التقرير السياسي لشهر مايو/ أيار 2026 … من مضيق هرمز إلى سوريا: إعادة تشكيل موازين القوى في عالم مضطرب

مقدمة:
لا يزال العنوان الأبرز لتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران هو فشل وصول الطرفين الأمريكي والإيراني إلى اتفاق ينهي احتمال عودة الحرب مرة أخرى، بالإضافة إلى تراجع الرئيس دونالد ترامب عن “مشروع الحرية” في مضيق هرمز، بعد يوم واحد من إعلانه، إذ بدا المشروع برمته غير ممكن، لعدم تجاوب الدول وناقلات النفط معه، الذي بُني على إمكانية مرافقة البحرية الأمريكية لناقلات النفط والسفن لتأمين سلامة عبورها المضيق، لكن عدم التجاوب، نظراً لارتفاع المخاطر، خصوصاً مع تهديد إيران باستهداف الناقلات والسفن التي تمرّ من دون إذنها، ما جعل جميع الدول والشركات المشغلة للسفن تحجم عن التجاوب مع المشروع.
في هذا المناخ الدولي والإقليمي، جاءت زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الصين، مع مجموعة كبيرة من أعضاء الإدارة والرؤساء التنفيذيين لكبار شركات التكنولوجيا الرقمية، وقد استبق الرئيس ترامب الزيارة بتصريح سياسي قال فيه: “نحن لا نحتاج إلى مساعدة الصين في موضوع إيران”، لكن مضمون الزيارة وتوقيتها يؤكدان أن الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط حاضرة في أجندة الزيارة، فمضيق هرمز شريان حيوي مهم لأمن الطاقة الصيني.
أولاً- رؤية صينية لنظام دولي يتجنب فخ ثوسيديدس
على خلاف منطق الرئيس ترامب الدعائي والاستخدام المفرط للتصريحات السياسية اليومية، فإن القيادات الصينية المتعاقبة منذ عقود تميل إلى الاقتصاد في التصريحات، والاكتفاء بإشارات مباشرة حول المصالح الصينية، لكن هذه المرة، استعار الرئيس شي جين بينغ مصطلح “فخ ثوسيديدس” من التاريخ اليوناني، في مستهل كلمته الترحيبية بنظيره الأمريكي، في إشارة إلى ضرورة عدم الوقوع في هذا الفخ، حيث إن التنافس بين أثينا وإسبارطة قادهما إلى الحرب بدل التعاون فيما بينهما.
بهذه الاستعارة التاريخية، تقدم الصين للولايات المتحدة تصوراً مرناً وعقلانياً حول إمكانية إدارة التنافس بينهما، وتجنب انزلاقه إلى مواجهة تدميرية، وبناء قواعد جديدة للنظام الدولي الذي تآكل بشدة خلال العقد ونصف العقد الماضيين، وأصبح بلا فاعلية تُذكر، وفقد قدرته على تحقيق الهدف الأساس، أي حماية الأمن والسلم العالميين.
دعوات الرئيس ترامب المتكررة منذ سنوات ولايته الأولى إلى ضرورة فك الارتباط عن الصين وصلت، كما يبدو، إلى حالة انكشاف، فرضتها وقائع اقتصادية داخلية ووقائع عالمية ووقائع جيوسياسية، آخرها الحرب ضد إيران.
مع كل مساعي ترامب إلى تحفيز الشركات الوطنية على استعادة خطوط إنتاج السلع المستوردة من الخارج، وخصوصاً من الصين، والتي تزامنت برفع غير مسبوق في الضرائب على السلع الأجنبية والصينية، إلا أن هذه الدعوات في الواقع بدت مجرد خطابات سياسية غير ممكنة واقعياً، حيث تستورد الولايات المتحدة حوالي 13% من السلع من الصين بأسعار لا يمكن منافستها داخلياً، بالإضافة إلى التشابك الكبير بين الاقتصادين الأمريكي والصيني، خصوصاً في مجال الصناعات التكنولوجية فائقة الذكاء، التي أصبحت خلال الأعوام الأخيرة عصب الصناعة والتجارة والطب والخدمات في النظام العولمي.
ثانياً- التطورات في الملفّ الأوكراني:
للمرة الأولى خلال الحرب الروسية الأوكرانية، صرّح الرئيس فلاديمير بوتين عن إمكانية “وجود نهاية قريبة للحرب”، وهو تصريح يأتي في سياق التحولات والتداعيات الكبرى لتطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، حيث إن هذه الحرب استهلكت الكثير من مخزونات السلاح النوعي الأمريكي، والحاجة الأمريكية إلى تجديد هذا المخزون، وما يتطلبه من رفع ميزانية البنتاغون، وهو الأمر الذي تحول إلى نقاش داخلي استقطابي في دوائر صناعة القرار الأمريكية، وإذا أُضيف هذا الأمر المستجد وبالغ الأثر إلى سياسات ترامب تجاه أوكرانيا، التي مالت إلى الانكفاء عن التسليح وترحيل هذه المهمة ووضعها على كاهل الأوروبيين، فإن روسيا تعوّل على الضعف الذي طال أوكرانيا جراء تداعيات حرب الشرق الأوسط.
في عمق هذا المشهد، هناك تحول أوروبي في إعادة بناء الحسابات الاستراتيجية في عالم تسيطر عليه حالة عدم يقين سياسي واقتصادي، ما يفرض على دول الاتحاد الأوروبي أن تعيد ترشيد سياساتها المالية لكي تتجنب الوقوع في أزمات كبرى، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة، وانكشاف حالة التأخر الأوروبي عن الصناعات التكنولوجية فائقة الذكاء، التي أصبحت العصب الجديد لكل الصناعات.
هذه التحولات تحمل في طياتها قراءة جديدة لحدود استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا، عسكرياً ومالياً، وهو ما قد يجعل أوروبا أقرب إلى مبادرة تنهي حالة الحرب الروسية الأوكرانية، حتى لو كانت على حساب السيادة الأوكرانية، حيث تسيطر روسيا على خمس الأراضي الأوكرانية، من دون أن يؤدي كل الدعم الأمريكي سابقاً والأوروبي إلى استعادة هذه الأراضي، في الوقت الذي خسرت فيه أوروبا علاقاتها مع روسيا، التي كانت تؤمن معظم احتياجاتها من النفط والغاز الرخيصين.
ثالثاً- التداعيات الإقليمية للحرب ومواجهة الحقائق الجديدة
على الرغم من التوقف غير النهائي ربما للحرب، إلا أن المناخ العام في الإقليم لا يزال قائماً في داخلها، وبدأ يُحصي ما خلّفته من تداعيات، ويفكر بآليات تجاوز الآثار السلبية الكثيرة والكبيرة لها، فمعظم الدول بدأت تشعر بالأثر الاقتصادي الكبير للحرب، أثر لا يقتصر على اللحظة الراهنة، بل من شأنه أن يمتد إلى سنوات، وقد يُحدث تحولات مفصلية، خصوصاً في دول الخليج العربي.
إن سعي إسرائيل لشن حرب تنتهي بسقوط النظام الإيراني انتهى بمفعول معاكس، فالنظام لم يبقَ فقط، بل وضعت طهران يدها على قرار العبور في مضيق هرمز، وأثبتت قدرتها على التماسك أمام قوتين كبيرتين عالمياً وإقليمياً، وعززت موقعها التفاوضي مع واشنطن في كلّ الملفات.
هذا الواقع بدأ يطرح أسئلته الاستراتيجية على جميع دول المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بضرورة إعادة رسم السياسات الكبرى المتعلقة بمنظومة الأمن والاستقرار فيها، فما كان مأمولاً من أن تفضي إليه الحرب باستبعاد إيران كلاعب كبير ومؤثر في صياغة المنظومة الإقليمية، يبدو وفق نتائج الحرب بأنه لم يكن واقعياً، وأن حسابات الميدان أكدت أنه لا يمكن تجاوز دور طهران في المنطقة.
السعودية التي بقيت تنأى بنفسها عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وعلى الرغم من خلافاتها الكبيرة مع إيران، أبقت خلال الحرب على تواصلها مع القادة في طهران، ودعمت مسار التفاوض في إسلام آباد، التي تجمعها معها علاقات تاريخية جيدة وتحالفات عديدة، وقد أظهر الخطاب الرسمي السعودي ميلاً إلى إعادة ترتيب العلاقات الثنائية مع إيران، نظراً لفهم الرياض الضرورات التي تمليها الحقائق الجيوسياسية.
تداعيات الحرب تظهر بشكل أوضح تعقيداً في دولة الإمارات، حيث انسحبت من منظمة “أوبك”، التي تفرض سقفاً محدداً على الإنتاج النفطي للأعضاء، وهو ما يعكس حاجة الإمارات إلى زيادة إنتاج النفط لتعويض الخسائر المالية جراء الحرب، كما تعاني إمارة دبي بشكل خاص، التي لا تعتمد على عوائد النفط، وإنما على الدور الذي تقوم به على مستويات التجارة والسياحة والاستثمار والمصارف، فقد تأثرت كل هذه القطاعات بسبب الحرب، مع تأثر القطاع السياحي بشكل كبير، كما تراجعت حركة الاستثمار نتيجة الاستهداف الإيراني لعدد من المنشآت النفطية وغيرها.
رابعاً- فلسطين ولبنان ومحاولة التكيف
عقدت حركة فتح مؤتمرها العام الثامن، في رام الله وغزة وبيروت والقاهرة، وأُعيد انتخاب الرئيس الفلسطيني لقيادة الحركة، في انتخابات تهدف إلى تجديد موازين القوى ضمن الحركة، وزيادة موقع الشباب والنساء في مواقع اتخاذ القرار، والهدف الأبرز هو تأكيد مركزية حركة فتح في التمثيل الفلسطيني، بعد تداعيات “طوفان الأقصى” على عموم القضية الفلسطينية، وعلى غزة و”حماس” بشكل خاص، تمهيداً لدور أوسع للحركة في ترتيبات مستقبل غزة السياسي والأمني والإداري.
في الوقت ذاته، تجري حركة “حماس” انتخابات لاختيار رئيس جديد للمكتب السياسي، وتجديد القيادة، بعد الاغتيالات الواسعة التي طالت كبار القادة في الحركة، وفي مقدمتهم إسماعيل هنية، الذي اغتالته إسرائيل في طهران.
ملف غزة يعود من جديد إلى الواجهة، لكن مع عدم تبلور حول شكل تصميم مستقبل القطاع، بين “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأمريكي، وبين رفض إسرائيل لتدويل هذا الملف، واستمرار قدرة “حماس” العسكرية على التعطيل الميداني لأي مشروع لا يأخذ مكانتها ودورها ومصالحها بالحسبان.
انتهت جولة التفاوض التي عُقدت قبل أيام بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني في واشنطن إلى اتفاق الطرفين على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، والتحضير لمسار أمني سينطلق في 29 من الشهر الجاري، لكن لا يزال من غير المتوقع أن تحدث تطورات سياسية جذرية، في ضوء تعثر الاتفاق الأمريكي الإيراني.
في هذا السياق، يبدو المسار التفاوضي الحالي ضرورة مشتركة لإسرائيل والحكومة اللبنانية، فإسرائيل قصفت ما يمكن قصفه في لبنان، من دون تحقيق تقدم بري استراتيجي قابل للحفاظ عليه كمكتسب يمكن تثبيته، مع حاجة للتركيز أكثر على الداخل الإسرائيلي لمعالجة ما نشأ من مستجدات بسبب الحرب، بينما تسعى الحكومة اللبنانية إلى وقف تداعيات الانهيار اللبناني على المستويات كافة، واستثمار ما اعتبرته تراجعاً للدور الإيراني أو قدرات “حزب الله” العسكرية.
خامساً- سوريا وانكشاف متزايد لأزمات سلطة الأمر الواقع
مع كل الضخ الدعائي الذي قامت به سلطة الأمر الواقع في دمشق للإيحاء بإمكانية حدوث نمو في الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية، إلا أن هذه الأوضاع تزداد انكشافاً، فقد رفعت السلطة أسعار المحروقات، بعد أن زادت منذ أشهر أسعار شرائح الكهرباء، وهو ما انعكس بشكل فوري على زيادة في أسعار مختلف السلع، وفي مقدمتها مادة الخبز.
انخفضت قيمة الليرة السورية مجدداً أمام العملات الأجنبية، ووصلت تقريباً إلى القيمة التي كانت عليها قبل سقوط نظام بشار الأسد، حيث وصل سعر اليورو إلى 15,700 ل.س، وهو ما يؤكد ما كان الحزب قد تنبأ به حول محدودية تأثير الضخ المالي الخارجي على قيمة العملة السورية، في ضوء التراجع الكارثي لدائرة الإنتاج الوطنية.
من جديد عادت سلطة الأمر الواقع إلى تضخيم الدور الإيجابي لبعض الأحداث، مثل تبرع مؤسسة إماراتية خيرية لترميم بعض المساجد في سوريا، ومن بينها المسجد الأموي، واعتباره حدثاً سياسياً واقتصادياً، على غرار ما فعلته في الأشهر السابقة من حملات تبرع، تبين لاحقاً أنها وهمية أو محدودة الأثر، أو في مذكرات التفاهم الاستثمارية التي يصعب أن تتحول إلى واقع، في ضوء المعطيات السياسية والأمنية والقانونية في سوريا.
كما عاد من جديد ملف المخطوفات إلى الواجهة مع قصة الشابة بتول سليمان علوش، وظهور ما يسمى “بيت الأخوات”، وهو واجهة لإدارة عمليات الخطف التي قامت بها فصائل من السلطة بحق فتيات ونساء من الطائفة العلوية.
في معظم المدن، وخصوصاً حلب، تبدو الخدمات في أسوأ حالاتها، وخصوصاً ملف النفايات، حيث تبرز أكوام القمامة في كل مكان، في ظل غياب عمل فاعل للبلديات، الأمر الذي يُظهر بلا شك نقص السيولة في تمويل أعمالها، واستشراء الفساد من جديد في مؤسسات الدولة على حساب الخدمات الضرورية لحياة المواطنين.
رأي الحزب:
في ضوء ما تقدّم من معطيات وتحليلات حول التطورات الدولية والإقليمية، يرى الحزب الدستوري السوري أن المشهد العام يتجه نحو مرحلة انتقالية تتسم بارتفاع منسوب عدم اليقين، وإعادة تشكيل موازين القوى على أكثر من مستوى، الأمر الذي يفرض قراءة دقيقة للوقائع بعيداً عن الخطابات الدعائية، وبالاستناد إلى النتائج الفعلية للأحداث.
- إن فشل التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يعكس فقط تعثّر المسار التفاوضي، بل يؤكد استمرار حالة عدم الاستقرار في النظام الدولي، وبقاء احتمالات التصعيد العسكري قائمة، في ظل غياب آليات فعالة لضبط التوترات.
- تؤكد المقاربة الصينية، من خلال الدعوة إلى تجنب “فخ ثوسيديدس”، أهمية إدارة التنافس بين القوى الكبرى ضمن أطر عقلانية، بما يعكس إدراكاً لمخاطر الانزلاق إلى صراع مفتوح، مقابل تراجع فعالية السياسات القائمة على التصعيد السياسي والإعلامي.
- تشير تطورات الحرب الروسية الأوكرانية إلى بداية تحولات في موازين القوى الدولية، في ظل تراجع نسبي في مستوى الدعم الغربي، وازدياد الأعباء الاقتصادية والسياسية على الدول الأوروبية، ما قد يدفع نحو البحث عن تسويات سياسية.
- أثبتت الحرب في الشرق الأوسط محدودية الرهانات على إقصاء إيران، حيث أظهرت قدرتها على التماسك وتعزيز موقعها، ما يكرّس حضورها كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
- تعكس التطورات في فلسطين ولبنان حالة من إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، في ظل استمرار الغموض حول الحلول السياسية، وبقاء العوامل الميدانية مؤثرة في رسم مسارات المرحلة المقبلة.
- تكشف الأوضاع في سوريا عن تعمّق الأزمات الاقتصادية والخدمية، واستمرار التدهور في مستوى المعيشة، في ظل محدودية قدرة سلطة الأمر الواقع على تقديم حلول فعالة، واعتمادها على معالجات ظرفية غير مستدامة.