ياسين الحافظ … حين يصبح الوعي شرطاً لولادة سوريا الجديدة

في لحظةٍ سوريةٍ تتكثف فيها الأسئلة أكثر من الإجابات، ويثقل فيها الحاضر بذاكرة حربٍ لم تُغلق بعد، تعود أفكار ياسين الحافظ لتبدو وكأنها كُتبت لهذا الزمن تحديداً، لا لزمنها فقط، فالرجل الذي خرج من دير الزور إلى فضاء الفكر العربي، لم يكن يكتب ليشرح الواقع، بل ليكشف طبقاته العميقة، وليضع تجربته الفردية الخاصة كمادة للوعي، انطلاقاً من تناقضات العائلة والمدينة الأم، ومن ثم مرحلة الوعي السياسي ومساءلة دمشق كمركز سياسي ونخبتها الاقتصادية والسياسية، وتشريح بنيتها فكرياً، وقصور علاقتها بالحداثة.
الأهمية التي أولاها الحافظ لنقد الأيديولوجيا، دفعته للنظر إلى السياسة بما هي أبعد من إدارة يومية للسلطة، وإنما بوصفها تعبيراً عن بنية اجتماعية وتاريخية. ومن هنا جاءت فكرته المركزية التي تُعد مفتاح مشروعه كله: “الوعي المطابق للواقع”، أي أن أي مشروع للتغيير لا يمكن أن يقوم على وعيٍ متخيل أو أيديولوجي، بل على فهمٍ صارم لما هو كائن فعلاً، لا لما نرغب أن يكون، وبالتالي، فإن الحافظ ترك دائماً مسافة بينه وبين شعبوية المصطلحات الثورية “الوعي الذي لا يطابق الواقع يتحول إلى وعيٍ زائف، مهما بدا ثورياً”.
هذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، كانت ثورية في زمنها، ولا تزال كذلك اليوم. فهي تعني أن الخلل لا يكمن فقط في الأنظمة السياسية، بل أيضاً في أنماط التفكير التي تتعامل مع الواقع بوصفه قابلاً للتطويع وفق الرغبات الأيديولوجية.
منذ الاستقلال السوري، دخلت سوريا في مسارٍ معقد من بناء الدولة، لكن هذا البناء ظل مشدوداً إلى تناقضات عميقة بين خطاب الحداثة وبُنى اجتماعية لم تُنجز تحولها التاريخي. وهنا كان الحافظ حاداً في نقده للنخب السياسية والثقافية، التي رأى أنها أعادت إنتاج الأزمة بدل تجاوزها، فقد اعتبر أن “المجتمع المتأخر تاريخياً لا ينتج حداثته من الخارج، بل من نقد ذاته”.
هذه العبارة تختصر أحد أهم أبعاد مشروعه: أن التحديث ليس استيراداً، بل عملية داخلية مؤلمة تتطلب نقداً جذرياً للذات الاجتماعية والسياسية.
وفي سياق نقده للأيديولوجيات المغلقة، كان الحافظ يرى أن الشعارات الكبرى، ومهما كانت جذابة، تفقد قيمتها إذا لم تُختبر في الواقع، ولذلك كان يحذر من انفصال الخطاب السياسي عن شروطه المادية والاجتماعية، ومن “تحول الأيديولوجيا من أداة لتغيير الواقع إلى قناع، حين تنفصل عنه”.
لم يتوقف نقد الحافظ عند السلطة، فقد أخذ على عاتقه نقد السلطة والمعارضة معاً، من دون أن، يمنح أيّاً منهما حقّ احتكار الحقيقة، ووضع كليهما أمام معيار واحد، وهو مدى تطابق خطابيهما مع الواقع.
ومع اندلاع الحرب السورية، بدا وكأن سوريا تدخل اختباراً قاسياً لأفكار الحافظ، فقد كشفت السنوات حجم الفجوة بين الرغبة في التغيير والقدرة على فهم شروطه، وبين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي المعقد، حيث عملت السلطة ومعارضاتها المتعددة، وخصوصاً الإٍسلامية، على استخدام أيديولوجيا تقفز عن حقائق الواقع واحتياجاته، وهو ما تظهر نتائجه اليوم في حالة الخراب الوطني العام، وإعادة إنتاج السلطة على نحو استبدادي.
كان للحافظ موقف نقدي حذر من الادعاءات الأخلاقية التي تملأ القاموس السياسي العربي، واعتبر أن هذا الخط يمثل حالة أخلاقوية، أي أنه انحراف عن الوظيفة الأساسية، وتلطى خلف الأخلاق لإخفاء الضعف في الرؤية السياسية من جهة، وإخفاء الطابع الانتهازي من جهة ثانية، فالحافظ لم يعتبر أن النقد مجرد موقف أخلاقي، لكنه بالأساس “شرط تاريخي لبناء الحداثة”.
وفي محاولته لكشف مدى تطابق وعي النخبة مع الحداثة، وضع الحافظ معياراً أساسياً مرتبطاً بالموقف من المرأة والطفل، إذ لا يستوي الزعم بالانتماء إلى الحداثة مع موقف ذكوري استعلائي من المرأة، أو موقف تربوي متخلف في العلاقة مع الطفل، فمن أهم منجزات الحداثة عموماً، والدولة الحديثة خصوصاً، تحول المرأة إلى مواطن شريك ومسؤول، وإيلاء التربية مكانة أساسية في إنشاء أجيال تمتلك وعياً نقدياً، يؤهلها للقيام بأدوار مستقبلية تقدمية على المستويات كافة.
خلال مسيرة حياة قصيرة نسبياً عاشها الحافظ (1930- 1978)، اشتبك الحافظ مع الفكر السياسي تأليفاً وترجمة وممارسة، فقد ترك لنا عدداً من الكتب النقدية التي لا تزال ذات أساس نظري راهن إلى حد كبير، وفي مقدمتها كتابه “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة”، و”اللاعقلانية في السياسة العربية”، و”التجربة التاريخية الفيتنامية”، وغيرها، بالإضافة إلى ترجمة عدد من الكتب عن الفرنسية، من بينها “التخلف والتنمية في العالم”، ومأزق العالم الثالث”، و”الإسلام في عظمته الأولى”، وكتب أخرى، كما انخرط الحافظ في التجارب السياسية القومية والماركسية، وأسهم مع رفاقه في تأسيس حزب العمال الثوري العربي، وكتابة عدد من الوثائق السياسية.
إن الاحتفاء بياسين الحافظ وتجربته الفكرية تفرضها اليوم التجربة السورية، التي تخلو إلى حد كبير من الاشتباك النقدي مع الفكر والواقع، فيما يشبه الانتكاس عن تجارب تأسيسية عديدة، بما فيها تجربة ياسين الحافظ، بالإضافة إلى تراجع النخب عن الدفاع عن الدولة الوطنية الديمقراطية، لمصلحة تسويات فكرية هشة مع الواقع والسلطة الحاليين.
