التقرير السياسي لشهر يونيو/ حزيران 2026 …. الاتفاق الأمريكي–الإيراني وتداعياته على النظام الدولي والإقليمي من أوروبا إلى سوريا

مقدمة:
شهدت الأيام الأخيرة تطوراً مفصلياً تمثل في إعلان واشنطن وطهران التوصل إلى اتفاق وقف شامل للعمليات العسكرية، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي البحري المفروض على إيران، والشروع في مفاوضات تفصيلية بشأن البرنامج النووي الإيراني والملفات الأمنية الإقليمية، حيث ستمتد المفاوضات لمدة 60 يوماً، بهدف الوصول إلى صيغة شاملة ودائمة.
وفي قمة الدول السبع التي عقدت في فرنسا، كان هناك ترحيب كبير بهذه الخطوة الكبيرة، مع دعوة إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وحثّ الطرفين على خوض مفاوضات لإنهاء الحرب، حيث يأمل الأوروبيون بشكل خاص أن تنتهي الضغوط التي واجهوها بسبب هذه الحرب.
الترحيب الدولي والإقليمي بوصول واشنطن وطهران إلى اتفاق فيما بينهما، كان له وقع معاكس في إسرائيل، خصوصاً مع شمول الاتفاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وعدم تواجدهم على طاولة التفاوض، وحدث تنديد واسع بالاتفاق من قبل أعضاء في الحكومة والمعارضة، حيث وجد الجميع في إسرائيل أنفسهم في مواجهة خيار ترامب، الذي لا يأخذ، من وجهة نظرهم، مصالح أمنهم القومي.
أولاً- الاتفاق الأمريكي الإيراني والإقرار بمكانة ودور استراتيجيين لطهران
مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، بما تمتلكه من أهمية داخلية للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وللرئيس دونالد ترامب شخصياً، توصلت واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم بينهما، تنتهي بموجبها العمليات العسكرية من قبل الجانبين، وتنهي القوات العسكرية بموجبها الحصار البحري على إيران، بينما ترفع طهران الإغلاق عن مضيق هرمز، وتقوم بإزالة الألغام، مع إشراف من قبل إيران وسلطنة عمان على حركة الملاحة في المضيق، كما تضمن الاتفاق شمول وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، في الوقت الذي سيتلو فيه التوقيع على الاتفاق مفاوضات لمدة 60 يوماً، تشمل الملف النووي الإيراني بشكل خاص.
ما كان معلناً من أهداف أمريكية إسرائيلية لهذه الحرب، لم يتحقق منه أي شيء، بل على العكس من ذلك، فعلى الرغم من الخسائر الإيرانية الكبيرة، ابتداءً من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وعدد لا يستهان به من قيادات الصفّ الأول العسكريين والسياسيين، والأضرار المادية والبشرية، إلا أن إيران أحرزت مكاسب استراتيجية عديدة، في حرب لم تبدأها، وأبرز تلك المكاسب الاستراتيجية:
1- التأكيد على أن النظام الإيراني، وعلى خلاف العديد من دول المنطقة، ليس مبنياً على “القائد” الواحد، وإنما على مؤسسات حديثة ومتجذرة في آليات عملها البيروقراطية، وقادر على تجاوز صدمات كبرى، كما حدث في اغتيالات اليوم الأول من الحرب.
2- أظهرت أن تعويل أمريكا أو غيرها على التناقضات الداخلية لم يكن في محله، فلم يتحقق لواشنطن وتل أبيب ما توقعتاه من أن تحرّك ضرباتهم الشعب الإيراني لإسقاط النظام.
3- تكريس إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوز مصالحها وإرادتها السياسية وتحالفاتها في المنطقة.
4- استعادة الأموال المجمدة في الخارج جراء العقوبات، ورفع العقوبات عن تصدير النفط.
5- إنشاء صندوق للإعمار والتنمية، كتعويض عن أضرار الحرب، ومن المؤكد أن من سيقوم بدفع الأموال هي دول الخليج.
