، خصوصاً في مدينة حمص وريفها، حيث يندر مرور يوم من دون عمليات قتل أو خطف على أساس طائفي أو للابتزاز المالي.
مفهوم البيئة الآمنة مفهوم شامل، يضم البيئة الآمنة وطنياً ومجتمعياً وقانونياً ومؤسساتياً وخدمياً، ولا يمكن الحديث عن وجود استقرار في كل ما ذكر، ففي المؤسسات توجد سلطة الشيخ، التي أصبحت المرجعية الأساس في توجيه عمل المؤسسة، واتخاذ القرارات الرئيسية، وذلك على حساب الكفاءات البيروقراطية والقوانين.
في مجال القضاء، أعاد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ما كان قد فعله الرئيس الهارب بشار الأسد، حيث مُنح الرئيس الانتقالي بحسب الإعلان الدستوري صلاحية تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، ما يفقدها نزاهتها واستقلالها.
خلاصة:
في حال دخل إلغاء “قانون قيصر” حيّز التنفيذ، فإن ذلك سيؤدي إلى انفراجات في التحويلات المالية، لكن السؤال يبقى: من أين ستأتي الاستثمارات والأموال؟
في ضوء ما تقدّم من أزمة النظام الإقليمي وعدم اليقين في إمكانية استقراره، وغياب صوت الدولة، والمحاصصات الخارجية للاحتلالات، وغياب التوجه الاقتصادي الواضح، وغياب المدخل الوطني، وانعدام البيئة الآمنة، فكل ذلك، يجعل من الترهات الحديث عن تلمّس أي تعافي اقتصادي، أو تحسّن معيشي، ومن المحتمل، عوضاً عن ذلك، أن يحدث انكشاف أكبر لمستوى الاهتراء في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتراجع أكبر لقيمة العملة الوطنية، التي سيكون عليها أن تواجه حقيقة غياب ما يسند قوّتها، فتذهب نحو تراجع سريع وكبير في قيمتها، وبالتالي تدهور آخر في انعدام القدرة الشرائية للسوريين، وتكريس حالة الفقر، التي تشمل حالياً حوالي 90% من السوريين.
