اتفاق مستحيل … لماذا تتعثر التسوية بين واشنطن وطهران بعد الحرب؟

(حدْس) – هيئة التحرير:
كلما تسرّب خبر عن قرب الوصول إلى اتفاق أو مذكرة تفاهم أمريكية – إيرانية، جاءت أخبار متسارعة لتقول إن الهوة واسعة بين الطرفين، فقد شهدنا في الأسبوعين الأخيرين، وفي اليوم الواحد، تصريحات متناقضة للرئيس ترامب والإدارة الأمريكية، مرة حول تجسير الهوة مع إيران، ومرة أخرى حول العودة للتهديد بالقوة، ومن منطق استراتيجي، يبدو أن تعثّر الوصول السريع لاتفاق له صفة الديمومة أمر طبيعي، نظراً لعدد كبير من التعقيدات التاريخية في العلاقة بين الطرفين من جهة، ونظراً لفشل تحقيق الحرب الأمريكية الإسرائيلية الهدف الرئيس المتمثل بإسقاط النظام الإيراني، إثر اغتيال المرشد الأعلى، وكبار القادة السياسيين والعسكريين.
أولاً- تضارب الأهداف الاستراتيجية وحدود الممكن:
يشكّل تضارب الأهداف الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران العامل الأكثر عمقاً وحسماً في تفسير تعثّر الوصول إلى اتفاق دائم عقب هدنة الحرب الأخيرة. فهذا التعثّر لا يمكن فهمه كخلاف تقني حول بنود تفاوضية، وإنما كانعكاس لصراع بنيوي على تعريف الأمن الإقليمي، وطبيعة النظام السياسي – الأمني في الشرق الأوسط، وحدود القوة والنفوذ لكل طرف.
منذ اندلاع الحرب، صاغت الولايات المتحدة مقاربتها التفاوضية انطلاقاً من رؤية شاملة تعتبر أن الخطر الإيراني لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يمتد إلى مجمل عناصر القوة الصلبة والناعمة التي تمتلكها طهران، وعليه، تمثلت الأهداف الأمريكية في ثلاثة محاور رئيسية: أولها، السعي إلى وقف البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل أو تقليصه إلى الحد الأدنى الذي يفقده أي قدرة عسكرية محتملة، وثانيها، الحد من برنامج الصواريخ الباليستية، الذي يُنظر إليه كوسيلة إيصال استراتيجية تُكمل التهديد النووي. أما المحور الثالث، فيتعلق بضبط النفوذ الإقليمي لإيران، خصوصاً في العراق ولبنان واليمن، حيث تعتبر واشنطن أن هذا النفوذ يقوّض توازن القوى ويهدد حلفاءها.
في مراحل مبكرة من التصعيد، لم تكتفِ بعض الخطابات الأمريكية بهذه المطالب، بل ذهبت نحو طرح فكرة “الاستسلام غير المشروط”، وهو ما يعكس تصوراً يقوم على إعادة صياغة سلوك إيران الإقليمي جذرياً، وليس فقط تعديل سياساتها. هذا الطرح، حتى وإن لم يتحول إلى سياسة رسمية ثابتة، كشف عن سقف توقعات مرتفع للغاية، يتجاوز منطق التسويات التقليدية.
في المقابل، تنطلق إيران من رؤية مغايرة تماماً، تقوم على اعتبار أن عناصر قوتها – النووية والصاروخية والإقليمية – ليست أدوات هجومية بقدر ما هي وسائل ردع وضمان بقاء في بيئة إقليمية معادية. ومن هذا المنطلق، تركز الأهداف الإيرانية على ثلاث مرتكزات أساسية: أولها، رفع العقوبات الاقتصادية التي تُعدّ بالنسبة لطهران أداة ضغط استراتيجية تهدد استقرارها الداخلي. وثانيها، الحفاظ على قدراتها الدفاعية، بما في ذلك البرنامج الصاروخي، بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي. أما المرتكز الثالث، فهو الاعتراف بدورها كقوة إقليمية فاعلة، لها مصالح ونفوذ مشروع في محيطها الجغرافي.
هذا التباين لا يعكس اختلاف المصالح فقط، بل يكشف عن تعارض في تعريف المفاهيم الأساسية ذاتها، فما تعتبره الولايات المتحدة “تهديداً يجب تفكيكه”، تراه إيران “حقاً سيادياً يجب حمايته”. وما تصفه واشنطن بـ “النفوذ المزعزع للاستقرار”، تعتبره طهران “عمقاً استراتيجياً ضرورياً للأمن القومي”.
هنا تكمن جوهرية ما يمكن تسميته بـ “عدم القابلية للتوفيق الاستراتيجي” (Core Strategic Incompatibility). فالتفاوض، في هذه الحالة، لا يدور حول حجم التخصيب أو عدد الصواريخ أو آليات التفتيش، بل حول سؤال أعمق: هل يُسمح لإيران بأن تكون قوة إقليمية مكتملة الأدوات، أم يجب إعادة احتوائها وتقليص دورها؟ وفي المقابل، هل تقبل إيران بالتخلي عن عناصر قوتها مقابل ضمانات دولية، وهي التي تختبر تاريخياً هشاشة هذه الضمانات؟
إن هذه الإشكالية تُنتج ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ “مشكلة الالتزام” (Commitment Problem)، حيث يشكك كل طرف في نوايا الطرف الآخر على المدى الطويل. فالولايات المتحدة تخشى أن أي تخفيف للقيود سيمنح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها بشكل أقوى، بينما تخشى إيران أن أي تنازل جوهري سيجعلها عرضة لضغوط مستقبلية من دون امتلاك أدوات ردع كافية.
وعليه، فإن غياب “نقطة وسط” واضحة ليس ناتجاً عن سوء إدارة التفاوض، بل عن انعدام أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. فكل تنازل جوهري من أحد الطرفين يُفسَّر داخلياً كخسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها، وهو ما يقيّد هامش المناورة لدى صناع القرار.
ثانياً- الملف النووي والصاروخي كـ “عقدة صلبة”:
1- الرؤية الأمريكية: الاحتواء ومنع التمكين الاستراتيجي.
تنطلق الولايات المتحدة من فرضية مركزية مفادها أن امتلاك إيران لقدرة نووية كامنة، إلى جانب ترسانة صاروخية متقدمة ونفوذ إقليمي واسع، يشكل تهديداً مباشراً لبنية الأمن الإقليمي ولحلفائها في المنطقة.
وعليه، ترتكز المقاربة الأمريكية على ثلاث أهداف رئيسية، وهي وقف أو تقليص البرنامج النووي بشكل جذري بما يمنع أي قدرة على إنتاج سلاح نووي، حتى على مستوى “القدرة الكامنة”، وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية باعتباره وسيلة إيصال استراتيجية تربط بين القدرة النووية المحتملة والقدرة التشغيلية، وتقليص النفوذ الإقليمي الإيراني الذي تعتبره واشنطن عنصراً مخلاً بتوازن القوى في المنطقة.
2- الرؤية الإيرانية: الردع السيادي وهشاشة الضمانات الدولية.
في المقابل، تنطلق إيران من تصور مختلف جذرياً، يقوم على اعتبار أن برنامجها النووي والصاروخي يمثلان أدوات ردع سيادي في بيئة إقليمية غير مستقرة، تتسم بتفوق عسكري تقليدي أمريكي وإسرائيلي واضح، وتتمحور المقاربة الإيرانية حول ثلاثة مرتكزات، وهي أن البرنامج النووي كحق سيادي ضمن الاستخدامات السلمية، مع رفض أي قيود تتجاوز التزاماتها في إطار معاهدة عدم الانتشار، واعتبار البرنامج الصاروخي كعنصر دفاعي غير قابل للتفاوض، باعتباره الضمانة الأساسية للردع الاستراتيجي، وضرورة الاعتراف بالدور الإقليمي لإيران كقوة فاعلة لا يمكن عزلها عن التوازنات في المنطقة.