6- كشفت عن قدرة كبيرة في خوض حرب على جبهات عديدة في الوقت نفسه.
7- كشفت عن محدودية الدور الذي تقوم به القواعد الأمريكية العسكرية في حماية دول الخليج.
8- كشفت أيضاً عن وهم أن تكون إسرائيل قادرة على حماية من يتحالف معها من دول المنطقة.
ثانياً- أوروبا والحرب الروسية الأوكرانية بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني
تشير أجواء قمة الدول السبع إلى لحظة إعادة ضبط استراتيجية غربية أكثر من كونها مجرد اجتماع دوري. فالتصريحات الصادرة عن القادة، وخاصة توافقهم على أن “روسيا لا تنتصر في الحرب”، تعكس تحوّلاً مهماً في الثقة الغربية بقدرة أوكرانيا على الصمود، بل وربما تحسين موقعها التفاوضي. هذا المناخ التفاؤلي لم يكن منفصلاً عن المتغير الجديد: التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، التي خففت الضغط الجيوسياسي على الغرب وسمحت بإعادة تركيز الاهتمام على أوكرانيا.
في هذا السياق، بدا واضحاً أن أوروبا تعاملت مع الاتفاق الأمريكي–الإيراني بوصفه فرصة مزدوجة. فمن جهة، هو عامل استقرار في أسواق الطاقة، مع توقع انخفاض الأسعار بعد إعادة فتح طرق الإمداد في الخليج، وهو ما أشار إليه القادة ضمنياً عند بحثهم ملف العقوبات النفطية على روسيا. ومن جهة أخرى، فإن الأوروبيين أبدوا حذراً سياسياً من الاتفاق نفسه، خصوصاً بعد تهميشهم النسبي في صياغته، ما دفع باريس وبرلين ولندن إلى المطالبة بضمانات “اتفاق قوي” وعدم الاكتفاء بترتيب هش. هذه الازدواجية تعكس توجهاً أوروبياً جديداً: الاستفادة من الاتفاق من دون التسليم بقيادة أمريكية مطلقة لمساراته.
أما على مستوى الحرب الروسية–الأوكرانية، فقد أظهرت القمة أن الاتفاق مع إيران أدى عملياً إلى تحرير القرار الغربي من قيود سوق الطاقة. خلال مرحلة التصعيد في الشرق الأوسط، كانت هناك حسابات دقيقة لتجنب رفع أسعار النفط بشكل كبير، ما فرض نوعاً من المرونة تجاه الصادرات الروسية. لكن مع التهدئة، عاد الحديث بقوة عن تشديد العقوبات على قطاع الطاقة الروسي وإغلاق الثغرات، وهو ما أكدته نقاشات القادة حول استهداف النفط والبنوك والصناعات العسكرية الروسية.
في الوقت ذاته، كشفت القمة عن تقاطع مثير بين مساري الحرب والتسوية. فبينما تم الإعلان عن عقوبات إضافية ودعم عسكري متزايد لأوكرانيا، كان هناك ضغط أوروبي واضح على واشنطن للدخول في دور الوسيط بين كييف وموسكو، بل والدعوة إلى استضافة مفاوضات مباشرة. هذا يعكس إدراكاً أوروبياً بأن لحظة “التوازن غير الحاسم” في الحرب، مع تراجع الضغط في الشرق الأوسط، قد تكون مناسبة لفتح نافذة سياسية قبل الشتاء.
الأهم أن القمة أظهرت عودة الانسجام عبر الأطلسي بعد فترة من التباينات، حيث بقي الرئيس الأمريكي حتى نهاية الاجتماعات وأبدى انفتاحاً أكبر على دعم أوكرانيا، تحت ضغط أوروبي منسق. هذا الانسجام لم يكن ليحدث بنفس القوة لولا الاتفاق مع إيران،
لكن، في المقابل، أظهرت مداولات القمة أن هذا التأثير للانفراج الذي حققه الاتفاق لا يزال محكوماً بعاملين حاسمين، وهما مدى صلابة الاتفاق مع إيران واستمراريته، واستعداد واشنطن للانتقال إلى دور أكثر فاعلية وضغطاً في الملف الأوكراني.
ثالثاً- الإقليم وإعادة تقييم موازين القوى والحسابات
تلقت دول الخليج العربي ضربات عسكرية طالت، في معظمها، قواعد أمريكية وأصولاً نفطية، لكن الضربة الكبرى كانت سياسية بامتياز، فتعويل بعض دول الخليج على أن تفضي الحرب إلى إسقاط النظام الإيراني، انكشف بأنه وهم كبير، يشير إلى نقص في الرؤية الاستراتيجية، وعدم معرفة دقيقة بطبيعة الجار الإيراني.
من الواضح أن المقصود بإنشاء صندوق لتعويض إيران، يختص بإعادة الإعمار والتنمية، هم دول الخليج، الذين سيمولون هذا الصندوق، فلا أمريكا ولا إسرائيل ستساهمان مالياً فيه، أي أن دول الخليج المعنية ستدفع تكلفة استخدام أمريكا لقواعدها في الخليج كمنصة لانطلاق عملياتها العسكرية ضد إيران.
هذا الواقع الجديد، وبغض النظر عن وجود قدر لا بأس به من عدم اليقين حول مسار التفاوض الأمريكي الإيراني، فإن دول الخليج ستعيد حساباتها الاستراتيجية تجاه عدد من القضايا في المنطقة، انطلاقاً مما ستكرسه نتائج الحرب.
في إسرائيل، كانت ردة الفعل غاضبة من إبرام واشنطن للاتفاق، على المستوى الرسمي وعلى مستوى المعارضة، فحكومة بنيامين نتنياهو مشمولة بالاتفاق الذي لم تشارك فيه، وهي ستكون أمام خيارين: أن تلتزم بوقف عملياتها العسكرية في لبنان، أو خرق الاتفاق، الأمر الذي ستكون له تبعات سيئة في العلاقة مع واشنطن، وتحديداً مع الرئيس ترامب، الذي حمّل نتنياهو قسماً كبيراً من مسؤولية فشل الحرب في تحقيق أهدافها.
في لبنان، التي حاولت حكومتها، ولا تزال، المضي باتفاق سلام مع إسرائيل، تبدو مضطرة للاعتراف بأن من أوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، ليس مسعاها التفاوضي، وإنما إيران التي أصرت على بند وقف إسرائيل أعمالها العسكرية في لبنان، الأمر الذي يعني لبنانياً أن تعويل أطراف عديدة على أن تفضي الحرب الأخيرة إلى سحب سلاح “حزب الله”، لم يكن سوى رغبة غير مبنية على الحقائق الاستراتيجية.
رابعاً- سوريا بين تحولات الإقليم وتدهور الداخل
اتخذت سلطة الأمر الواقع حالة الحياد تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، نظراً لحالتها الهشة من جهة، ونظراً لوجود ممانعة تركية من أن تظهر السلطة انحيازها إلى الجانب الأمريكي من جهة ثانية، كما أوضح رئيس هذه السلطة أنه ليس في وارد قواته الانخراط بأية عمليات عسكرية في لبنان.
لكن نتائج الحرب، وما سيتمخض عن الاتفاق، وانعكاساته على دول الخليج وعموم المنطقة، خصوصاً على المستويين الاقتصادي والمالي، سيكون له تأثيرات مباشرة على الوعود الاستثمارية التي أشيعت خلال الأشهر الأخيرة، في الوقت الذي تظهر فيه السلطة عاجزة عن تأمين مقومات الاستقرار الاقتصادي والمالي والمعيشي للسوريين.
