التقرير السياسي

التقرير السياسي لشهر يونيو/ حزيران 2025

بدلاً من الوصول إلى هدنة لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا كما كان يأمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث زعم خلال حملته الانتخابية أنه قادر على وقف الحرب بسرعة، فيما لو جاء إلى الحكم، إلا أنه وبعد مضي قرابة ستة أشهر على وصوله للبيت الأبيض، تزداد سخونة الحرب بين موسكو وكييف، خصوصاً بعد عملية “شبكة العنكبوت” التي نفّذتها كييف ضد رصيد استراتيجي من الطائرات الروسية (40 طائرة)، ما استدعى ردّاً روسياً شمل عدداً كبيراً من المدن الأوكرانية.

في الولايات المتحدة، انفراط عقد التحالف بين الرئيس دونالد ترامب وإيلون ماسك، تلته مظاهرات عارمة في سان فرانسيسكو ضد قوانين الهجرة، وإصدار ترامب أوامره بتدخل القوات الفيدرالية في الولاية، على خلاف القوانين الخاصّة بأمن الولايات، وقد امتدت المظاهرات إلى 12 مدينة أمريكية.

جبهة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين تدخل هدنة مؤقتة، بعد مفاوضات عديدة، كان واضحاً فيها أن ترامب استمع جيداً إلى نصائح بعدم التصعيد، لاستمرار عمل سلاسل الإمداد الصينية، التي تغذي المصانع الأمريكية المتعلقة بالتكنولوجيا الفائقة، بالإضافة إلى الأسواق المحلية، التي تعتمد فيها فئات كثيرة على المنتجات الصينية الرخيصة.

في غزة، تستمر حالة الفشل في الوصول إلى اتفاق نهائي ينهي معاناة الغزيين، مع تدهور في المشهد الإنساني، حيث يوجد فقدان شبه كامل للمواد الغذائية الأساسية، خصوصاً الدقيق (الطحين)، وإصرار بنيامين نتنياهو على استمرار الحرب، في مسعى منه لتجنّب تطورات ملفّه القضائي، خصوصاً مع ضعف المعارضة السياسية الموجودة حالياً.

المفاوضات الأمريكية/ الغربية مع إيران حول ملفّها النووي وصلت إلى طريق مسدود، ما أنهى حالة التفاؤل النسبي التي سادت في الجولات الأولى، وتصاعد لهجة التهديدات الأمريكية، وتوجّه تل أبيب إلى ضرب مواقع لمنشآت نووية داخل إيران، واغتيال قادة كبار، في مقدمتهم حسين سلامة، رئيس “الحرس الثوري”، وعدد من العلماء النويين.

في لبنان، تستمر الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، في خرق للقرار 1701، في الوقت الذي سعت فيه الحكومة اللبنانية إلى حلّ ملفّ السلاح في المخيمات الفلسطنية، لكن من دون التوصل إلى اتفاق واضح المعالم، كما تفيد تقارير عديدة أن “حزب الله”، أعاد في الأشهر الثلاثة الأخيرة توجيه إمكاناته وخبراته الهندسية والعسكرية إلى صناعة المسيّرات، بدلاً من الاعتماد على الصواريخ، بعد وقف الإمداد العسكري عن طريق دمشق.

في سوريا:

الأوضاع الأمنية: تستمر  حالات القتل والاختطاف في بؤر التوتّر الطائفي، في حمص ومدن وقرى الساحل، مع تدهور معيشي كبير في حياة السكان المحليين، فعياب الشعور بالأمان انعكس على مجمل الحياة الاجتماعية، خصوصاً فيما يتعلق بحركة النساء، في الوقت الذي يغيب فيه الإعلام المحلي عن متابعة الأحداث في هذه المناطق.

في درعا، تستمر حالات التصفية، خصوصاً لناشطين، أو معارضين للسلطة الجديدة، وكان واضحاً أن زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى المدينة، كانت محاطة بإجراءات أمنية مكثفة، خصوصاً أن قوات “الأمن العام” أوقفت حركة المدنيين لساعات طويلة، واقتصرت الدعوات للقاء الشرع على عدد من المقربين من السلطة، واستثناء شخصيات بارزة في المدينة.

حالات الانفلات الأمني والجرائم تتوسّع أفقياً، حيث شهدت مدن البلاد منذ بداية العام الجاري حوالي 179 جريمة قتل، راح ضحيتها 189 مواطناً ومواطنة، بينهم أطفال، مع ازدياد ملحوظ في عمليات السرقة والخطف بدافع الابتزاز المالي، كما قتل 19 مدنياً خلال هذا الشهر، جرّاء انفجار أجسام من مخلفّات الحرب.

الأوضاع الاقتصادية والمعيشية: على الرغم من الوعود التي تبّثها ماكينة السلطة الإعلامية حول التفاؤل بتحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، فإن هذه الأوضاع وصلت إلى حالة غير مسبوقة من حيث البؤس العام، فما وقّعته السلطة من عقود في مجال الطاقة وغيره، هي مجرد عقود على الورق حتى اللحظة، لن يكون بالإمكان تحوّلها إلى واقع ملموس من دون توّفر بنى أمنية وتشريعية ومالية وقضائية، وهذه البنى غير متوفّرة حالياً.

التفاوت الملموس بين ما يتقاضاه موظفو مؤسسات الدولة السابقين من معاشات بالليرة السورية، وبين ما يتقاضاه زملائهم في المؤسسات نفسها، ممن أتوا مع حكومة الإنقاذ، الذين يتقاضون بالدولار، يطرح أسئلة عديدة في هذه المؤسسات عن الآليات القانونية، وسلامة الإجراءات المتبعة، ودور الولاء  والقرب من السلطة في عمل هذه المؤسسات، في سابقة لم تشهدها مؤسسات الدولة من قبل.

ملف العدالة الانتقالية: فجّر المؤتمر الصحفي الذي عقده حسن صوفان، عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي، استياءً كبيراً في الشارع السوري، بما فيه فئات مؤيدة للسلطة الجديدة، حيث بدا واضحاً وجود شراكات غير معلنة بين رجالات النظام السابق والحالي، مع غياب الآليات القانونية لعمليات العفو، حيث أن العفو العام تمنحه السلطة التشريعية، ويصدر بقانون منها، وهذه السلطة غير موجودة أساساً، والعفو الرئاسي الخاص لا يمنح قبل المحاكمة، ويشترط وجود حكم ضد مجرم أو أكثر، وهو يمنح لشخص أو عدة أشخاص مع ذكر الأسماء.

نحن في الحزب الدستوري (حدْس)،  نعتقد أن طموحات ترامب بوقف الحرب الروسية الأوكرانية وصلت إلى طريق مسدود، وأنه يواجه في الداخل تحديات كثيرة، وأزمات مع قوى نافذة في الصناعات التكنولوجية، وأن تجميد الإجراءات الضريبية التي اتّخذها ضد الصين، يعكس حالة الضغط التي مارستها الشركات الأمريكية المتضرّرة من هذه الإجراءات، ومخاوف من زيادة رقعة الركود التي تمرّ بها الاقتصادات الكبرى.

انتقال ترامب للتصعيد العسكري عبر إسرائيل، يفصح عن النمط ذاته الذي اتبعه نتنياهو في مواجهة أزماته الداخلية، عبر إدامة حرب غزة، مع وجود بعد استرتتيجي مرتبط بضرب تحالفات الصين، ومشروعها العالمي “الحزام والطريق”، التي تشكّل فيه إيران معبراً أساسياً وحيوياً.

في سوريا، تستمر السلطة الانتقالية في التهرّب من الاستحقاقات الأساسية لعملية الانتقال السياسي، مع تعمّد واضح في خلط الملفّات ببعضها البعض، كما في ملفي العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، وتجاوز بديهيات القانون السوري في الإجراءات المتبعة، الأمر الذي يكرّس نمط تحييد السلطة عن أي مساءلة حول إجراءاتها وانتهاكاتها.

تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية يجعل من البلاد ساحة فوضى عارمة، لتفشي العنف من قبل جهات عديدة، وانتشار العصابات، خصوصاً مع تحوّل الملفات الأمنية إلى ساحة مساومة مالية مع المجرمين، والمتورطين بالانتهاكات والجرائم.

جميع الأزمات الوطنية الناجمة عن صراعات السنوات السابقة، تتحوّل كل يوم إلى أزمات استنقاعية، بلا تصوّر أو إرادة لمعالجة جذرية لأسبابها الحقيقية، ما يموضع السلطة أكثر فأكثر بوصفها أداة ضبط ومعايرة للأزمات الداخلية، ضمن محصلة موازين القوى والتوافقات الإقليمية والدولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق