رأي

السياسة الأمريكية تجاه سوريا: الأمن أولاً … الدولة مؤجلة

حسام ميرو 

في عام 2016، قال الأخضر الإبراهيمي في محاضرةٍ ألقاها عن الثورات العربية إن «الخطر الأكبر في سوريا ليس تقسيمها، وإنما صوملتها»، في إشارةٍ إلى انهيار الدولة وتحولها إلى ساحة صراعٍ بين فصائل مسلحة وأمراء حرب، وانكشاف المجتمع السوري أمام تدخلات قوى إقليمية ودولية ذات مصالح متناقضة. لم تكن عبارة الإبراهيمي مجرد توصيفٍ عابر، بل كانت تلخيصًا دقيقًا لمسارٍ انحدرت إليه سوريا منذ عام 2011، حيث لم يعد الصراع صراعًا داخليًا فحسب، بل أصبح عقدةً أمنيةً إقليميةً ودوليةً متشابكة. وقد كان الإبراهيمي محقًا حين ربط صعوبة الحل بطبيعة الانخراط المتعارض للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي بدت منذ البداية دولةً مركزيةً في تحديد مآلات الأزمة السورية، لكنها لم تكن مهتمةً بإعادة بناء الدولة، بل بإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية.

إذا حاولنا قراءة السياسة الأمريكية في سوريا منذ 2011 حتى اليوم، فسنجد خيطاً استراتيجياً واحداً لم يتغيّر: الولايات المتحدة لم تتعامل مع سوريا باعتبارها مشروع دولةٍ ينبغي إعادة بنائه، لكن بوصفها ملفاً أمنياً ينبغي احتواؤه. وهذا ما يفسر تردّد واشنطن وتناقضاتها وتغيّر أولوياتها، وعدم رغبتها في الانخراط في أي خطوةٍ قد تُفهم على أنها بداية مسارٍ لبناء نظام سياسي جديد.

منذ عام 2011، أطلقت إدارة أوباما سلسلةً من التصريحات الرسمية حول الحاجة إلى ضغط النظام السوري، لكنها تجنبت التدخل العسكري المباشر بشكل شامل. ففي عام 2012، أعلن الرئيس باراك أوباما أن “استخدام السلاح الكيميائي خطٌ أحمر”، لكن حين وقع هجوم الغوطة في أغسطس 2013 تراجع عن توجيه ضربة عسكرية مباشرة وفضّل صفقةً مع روسيا لتفكيك الترسانة الكيميائية السورية. وقد كتب أوباما لاحقًا في مذكراته أن التدخل العسكري كان ينذر بـ”تورّطٍ طويلٍ في صراعٍ لا يمكن ضبط مآلاته”. بينما رأى وزير دفاعه ليون بانيتا أن التراجع “أرسل إشارةَ ضعف”، لكنه أشار أيضاً إلى أن الإدارة “لم تكن مستعدةً لبناء دولةٍ جديدة في سوريا”. وهنا تتبدّى بوضوحٍ معالم المقاربة الأمريكية: منع التهديدات، لا بناء البدائل.

مع بداية صعود تنظيم “داعش” في 2014، دخلت الولايات المتحدة مرحلةً جديدةً، أكثر تحديداً من الناحية العملية. فقد صرّح بريت ماكغورك، المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي، في أكثر من مناسبةٍ بأن “أولوية الولايات المتحدة هي القضاء على داعش، وليس تغيير النظام في دمشق”. وسخّرت واشنطن لأجل ذلك شراكتها مع “قوات سوريا ” من دون أن تتعامل مع هذه الشراكة بوصفها جزءاً من مشروع إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل بوصفها علاقةً وظيفيةً مؤقتةً قابلةً للتعديل أو الانسحاب وفق المصالح الأمنية. وقد ظهر ذلك بوضوحٍ في 2019 حين غضّت واشنطن الطرف عن العملية العسكرية التركية شرق الفرات، رغم اعتماد “قسد” عليها خلال سنوات الحرب ضد التنظيم.

هذه المرحلة توضح ما يسميه الباحثون في العلاقات الدولية الواقعية الانتقائية، حيث تركز الولايات المتحدة على منع التهديدات المباشرة لمصالحها الحيوية، مع إبقاء مسافة عن مشاريع إعادة بناء الدول، التي أثبتت التجارب في العراق وأفغانستان فشلها أو تكلفتها الباهظة. وقد لخّص جو بايدن، الرئيس الأمريكي السابق، هذا المبدأ حين قال أثناء الانسحاب من كابول: “لم نذهب إلى أفغانستان لبناء دولة”. ومن الواضح أن هذه العبارة تنطبق أيضاً على سوريا، التي أصبحت نموذجاً لإدارة الصراعات عن بُعد، أو ما وُصف بـالقيادة من الخلف، وهي عقيدة اتبعتها إدارة أوباما واستمرت بعدها، وتشمل الاعتماد على شركاء محليين وإقليميين لإدارة الملفات بدل الالتزام بمسارٍ سياسي طويل المدى.