آثار الحرب وزيادة حدة انكشاف هشاشة الوضع الاقتصادي، بدأت تنجلي في مفاصل اقتصادية ومالية أساسية، فقد عاودت العملة الوطنية الهبوط من جديد أمام العملات الأجنبية، وقد وصل سعر صرف الدولار إلى أكثر من 14.300 ل.س، وهو ما كان عليه تقريباً لحظة انهيار سلطة بشار الأسد، مع الأخذ بالحسبان تضخم الأسعار، وتراجع القيمة الشرائية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان سعر ربطة الخبز في الأيام الأخيرة لنظام بشار الأسد 400 ل.س، واليوم أصبحت 4000 ل.س، وهو ما يعني عملياً أن القيمة الفعلية للعملة الوطنية باتت أقل بكثير مما كانت عليه في الأيام الأخيرة لسلطة الأسد.
في الشهر الأخير، تواصلت الاحتجاجات الشعبية، ودخل العمال في دمشق على خطّ هذه الاحتجاجات، فقد نظم عمال بعض المعامل وقفات احتجاجية على عدم شمولهم بالزيادات التي حصل عليها موظفو القطاع الحكومي، حيث دأبت الحكومات السورية المتعاقبة على إلزام القطاع الخاص برفع الرواتب مع كل زيادة تطال القطاع العام، وهو ما لم تقم به حكومة سلطة الأمر الواقع في دمشق، وقد علّل بعض أصحاب المعامل عدم زيادة الرواتب بتراجع القدرة التنافسية لمنتوجاتهم أمام المنتوجات التركية التي تغزو الأسواق السورية.
كما شهدت بعض مناطق البلاد حالات توتر أمني، إثر قيام مجموعات محلية بالهجوم على أفراد وعائلات محلية، بدعوى أنهم من “شبيحة النظام البائد”، وهو ما يوضح حالة الفشل الذريع لمسار العدالة الانتقالية، خصوصاً أن سلطة الأمر الواقع أعادت إشراك عدد من كبار تجار وشخصيات النظام في إدارة ملفات اقتصادية وأمنية حساسة بحجة حصولهم على تسويات.
خامساً- رأي الحزب
يرى الحزب الدستوري السوري أن مجمل التطورات الإقليمية والدولية خلال هذا الشهر تؤكد دخول المنطقة مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، تقوم على التسويات الواقعية لا على الحروب المفتوحة، وعلى الاعتراف بالفاعلين الحقيقيين لا بمحاولات تجاوزهم، وهو ما يفرض على السوريين إعادة صياغة مقاربتهم للداخل والخارج على أسس سياسية واقتصادية جديدة.
وانطلاقاً من ذلك، يخلص الحزب إلى الاستنتاجات التالية:
1- إن الاتفاق الأمريكي الإيراني يمثل تحولاً استراتيجياً يؤسس لمرحلة إقليمية جديدة، وإعادة نظر لطبيعة التحالفات والعلاقات التي كانت قائمة قبيل الحرب.
2- إن أوروبا تتجه نحو دور أكثر استقلالية، لكنها لا تزال ضمن الإطار الاستراتيجي الغربي، مع تركيز متزايد على إنهاء الحرب في أوكرانيا.
3- إن نتائج الحرب الأخيرة كرّست إيران كفاعل إقليمي رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة.
4- إن دول الخليج مقبلة على مراجعة عميقة لخياراتها الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقاتها الأمنية وتحالفاتها الإقليمية.
5- إن إسرائيل تواجه أزمة استراتيجية حقيقية تتعلق بحدود قدرتها على فرض رؤيتها الأمنية خارج إطار التوافق مع واشنطن.
6- إن الواقع السوري مرشح لمزيد من التدهور في ضوء التحولات الإقليمية الجارية، بالإضافة إلى حالة انكشاف متزايدة لسلطة الأمر الواقع في فشلها في إدارة جميع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والمعيشية، ما يعني فعلياً تفاقم مظاهر الفقر، وزيادة الاحتجاجات الشعبية، والاضطرابات أمنية، التي قد تسعى السلطة إلى إشعالها للتغطية على سوء الأحوال المعيشية والاقتصادية، وإظهار أولوية الضبط الأمني على غيره من الأولويات.