بيان للرأي العام: عامٌ على هروب الأسد… عامٌ على تغييب الشعب عن القرار الوطني
أيتها المواطنات والمواطنون السوريون
يمرّ اليوم عام كامل على نهاية حكم بشار الأسد، بعد أربعة عشر عاماً من الانتفاضة الشعبية وما رافقها من تحوّلات داخلية وخارجية وأثمان باهظة في الأرواح والعمران والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. وقد كان المسؤول الأول عن تلك الكوارث نظامٌ استبدادي دموي افتقر إلى أبسط القيم الوطنية وإلى أبسط مقومات الحكمة السياسية التي كان من شأنها أن تجنّب سوريا ما وصلت إليه من دمار وتمزّق.
لقد كان الأمل أن تكون نهاية عهد الأسد بداية لمسار جديد لبناء الدولة واستعادة المؤسسات وإعادة لُحمة المجتمع، على أساس القيم التي نادت بها الانتفاضة السورية منذ آذار 2011: الحرية والكرامة والعدالة والتعددية والديمقراطية، بوصفها النقيض التام لكلّ ما خضع له السوريون خلال العقود الماضية.
وفي الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط النظام، أظهر السوريون قدراً كبيراً من التصالح المجتمعي والاستعداد للانخراط في مسار عدالة انتقالية يطال كلّ من تورّط في الجرائم والانتهاكات، كما أبدوا انفتاحاً على حوار وطني شامل لا يستثني أي فاعل سياسي أو مدني أو أهلي. غير أنّ هذا الأمل بدأ يتراجع تدريجياً مع تعمّد السلطة الحالية – التي يُفترض أنها انتقالية – إفراغ مفهوم مؤتمر الحوار الوطني من مضمونه، وتحويله إلى مجرّد إطار شكلي تمّ استخدامه لإضفاء شرعية شكلية على السلطة، من دون أي وظيفة وطنية أو إصلاحية حقيقية.
كان يمكن لمؤتمر وطني جاد، قائم على حوار فعلي، أن يتيح بلورة عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة الوطنية، ويؤسّس لشرعية سياسية جامعة تُبنى عليها خطوات الانتقال اللاحقة. ولكن إحباط هذه الفرصة التاريخية لم يكن ناجماً عن نقصٍ في الخبرة، وإنما عن سلوك ممنهج لإعادة إنتاج استبداد جديد يقوم على توظيف الانقسامات الدينية والطائفية والعشائرية وحشد العصبيات الأهلية في خدمة سلطة ضيقة.
وخلال العام الماضي، شهد السوريون انتهاكات فادحة ارتكبتها سلطة الأمر الواقع، المعروفة بسجلّها الحافل بالانتهاكات ضد المدنيين في العراق وسوريا. فقد ارتُكبت مجازر في الساحل السوري وفي محافظة السويداء، ذهب ضحيتها آلاف المدنيين، تلتها حملات تهجير وحصار وتجويع، سبقتها حملات تحريضية ممنهجة رفعت منسوب الاحتقان والخوف والانقسام.
وفي الأسابيع الأخيرة، عادت مظاهر القمع السياسي إلى الواجهة، من تضييق على حرية الاجتماع والعمل المدني، وفرض رقابة مسبقة على التعبير السياسي والفكري والثقافي، وصولاً إلى منع فعاليات موسيقية وثقافية في عدد من المدن، في تكرار واضح لنهج النظام السابق.
وبدلاً من الانصراف إلى معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة، انشغلت السلطة بمحاولات تبييض سجلّها في الخارج، فيما تمدّدت القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل، داخل الجنوب السوري، وارتفعت الأصوات المطالِبة بالحماية الخارجية في الساحل والسويداء، بعد ما شهدته المنطقتان من انتهاكات وإذلال وتجييش طائفي. أمّا اقتصادياً، فقد تدهورت الظروف المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة، مع غياب أي تخطيط اقتصادي وازدياد نسب الفقر، حيث يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، وتبيّن زيف مذكرات التفاهم الاستثمارية التي روّجت لها السلطة في ظل غياب بيئة قانونية وأمنية حقيقية.
إننا في الحزب الدستوري السوري (حدْس)، وإذ نعتبر نهاية عهد بشار الأسد محطة أساسية على طريق الخلاص من الاستبداد، نؤكد في الوقت نفسه أن المسار الذي شهدته البلاد خلال العام الماضي كان نقيضاً تاماً لمتطلبات بناء دولة حديثة قابلة للحياة؛ دولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، وتُعلي قيمة الحرية فوق أي اعتبارات طائفية أو أيديولوجية، وتسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في محيطها الإقليمي، وتعيد للسوريين دورهم في الإسهام بالحضارة الإنسانية فكراً وعلماً وإبداعاً.
ونحن في حدْس نُجدّد التزامنا الكامل بالعمل من أجل دولة ديمقراطية مواطنية حديثة، نراها وحدها الكفيلة بإعادة الاعتبار لتضحيات السوريين في سبيل الحرية، وبناء الاجتماع الوطني على أسس تتجاوز العصبيات ما دون الوطنية، وإعادة بناء الاقتصاد وتحسين معيشة المواطنين، وتمكين سوريا من استعادة موقعها الحضاري في المنطقة والعالم.
السلام لأرواح شهداء الانتفاضة السورية ضد الاستبداد
السلام لأرواح المدنيين الذين قُتلوا في الساحل والسويداء على يد سلطة الأمر الواقع
والعدالة لكلّ الضحايا، والمحاكمة لكلّ من تلطّخت أيديهم بدماء السوريين
وعلى أمل التحرّر الكامل من كلّ أشكال الاستبداد السياسي أو الديني.
08-12-2025