ملايين الدولارات على المنصات … أين ذهبت تبرعات السوريين؟

(حَدْس) – هيئة التحرير:
من حمص ودرعا ودير الزور وريف دمشق، إلى إدلب وحماة وحلب، نُظمت “السلطة” احتفالات واسعة، وأقيمت مزادات علنية، وظهرت على الشاشات أرقام تبرعات تتصاعد بسرعة، بحضور وزراء ومحافظين ومسؤولين، وبمشاركة مباشرة أو عبر الاتصال المرئي من رئيس سلطة الأمر الواقع أحمد الشرع.
وفي ختام كل حملة، كان يُعلن رقم ضخم باعتباره حصيلة ما “جمعته” المحافظة لإعادة بناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه. لكن الأرقام التي ملأت الشاشات لم تكن، في معظمها، أموالاً دخلت إلى حسابات الحملات، بل خليطاً من السيولة المدفوعة، والتعهدات المؤجلة، والمشروعات التي كانت منظمات قد قررت تنفيذها سابقاً، ومساهمات حكومية من المال العام، وتبرعات عينية قُدّرت قيمتها مالياً، فضلاً عن وعود لم تُسدَّد حتى الآن.
مليار دولار… على الورق
رصدت صحيفة «الثورة السورية» عشرين حملة تبرع بلغ مجموع ما أُعلن فيها نحو مليار و23 مليون دولار. وجاءت “حلب ست الكل” في الصدارة بنحو 426.9 مليون دولار، ثم “فداء لحماة” بنحو 211.25 مليوناً، و”الوفاء لإدلب” بأكثر من 208 ملايين، و”ريفنا بيستاهل” في ريف دمشق بـ 76 مليوناً، و”أبشري حوران” بنحو 44.3 مليوناً، و”دير العز” بـ 29 مليوناً، و”السويداء منّا وفينا” بنحو 14.6 مليوناً، و”أربعاء حمص” بنحو 13.4 مليون دولار.
كما أعلنت حملات أصغر في الأرياف جمع نحو 47.7 مليون دولار، بينها “فزعة منبج”، و”فجر القصير”، و”باب الخير”، و”كرمى لعيونك بنش”، و”أربعاء الرستن”، و”وفاء لكفرنبل” وغيرها.
هذه الأرقام توحي بأن السوريين تمكنوا خلال أشهر قليلة من توفير أكثر من مليار دولار، وهو مبلغ يفوق موازنات قطاعات حكومية كاملة. لكن البحث في مكونات هذه “الحصيلة” يكشف أن الرقم لا يعبر عن الأموال الموجودة فعلياً، وإنما عن قيمة كل ما قيل على المنصات أو سُجل في أوراق التعهدات، سواء دُفع أم لم يُدفع.
إدلب: 208 ملايين والمحصّل نقداً نحو 5%
تقدم حملة “الوفاء لإدلب” المثال الأكثر وضوحاً على الهوة بين الرقم الإعلامي والمال الحقيقي. فقد أعلنت الحملة جمع أكثر من 208 ملايين دولار خلال ساعات، لكن المدير التنفيذي للحملة أحمد شحادة أقر لاحقاً بأن نسبة التحصيل الفعلي من الأموال النقدية بلغت نحو 5% فقط. وهذا يعني أن السيولة التي وصلت فعلياً تعادل قرابة 10.4 ملايين دولار من أصل 208 ملايين معلنة.
حمص: متبرعون اعتذروا وآخرون توقفوا عن الرد
تظهر حملة “أربعاء حمص” جانباً آخر من المشكلة. فقد بلغ الرقم المعلن نحو 13.4 مليون دولار، موزعاً بين مشروعات تتولاها منظمات، ومشروعات تعهد بها رجال أعمال، وتبرعات مباشرة.
وبحسب إدارة الحملة، بلغت التبرعات المباشرة قرابة 5.88 ملايين دولار، لكن ما وصل منها في مرحلة إعداد التقرير لم يتجاوز 1.6 مليون دولار. كما تأخرت مبالغ قادمة من الخارج، في حين لم تصل تعهدات أخرى بسبب اعتذار أصحابها أو تجاهلهم الاتصالات.
دير الزور: مشاريع قديمة وأموال حكومية داخل الرقم
في حملة “دير العز”، ظهر رقم أولي بلغ 32 مليون دولار، قبل أن يُخفض إلى 29 مليوناً بعد استبعاد تعهدين بقيمة ثلاثة ملايين دولار. لكن تركيب الرقم النهائي يطرح مشكلة إضافية، فمنه عشرة ملايين قدمتها وزارة المالية، أي إنها أموال عامة وليست تبرعات مجتمعية، و12 مليوناً تعهدات منظمات، بعضها مرتبط بمشروعات قائمة أصلاً.
التبرع باعتباره استعراضاً للولاء
تحولت المزادات والبثوث المباشرة لإعلان التبرع إلى فعل سياسي علني، حيث يظهر رجل الأعمال أمام المسؤولين والجمهور، يعلن رقماً كبيراً، ويحصل فوراً على مكانة اجتماعية وإعلامية، قبل أن يدفع المبلغ فعلياً، وبذلك تصبح منصة التبرع مكاناً تختلط فيه الدعاية السياسية بمحاولات تبييض الصورة.