جون كيري، وزير الخارجية الأسبق، عبّر بوضوحٍ عن هذا التوجّه حين قال إن “سوريا بالنسبة للولايات المتحدة كانت دائمًا أزمةً يجب احتواؤها، لا مشروعًا لإعادة الهندسة السياسية”. ومع مرور الوقت، أصبح الرهان الأمريكي قائمًا على مبدأ الاحتواء المرن: منع تمدد التنظيمات المتطرفة، الحفاظ على أمن إسرائيل، والحدّ من النفوذ الإيراني، من دون السعي إلى صياغة نظام سياسي سوري جديد أو الضغط الجدي من أجل انتقالٍ سياسيٍ كامل.

خلال الفترة 2015–2016، شهدت سوريا تدخل روسيا العسكري المباشر، ما أعاد رسم المشهد العسكري والسياسي، لكن الولايات المتحدة حافظت على نهجها الاستراتيجي، حيث ركّزت على إدارة الأزمة وليس حلّها. فدعم «قسد» والبنية الإدارية المحلية في شمال شرق سوريا بقي وظيفةً تكتيكيةً، وليس مشروعًا لبناء الدولة. وقد أعرب جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، عن ذلك بالقول: “هدفنا ليس إسقاط النظام ولا تغيير الدولة. هدفنا هو جعل سوريا مشكلةً لروسيا وإيران”. هذه الصراحة تعكس جوهر السياسة الأمريكية: إبقاء سوريا في وضعٍ قابلٍ للسيطرة الأمنية، من دون الالتزام بإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ثم جاء التحوّل الأكبر بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين انفتحت المنطقة على مواجهةٍ واسعةٍ بين إسرائيل وإيران. في هذا السياق، لم تعد سوريا تُقرأ في واشنطن من زاوية الدولة أو المجتمع، بل بوصفها مسرحاً مركزياً للصراع مع طهران. وقد قالت هيلاري كلينتون في شهادة أمام الكونغرس عام 2024: “التحدي الأكبر في سوريا اليوم هو النفوذ الإيراني، وليس مؤسسات الدولة”. وهذا التصريح يكشف بوضوحٍ أن سوريا لا تمثل مشروعاً سياسياً في جوهر السياسة الأمركية، وإنما مساحةً نفوذٍ يجب ضبطها، وهذا ما يفسّر قبول واشنطن بالترتيبات الأخيرة على الأرض، بما فيها وصول أحمد الشرع إلى رئاسة انتقالية عبر توافقات إقليمية ودولية.

يمكن قراءة هذه السياسات أيضًا من منظور أكاديمي، ضمن نظرية إدارة الأزمات التي تركز على إدارة المخاطر بدل بناء الدولة. فالولايات المتحدة تدير الأزمات وفق معايير أمنية وإقليمية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، لكنها لا تدخل في مشاريع بناء مؤسسات الدولة أو صياغة عقد اجتماعي جديد. وحتى الدعم العسكري والاقتصادي والتقني الذي تقدمه للشركاء المحليين يبقى مرتبطاً بتعزيز الاستقرار المؤقت، وليس ببناء الدولة. هذه المقاربة تندرج ضمن الواقعية الانتقائية والقيادة من الخلف، حيث تركز القوى الكبرى على حماية مصالحها الحيوية، وترك الشركاء المحليين يديرون التفاصيل اليومية للأزمات، مع تدخل مباشر عند الحاجة فقط.

إن بناء الدولة مشروعٌ وطنيٌ أولاً وأخيراً، لا تصنعه الولايات المتحدة ولا أي قوة خارجية. وحتى الفرص التي يولّدها التغيير الدولي لا تتحوّل تلقائياً إلى لحظات تأسيسية، ما لم يمتلك السوريون رؤيةً وطنيةً جامعةً وقدرةً على التنظيم السياسي. فالولايات المتحدة قد تخلق هوامش، لكنها لا تملأ الفراغ ولا تحوّله إلى دولة. وما لم يتحرك السوريون أنفسهم، سيبقى مستقبل البلاد رهينة المعادلات الأمنية الإقليمية والدولية.

وبكلمات أوضح، فإن نمط السياسة الأمريكية في سوريا على مدار 14 عاماً يكشف حقيقةً ثابتةً: الولايات المتحدة تدير الأزمة ولا تصنع الحل، تضبط الفوضى لكنها لا تبني الدولة، وتحدّ من النفوذ الإيراني من دون أن تهتم بإعادة تأسيس مؤسسات الدولة السورية. وهذه الحقيقة  يجب أن تكون الأساس الذي ينطلق منه السوريون في التفكير بمستقبل دولتهم، ومن دون إدراكها سيكون أي مشروع وطني/ سياسي عرضة للفشل، ومجرد سلوك رغبوي لا مجال لتصريفه واقعياً. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق