رأي

عن الهوة بين “السلطة” والمجتمع والاحتمالات الكارثية

عمر المختار ونوّس

لم تتوقف فئات عدة من المجتمع السوري عند تاريخ وممارسات المجموعة التي وصلت إلى السلطة في البلاد، بل ومنحت هذه السلطة تأييدها، نظراً لما عانته البلاد خلال سنوات الحرب، وعقدت الفئات المؤيدة آمالها على حدوث تحولات تفضي إلى تحقيق طموحاتها في العديد من المناحي الأساسية، مثل تحقيق العدالة الانتقالية، وانفتاح النظام السياسي على المشاركة والتعددية، وتمكين الناس من استعادة حقوقهم، خصوصاً من تهجروا من بيوتهم وبلداتهم، والقضاء على الفساد، وإحداث نقلة في الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وقد ساهمت تصريحات بعض رجالات “السلطة” في رفع سقف هذه التوقعات، خصوصاً تلك التي بشّرت بنقلة نوعية تجعل البلاد أقرب إلى نموذج “سنغافورة”.

لكن تلك الآمال أخذت تتبخر بسرعة، إلى أن وصلت “السلطة” إلى حالة من الانكشاف، فمن عوّل من السوريين على أن يكون انهيار سلطة بشار الأسد مقدمة لمسار يقرّ الديمقراطية كأساس للنظام السياسي، يجد أن هذه السلطة مضت في اتجاه معاكس تماماً، خصوصاً مع الإعلان الدستوري الذي منح رئيس السلطة الانتقالية سلطات شبه مطلقة، وأعاد مركزة القرار بيد السلطة التنفيذية، ووجود حالة  تأخير متعمد في مأسسة الحياة السياسية والتمثيلية، واعتماد مبدأ التعيين بدل الانتخابات، وهو ما يثير قلق المجتمع السوري الذي يطالب بتمثيل حقيقي وفعّال قائم على مبدأ الكفاءة لا الولاء. بالإضافة إلى أن التطلعات نحو بناء حياة سياسية سليمة، والقيود الحالية المتزايدة التي تمنع وتضيق على الأنشطة الحزبية والمدنية المنظمة بحجة عدم وجود القوانين الناظمة لها يثير مخاوف جزء كبير من المجتمع من عودة إنتاج منطق القوة ومركزية السلطة المطلقة، وإعادة إنتاج النظام القديم بآليات ضبط أمنية متشددة بشكل أكبر.

وعلى الرغم من سعي سلطة الأمر الواقع لإظهار نفسها أمام السوريين والمجتمع الدولي بشكل عام، أنها منفتحة على التغيير والمشاركة وتسعى إليهما، إلاّ أن هذه المحاولة المشوهة تتميز بوجود أزمة ثقة مع بقية أطراف المجتمع وخصوصاً بعد سلسلة من المجازر الدامية قامت بها السلطة والفصائل المتحالفة معها، ساهمت في إغلاق قنوات الحوار مع السويداء،  وحرمان أكثر من أربعمائة وخمسون ألف مواطن من حقوقهم في المشاركة والاندماج، يضاف إليها حرمان ومنع أكثر من ثلاثة عشر ألف طالب من طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية من حقهم في التعليم، وجعلت تلك القنوات أيضاً تراوح مكانها وسط تصاعد خطاب الكراهية تجاه العلويين، بالإضافة إلى أن اتفاقات دمج “الإدارة الذاتية” وقوات “قسد” في هياكل الدولة ومؤسساتها المركزية، يشوبها خلافات عميقة حول شكل اللامركزية وآليات الإدارة، ما فرض تحديات مستمرة على طاولة التفاوض وسط خلافات جوهرية حول قضايا خدمية وتعليمية وإدارية سيادية.

كما أن غياب رؤية واضحة للمصالحة الوطنية الحقيقية وعدم تبني خارطة طريق لملف العدالة الانتقالية والمساءلة والمحاسبة الشاملة يعيق رأب الصدع الاجتماعي الذي خلفته سنوات الحرب وقبلها عقود من القمع والديكتاتورية، بالإضافة إلى تعويم مجرمي الحرب وعدم ملاحقة المتورطين بالانتهاكات من كل أطراف النزاع، يجعل من الشعب السوري لا يرى في سلطة الأمر الواقع إلاّ تجسيداً وامتداداً حقيقيان لنظام الأسد، وبالتالي عدم الثقة أبداً بالوعود التي تطلقها تلك السلطة.

كما تتمثل الهوة الاقتصادية بين السلطة الانتقالية في دمشق والمجتمع السوري في التباين العميق بين الطموحات والأرقام التنموية الكلية الموعودة من قِبل السلطة، وبين الواقع المعيشي القاسي واليومي الذي يكابده المواطن السوري على الأرض، وتتضح أبعاد هذه الهوة الاقتصادية من خلال صدمة الأرقام الكلية مقابل الواقع المعيشي، إذ أعلنت سلطة الأمر الواقع عن موازنة عام 2026 حيث بلغت 10.5 مليار دولار (بزيادة خمسة أضعاف عن موازنة 2024)، ومع ذلك يشتكي المجتمع من أن هذه الأرقام لم تترجم بعد إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة اليومي، وأنها غير واقعية قياساً بالواقع الاقتصادي القائم، وبالقدرة الشرائية التي تتراجع بشكل كبير ويومي للمواطن السوري.

وعلى الرغم من إقرار “السلطة” لزيادات على أجور القطاع العام بنسب تراوحت ما بين 200% و400%، بالإضافة إلى الزيادات والمكافآت النوعية، إلاّ أن الرفع المتواصل للرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة لتغذية جيوب المتنفذين من السلطة والصندوق السيادي، وارتفاع أسعار السلع يبتلع هذه الزيادات فوراً، مسبباً خيبة أمل شعبية واسعة، ستؤدي إلى انفجار اجتماعي غير منظم أو موجه بدأت بوادره بالظهور في عدد من المدن والبلدات السورية، كما أن التوجه نحو الخصخصة ونموذج اقتصاد السوق مع الحد من دور الدولة  وتقليص حجم الإنفاق على القطاع العام، والاعتماد على قوى السوق الحرة، كل هذه السياسات تثير مخاوف لدى الشرائح الفقيرة والمتوسطة (والتي تشكل الأغلبية الساحقة) من الرفع المباشر والفوري للدعم عن المواد الأساسية والسلع والخدمات، ما يعزز الفجوة الطبقية بين نخبة المستفيدين وعامة الشعب، بالإضافة إلى أن أولويات الاستثمار اتجهت نحو القطاعات الأكثر والأسرع ربحية كالعقارات والسياحة والخدمات المالية لتحقيق عوائد سريعة، حيث أن أسعار الشقق السكنية في مشروع “يعفور 963” المعلن عنه تبدأ من 300 ألف دولار، في بلدٍ يتقاضى فيه الموظف بين 80 و125 دولار شهرياً، ويعيش حوالي 90% من سكانه تحت خط الفقر، وهو ما يعيد للأذهان عملية إعادة إعمار بيروت من خلال “سوليدير” رفيق الحريري التي كانت موجهة لخدمة الأغنياء وأمراء الحرب مع تجاهل متعمد لملفات الزراعة والصناعة والتجارة، ما أدى لانفجار 2019 الذي أخذ معه كل شيء فانهارت العملة بشكل كبير وتبخرت على إثرها مدخرات المودعين اللبنانيين، وهذا المثال تحديداً ينطبق وبشكل كبير على عملية استبدال وانهيار العملة السورية التي تعتبر أكبر عملية احتيال مالي تعرض لها الشعب السوري.

كما أن الإهمال المتعمد لمطالب التجار والمزارعين والصناعيين لدعم المنتج الوطني وتوجيه الدعم المباشر للقطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعات التحويلية لتوفير فرص عمل حقيقية وخفض تكاليف الإنتاج المحلية عوضاً عن استيراد المواد الجاهزة، أدى إلى تغلغل المنتجات التركية وغزوها للأسواق السورية على حساب المنتج المحلي، بالإضافة إلى إعطاء الأولوية للمستثمر والتاجر والصناعي التركي على حساب المستثمر والتاجر والصناعي السوري، وهو ما يبقي دورة الإنتاج السورية في حالة من الضعف والهشاشة، التي ستبقي الفجوة الطبقية قائمة وتدفعها نحو وضع أكثر مأساوية. 

قياساً إلى المفاهيم والوسائل التي تبنتها “السلطة” فإن الفجوة القائمة بينها وبين المجتمع في اللحظة الراهنة تبدو نتيجة طبيعية لمسار “السلطة” في معالجتها المشوهة لمختلف الأزمات الوطنية، وهو ما يضع مسألة شرعية “السلطة” من جديد على طاولة النقاش، ويفتح البلاد أمام احتمالات سياسية عديدة، قد تكون بعضها ليست أقل كارثية مما شهده السوريون خلال سنوات الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق