ترامب ونتنياهو وجنون العظمة
حسام ميرو
نعيش في بقعة جغرافية تعوّدت الحروب، لا تكاد حرب تخمد حتى تشتعل أخرى. في السابق، كانت حروب المنطقة مضبوطة وفق مبدأ الردع المتبادل، الذي منع تحولها إلى حرب شاملة، وبقاءها محصورة في هذه الساحة أو تلك، خصوصاً حروب الدول التي اشتعلت فيها ثورات ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، الذي أفضى من حيث النتائج إلى تفتيت عدد من الدول الوطنية في المنطقة، ابتداءً بليبيا مروراً بسوريا واليمن ووصولاً إلى السودان، وقد تخادمت في هذا المسار التفتيتي قوى عمياء من السلطات التاريخية المستبدة وقوى الإسلام السياسي الطامحة للسلطة ولو على حساب خراب ودمار الدول والمجتمعات، وتدمير مؤسساتها الوطنية.
كانت القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً مهتمة بإبقاء الصراعات ضمن الدول التي نشبت فيها، والعمل على ضبط مفاعيلها ضمن الحدود، والاعتماد على وكلاء محليين تموضعوا تحت رايات دينية شيعية وسنية، لكن هذه المواجهة عبر الوكلاء لم تعد كافية لضبط الصراع المؤجل بين القوى الساعية للهيمنة على الشرق الأوسط.
مع بداية شهر مارس/آذار الماضي، حدث تطور نوعي لم يكن مفاجئاً، لكن الشكل الذي أخذه كان صادماً للكثيرين، من بينهما الطرفان اللذان شنّا الحرب – الولايات المتحدة وإسرائيل – معتقدين بأن الجولة الحالية ستكون بمثابة الضربة القاضية للنظام الإيراني، بعد أن فقد الكثير من قوته – بحسب اعتقادهما – في الجولة الأولى من الحرب التي شنّاها في يونيو/حزيران الماضي. لكن سرعان ما تراجع هذا الهدف إلى تدمير الإمكانات النووية لإيران، وتدمير برنامجها الصاروخي الباليستي، وجعلها تنكفئ كقوة إقليمية، ما يسمح على التوازي بالقضاء نهائياً على “حزب الله” في لبنان، وبعد ذلك الفصائل الشيعية في العراق.
بالنسبة لترامب ونتنياهو، تعاملا في حساباتهما وتخطيطهما للحرب وكأنها لعبة فيديو، كل خطوة فيها تؤدي إلى خطوة أخرى، وكل مرحلة ستليها مرحلة أخرى معروفة، وفق سيناريو محدد سلفاً، حيث يؤدي اغتيال المرشد والقادة العسكريين والسياسيين الكبار إلى صدمة داخل النظام الإيراني، توقع النظام في حالة تخبط داخلي، تتيح للجماهير اكتساح الشوارع والساحات لإسقاط النظام، فيأتي نظام آخر موالٍ لأمريكا ومتفاهم مع إسرائيل، وخاضع لشروط الطرفين.
في سبيل إقناع ترامب بشنّ الحرب على إيران، زار نتنياهو واشنطن سبع مرات، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ زيارات رئيس وزراء إسرائيلي إلى واشنطن، وكان نتنياهو قد التقط ما يعرفه الجميع: ترامب يريد إنجازاً لم يسبقه إليه أي رئيس أمريكي آخر، بداية قال إنه سينهي الحروب حول العالم، خصوصاً حرب أوكرانيا، وزعم أن علاقاته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين تسمح بذلك، وطالب من رؤساء الدول ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، التي نالها سلفه باراك أوباما، الذي ينظر إليه ترامب كـ”قرد” وفق فيديو نشره للرئيس أوباما.
منذ أن تولّى الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم في ولايته الأولى، انقلب على الشكل التقليدي لممارسة الحكم التي كانت تمرّ عبر المؤسسات، لكن الرجل آثر آنذاك أن يحوّل منصة تويتر إلى منصة إعلان رئاسية رسمية، يعلن القرارات من خلالها، ويقيل الوزراء بكلمتين عليها، ويهاجم الدول من خلالها، في نزعة استعراضية واضحة، وفي استهتار بالغ الخطورة بالتقاليد التي عرفتها بلاده وعرفها العالم عن شكليات التعاطي الرسمي.
كان العالم وقادته يحاولون تمرير ولاية ترامب الأولى بأقل قدر من المواجهة معه، آملين أن تمر سنوات ولايته الأربع من دون إحداث فوضى عارمة ومكلفة في أروقة العلاقات الدولية، وحاولوا التكيف مع مزاجه وخياراته، متفقين أو راغبين فيما بينهم أن يكون هذا الخيار السيئ للناخب الأمريكي استثناءً، وربما عبرة يجب التوقف عندها مستقبلاً، لكن ما حدث فعلياً أن هذا الرجل عاد مرة أخرى إلى الحكم، وخلال عام وبضعة أشهر هاجم خصومه وحلفاءه، واتخذ قرارات غير مسبوقة ضد الجميع، في مقدمتها ضد حلفائه الأوروبيين، وأرسل قواته لاعتقال الرئيس الفنزويلي واقتياده إلى واشنطن، ولا يكاد يمرّ يوم من دون أن يصرّح بما هو مقلق للدول.
بنيامين نتنياهو جالس في كرسي الحكم منذ سبعة عشر عاماً، وكأنه زعيم أبدي آخر من زعماء المنطقة، ومتهم بعدد من قضايا الفساد، والمدان من محكمة العدل الدولية، عن مسؤوليته القيادية المباشرة عن قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتحويل غزة إلى كارثة عمرانية، بعد أن قضى على بنيتها التحتية والخدمية والتعليمية والصحية والاقتصادية، ومع ذلك، فهو يرى أن الفرصة سانحة للقضاء على إيران، وإعادة بناء النظام الإقليمي برمته وفق الشروط الإسرائيلية، ورسم خارطة الشرق الأوسط الذي يتكلم بالعبرية فقط.
منذ أن اتخذ هذان الرجلان قرار الحرب ضد إيران، قاما عملياً بإدخال الجميع إليها، فمع تعذّر تحقيق “نصرهما الحاسم” في الأيام الثلاثة الأولى، أصبحت الحرب شأناً دولياً عاماً، شملت الجميع بآثارها، ابتداءً من دول الخليج العربي وصولاً إلى جميع دول العالم، بعد إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، وارتفاع أسعار النفط، وكل ما يستتبعه هذا الارتفاع من آثار كارثية على الإنتاج والأسواق، وتوقف وصول البضائع إلى وجهاتها في أوروبا وآسيا.
القوى العظمى التي توصف عادة بالعقلانية والميل لاستخدام قوتها كأداة ضغط من دون أن تلجأ إلى استخدامها بشكل مباشر ومفرط وعدواني بلا مبررات سياسية وقانونية كافية، هذه القوى أيضاً قابلة لأن تصاب بجنون العظمة، وأن يصل إلى سدة الحكم فيها رجال يعتقدون أنهم من سلالة الآلهة، وأن بإمكانهم فعل أي شيء، لكن كل جنون عظمة من هذا النوع يؤدي أول ما يؤدي إلى فقدان هذه القوة مكانتها وعظمتها، ويعيد وضعها في إطارها النسبي، وقد حدث هذا سابقاً في تاريخنا المعاصر، وقد أملت البشرية ألا تكرّره، لكنه يبدو ظاهرة تاريخية لا مجال لردّه.