الانتهاكات المستمرة للحريات العامة والخاصة
هوازن خداج
لم تكن مطالب الحرية والكرامة والعدالة، قبل 15 عاما، بترابطها وضرورتها للتخلص من الاستبداد، أمرا عابرا في حياة السوريين/ات، إلا أن تحول الحراك إلى حرب مدمرة، تلاها تسليم البلاد لسلطة انتقالية تعيد تشكيل السياسة والمجتمع بما يتناسب مع تصوراتها للدولة والمجتمع، جعل تلك المطالب الشعبية بعيدة عن التحقق. فما يعيشه السوريين/ات الآن هو سلسلة من هدر الكرامات وتغييب العدالة واستخدام العنف المباشر والموجه طائفيا. إضافة للانتهاكات المستمرة للحريات العامة والخاصة سواء عبر القمع المباشر أو من خلال التوجه نحو هندسة تفكير الناس بين الممنوع والمسموح، أو الحرام والحلال بمفهومها الديني والثقافي، وبما تعنيه من استلاب للحريات وابتعاد عن أدبيات الاجتماع المدني المعاصر، وتأسيس دولة حداثية لكل المواطنين/ات، تتعالى على العرقيات والأديان، وكل أشكال الاستبداد.
اتجهت السلطة الانتقالية منذ استلامها دفة الحكم في سوريا إلى فرض نفسها كقوة أمر واقع، تسعى للسيطرة على الدولة والمجتمع بعيدا عن التشاركية والتعددية التي تشكل جوهر الحرية في الادبيات السياسية، وبدل السعي لبناء عقد اجتماعي شامل جرى تأطير العلاقة بين الشعب وفقًا للانتماءات الدينية- الطائفية، وفرض السيطرة على المجال العام وفقا للأيديولوجية الطائفية الحاكمة، وذلك من خلال تمسكها بالبنية الفكرية الدينية المذهبية، واستنادها على مجموعة الموالين لها ورجال الدين “الشيوخ” في كافة مفاصل الدولة من الجيش والامن إلى القطاعات العامة وتسيير شؤون الناس. بما يعنيه من سيطرة على المجال العام وفرض التعبئة الأيديولوجية. وجرى استكمالها في الإعلان الدستوري واحتكار السلطة ووضع السلطات العامة (القضائية والتنفيذية) بيد الرئيس الانتقالي والسيطرة عليها من قبله، بما تمثله من إعادة انتاج الاستبداد، وانتفاء استقلال القضاء باعتباره الضمانة الأساسية لحماية الحريات العامة والشخصية في الحياة الحديثة والمعاصرة، إضافة الى تغييب الرقابة على السلطات وفتح المجال أمام تغول السلطة التنفيذية على إطلاق يدها في سن القرارات التي تنتهك حقوق وحريات المواطنين/ات.
وفي ظل غياب القانون الضامن والحامي للحريات ككل بعيداً عن الاستلاب باسم دين ما أو لصالح فئة ما أو مكون ما، أو إيديولوجيا ما، فإن نصوص الإعلان الدستوري حول الحقوق والحريات، لا تتعدى كونها مواد يمكن الانقضاض عليها، وهو ما جرى تنفيذه مع حالات القتل المتكررة التي ارتكبها من يدورون في فلك السلطة الانتقالية، والمجازر والانتهاكات المستمرة بحق الطوائف الأخرى، وتعزيز مجالات العنف المنفلت، وغياب الحماية للأفراد. إضافة إلى ممارسة الإلزام والإكراه، وفرض خطاب واحد على المجتمع، وهي جميعها تلغي كافة الحقوق المفترض أن تكفلها الدولة وتلغي معنى الحرية، فالحرية الحقيقة لا تنمو في العزلة إنما في المجال العام والتواجد معاً.
إن معنى الحرية الحقيقي يقوم على الولوج إلى الحياة العمومية والمشاركة في الشؤون العامة. وبالتالي فإن منع التشاركية وتحويل الفضاء السياسي من مجال للتعدد إلى أداة للهيمنة، يتماشى مع تحويل الأفراد لتابعين ومستعبدين، باعتبارها الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في مجتمعات أخضعت منذ عقود لتكون امتداداً سياسياً لمن يمتلكون القوة والسلطة، بحيث تسهل تعبئتهم وقيادتهم كقوى قسرية اجتماعية، ليقفوا في وجه المنادين بالحقوق وبالحريات، والقوى القادرة على الوقوف بوجه التسلط، بدل أن يعاد تنظيمهم على أسس المواطنة التي تحدد علاقة الأفراد ببعضهم وعلاقتهم بالدولة وترتكز على الحقوق والحريات العامة التي تعمدت السلطة الانتقالية مصادرتها لصالح تعزيز الانقسامات والصراعات الدينية والطائفية والاثنية والمناطقية، وتنمية بناءات ما قبل الدولة، بحيث يصبح العنف والقمع لغة سياسية، تمهّد طريق السلطة الانتقالية للاستيلاء على الدولة.
وفيما يتعلق بالحريات الخاصة، فلطاما كانت دعوات الحرية ومطالب المشاركة السياسية والتعددية في سوريا تتعلق بتأمين المجال العام، إلا أنه منذ استلام السلطة الحالية فقد بات تأمين المجال الخاص والحريات الشخصية من الانتهاك أمراً عسيراً، حيث شهد الشارع السوري كمّاً كبيراً من الاعتداءات المتكررة على الحريات الشخصية، التي جرى ردها في البداية إلى أنها أعمال فردية لعناصر غير منضبطة، رغم أن تكرار هذه التدخلات التي اتسمت بالعنف غالباً، وغياب الضمانات لحماية الافراد، يقدم دلالة وضحة على أنها قوى قسرية تسعى إلى انتاج مجتمع منضبط، خصوصاً بعد أن جرت مأسسته، إذ يحق لأي جهة أمنية أو ممثلين لها التدخل بخصوصيات الأشخاص واستباحة حرياتهم تحت ذرائع مختلفة، مثل تأمين الحماية للنساء، أو تعديل السلوك المجتمعي وفرض النظام العام على المجتمع، بما تتماشى مع التوجهات الأيديولوجية للسلطة، وعجزها عن الفصل بين العام والخاص، وسعيها لضبط السلوكيات والأجساد باعتبارها موضوعاً للسلطة حسب تحليل المفكر الفرنسي ميشيل فوكو.
ظهرت هذه الحالة بوضوح في جملة الإجراءات والقرارات الإدارية التي نفذتها الحكومة الحالية، أو حاولت تنفيذها، من دون أي أساس قانوني، أو قوانين واضحة صادرة عن سلطة تشريعية، ولا إلى نقاش مجتمعي، إنما كانت تدخلاً سافراً من قبل السلطة التنفيذية بتفاصيل الحياة الشخصية، وقسر الحريات العامة والخاصة، بدءاً من الفصل في وسائل النقل العامة، ومنع الاختلاط في الجامعات، إلى فرض الاحتشام في الأماكن العامة وعلى الشواطئ والمسابح العامة وفرض عقوبات على المخالفين/ات، وصولاً إلى التدخل في مظهر الأفراد وحياتهم الخاصة التي طالت مجالاً واسعاً فرض قيود على اللباس في الأماكن العامة، منع تقديم المشروبات الكحولية، التدخل في مظهر الموظفات ومنع المكياج، حظر بعض الممارسات الاجتماعية، وغيرها من إجراءات فرض الوصاية على المجتمع والتي تتنافى مع التنوع والاختلافات الثقافية والدينية والاجتماعية في سوريا، ومع الاعتدال الديني وتقاليد غالبية المجتمع السوري، بحيث لا يمكن النظر إليها إلا من زاوية السيطرة السياسية والاجتماعية لإنتاج أفراد منضبطين ونمط سلوكي محدد يتماشى مع النهج التسلطي المراد تأسيسه في سوريا، والذي تتداخل فيه أشكال السلطة القمعية والانضباطية، بحيث لا تصبح الدولة ضامنة للحقوق انما فاعلا في تقييدها.