3- أثر التحول القيادي بعد الحرب:
يشكل اغتيال القيادة الإيرانية العليا في الضربة الافتتاحية للحرب نقطة تحول حاسمة في طبيعة الملف التفاوضي. فقد أدى هذا الحدث إلى إعادة صياغة الخطاب الأمني الإيراني، بحيث لم يعد البرنامج النووي والصاروخي مجرد أدوات ردع، بل أصبحا يرتبطان مباشرة بفكرة استمرارية الدولة، وضمان البقاء السياسي.
هذا التحول انعكس في تشدد أكبر تجاه أي مقترحات تفاوضية، حيث بات يُنظر إلى أي تنازل في هذا الملف باعتباره نتيجة مباشرة للضغط العسكري، وليس خياراً سيادياً مستقلاً، وبالتالي، تقلص هامش المرونة التفاوضية لدى طهران بشكل ملحوظ مقارنة بالمراحل السابقة.
4- عقدة المفاهيم: تهديد مقابل ردع.
تكمن جوهر الأزمة في التباين العميق بين تعريف الطرفين لطبيعة الملف ذاته:
تعتبره الولايات المتحدة تهديداً يجب احتواؤه أو تفكيكه.
بينما تعتبره إيران أداة ردع وسيادة لا يمكن التخلي عنها.
هذا الاختلاف لا يتعلق بدرجة التخصيب أو مدى الصواريخ فحسب، بل يمسّ سؤالاً أعمق: هل يُسمح لإيران بأن تبقى قوة إقليمية مكتملة الأدوات، أم يجب إعادة ضبط مكانتها ضمن نظام أمني تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها؟
ثالثاً- معضلة الأمن وانعدام الثقة:
يمكن تفسير حالة الجمود من خلال مفهوم “معضلة الأمن” (Security Dilemma)، حيث تؤدي إجراءات أحد الطرفين الدفاعية إلى تعزيز مخاوف الطرف الآخر، ما يدفعه إلى مزيد من التصعيد.
فكل تقدم في القدرات الإيرانية يُفسَّر في واشنطن كتصعيد تهديدي، وكل زيادة في الضغط الأمريكي تُقرأ في طهران كدليل على نوايا احتوائية طويلة الأمد. ومع غياب الثقة المتبادلة، يتحول كل اتفاق محتمل إلى اتفاق هش ومؤقت في نظر الطرفين.
1- جذور انعدام الثقة – إرث الاتفاق النووي 2015:
من منظور إيراني، تمثل تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 نقطة التحول الأساسية في تآكل الثقة مع الولايات المتحدة. فالاتفاق الذي رُوّج له باعتباره نموذجاً للديبلوماسية متعددة الأطراف، انتهى فعلياً بانسحاب أمريكي أحادي في عام 2018، وما تبعه من إعادة فرض العقوبات الاقتصادية بشكل واسع.
وقد شكّل هذا الانسحاب بالنسبة لصناع القرار في طهران دليلاً عملياً على أن الالتزامات الأمريكية ليست مستقرة، بل خاضعة للتغيرات السياسية الداخلية وتبدّل الإدارات. ونتيجة لذلك، ترسّخ لدى إيران تصور مفاده أن أي اتفاق جديد قد يواجه المصير ذاته، ما يقلل من جدوى تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة.
2- الرؤية الأمريكية – الشك في نوايا الالتزام الإيرانية:
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى إيران من زاوية مختلفة، تقوم على الشك في مدى التزام طهران بأي اتفاق طويل الأمد، فالتجربة الأمريكية مع إيران منذ 2003، رسّخت قناعة داخل دوائر القرار بأن إيران تميل إلى استخدام فترات التهدئة لإعادة بناء قدراتها الاستراتيجية تدريجياً.
كما ترى واشنطن أن هيكل القرار الإيراني، وتعدد مراكزه، والارتباط الوثيق بين الأمن القومي والمؤسسات العسكرية، تجعل من الصعب ضمان التزام ثابت بأي قيود طويلة الأمد، خصوصاً في الملفات النووية والصاروخية.
رابعاً- استمرار الضغط العسكري أثناء التفاوض:
يُعد استمرار الضغط العسكري المتبادل أثناء مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أحد العوامل الأكثر تأثيراً في تقويض فرص الوصول إلى اتفاق مستقر. فبدل أن تتم المفاوضات في بيئة سياسية آمنة تسمح ببناء الثقة وتقديم تنازلات متبادلة، تجري العملية التفاوضية في ظل ضغط عسكري مفتوح، يجعل كل طرف ينظر إلى التفاوض كامتداد للصراع وليس كبديل عنه.
1- المقاربة الأمريكية – القوة كأداة تفاوضية:
تعتمد الولايات المتحدة في تعاملها مع الملف الإيراني على مزيج من الدبلوماسية والضغط العسكري، وفق ما يمكن وصفه باستراتيجية “التفاوض تحت التفوق القسري”. وفي هذا السياق، تبرز ثلاث أدوات رئيسية:
الحصار البحري على إيران، حيث تسعى واشنطن إلى فرض قيود غير مباشرة على حركة التجارة المرتبطة بإيران.
التهديد المستمر باستئناف العمليات العسكرية: الهدنة القائمة أقرب إلى وقف مؤقت لإطلاق النار يمكن إنهاؤه في حال فشل التفاوض، وهو ما يبقي خيار الحرب حاضراً في الخلفية.
الانتشار العسكري الإقليمي: تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في قواعد محيطة بإيران يهدف إلى خلق ضغط ردعي دائم، يحد من هامش المناورة الاستراتيجية لطهران.
2- المقاربة الإيرانية – الرد غير المباشر وتوسيع هامش الضغط:
في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية “الضغط غير المتماثل”، وتتمثل أبرز هذه الأدوات في:
التحكم في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إذ يُعد المضيق ورقة استراتيجية مركزية، نظراً لكونه أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ما يمنح إيران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي عند تصاعد التوتر.
الدعم غير المباشر للفصائل والحلفاء الإقليميين، حيث تستخدم إيران شبكة من الحلفاء غير الرسميين كأداة ضغط سياسي وعسكري منخفض التكلفة المباشرة.
القدرة على فتح جبهات عديدة في وقت واحد، وهو ما أظهرته خلال الحرب، عبر ضرب إسرائيل وعدد من دول الخليج بالصواريخ البالستية والمسيرات.
خامساً- دور الأطراف الثالثة كعامل مُعقِّد في التفاوض الأمريكي – الإيراني:
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مواجهة ثنائية تقليدية يمكن احتواؤها ضمن مسار تفاوضي مباشر، بل تحوّل إلى شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية، تلعب فيها الأطراف الثالثة دوراً مؤثراً في تشكيل حدود الممكن السياسي، وفي تعطيل أو إعادة توجيه مسارات التسوية.
1- إسرائيل – الفاعل الأمني الأكثر حساسية للتسوية:
خاضت إسرائيل والولايات المتحدة بشكل ثنائي الحرب ضد إيران، لكنها ليست موجودة بشكل مباشر في التفاوض، لكنها الفاعل العسكري والأمني الإقليمي الأكثر تأثيراً في حسابات واشنطن الاستراتيجية، وتضغط إسرائيل باتجاه عدم الوصول إلى اتفاق يسمح بتخفيف الضغط عن البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ البالستية، أو يسمح لإيران بدعم “حماس” و “حزب الله”، خصوصاً أن “حزب الله” هو نقطة الارتكاز الأساسية الأهم في حسابات الأمن القومي الإسرائيلي، لذلك، فإن أي تسوية لا تعالج هذا البعد الإقليمي تُعد من منظور إسرائيلي تسوية ناقصة أو حتى خطرة.
2- الوسطاء الإقليميون – إدارة الأزمة من دون القدرة على حلّها:
في مقابل الفاعلين التصادميين، تلعب دول مثل قطر، عُمان، وباكستان دور الوساطة في محاولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران، ومنع انهيار الوضع نحو مواجهة شاملة.
سلطنة عُمان تُعد تقليدياً قناة دبلوماسية منخفضة التوتر، تعتمد على الحياد النسبي وقدرتها على التواصل مع الطرفين.
قطر تلعب دور الوسيط السياسي والمالي في بعض الملفات، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة وإيران.
باكستان دخلت كوسيط أساسي، معتمدة على مروحة علاقات دولية وإقليمية قوية، من الصين إلى أمريكا والخليج وإيران.
لكن رغم أهمية هذه الأدوار، فإنها تبقى محدودة من حيث القدرة على فرض حلول أو صياغة اتفاقات نهائية.
سادساً- خلاصة تحليلية مركبة – أسباب تعثّر الوصول إلى اتفاق أمريكي–إيراني:
يمثل فشل الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق مستقر بعد الهدنة التي أعقبت حرب فبراير 2026 نتيجة تداخل مجموعة من العوامل البنيوية والاستراتيجية، التي تتجاوز الخلافات التقنية أو الدبلوماسية التقليدية، فالمسألة لا تتعلق بغياب الإرادة التفاوضية فقط، بل بوجود اختلالات عميقة في بنية النظام الإقليمي، وتعارض في إدراك الأمن، وتشابك في موازين القوى والفاعلين.
يمكن تلخيص هذه الإشكالية في خمسة محاور رئيسية مترابطة تشكل معاً الإطار التفسيري للأزمة الحالية:
1- صراع على النظام الإقليمي:
لا يدور الخلاف بين واشنطن وطهران فقط حول الملف النووي فقط، وإنما حول طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تسعى إلى نظام أمني يحدّ من نفوذ إيران ويعيد ضبط سلوكها الإقليمي ضمن قواعد تقودها واشنطن وحلفاؤها، بينما ترى إيران أن لها دوراً إقليمياً مشروعاً لا يمكن تقليصه من دون المساس بميزان الردع.
وبذلك يتحول التفاوض من نقاش تقني إلى صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه، ما يرفع كلفة أي تنازل ويجعل التسوية الشاملة أكثر تعقيداً.
2- الملف النووي غير قابل للحل السريع:
يمثل الملف النووي والصاروخي أحد أكثر الملفات صلابة في هذا الصراع، لأنه يرتبط مباشرة بمفاهيم الردع والسيادة والأمن القومي، فالخلافات حول الملف النووي، أو مدى القدرات الصاروخية ليست تفاصيل تقنية، بل تعبير عن اختلاف جذري في تعريف التهديد والأمن.
3- توازن قوة غير محسوم بعد الحرب:
أدت الحرب وما تبعها من هدنة إلى إعادة تشكيل جزئي في موازين القوى، من دون أن ينتج عنها حسم واضح، فلا الولايات المتحدة استطاعت فرض معادلة ردع دائمة، ولا إيران فقدت قدرتها على التأثير الإقليمي، كما شكل تماسك النظام الإيراني بعد الضربة الأولى التي أطاحت بكبار القادة السياسيين الإيرانيين نقطة قوة كبرى لمصلحة إيران، خصوصاً أن رهان ترامب ونتنياهو على أن تكون هذه الاغتيالات كفيلة بزعزعة النظام وتفكيكه، بدت أنها خاطئة بالمطلق، بل أنتجت حالة تماسك داخل النظام، نظراً لشدة التهديد الوجودي الذي شكلته الحرب، والمستوى غير المسبوق في الاستهداف، الذي طال المرشد الأعلى الذي يمثل أحد أهم رموز الجمهورية الإسلامية.
كما أن إمساك طهران بملف مضيق هرمز، ووضع يدها على قرار الملاحة فيه، وتأثيراته الفورية على أسواق الطاقة العالمية، أعطت طهران مجالاً أوسع في التفاوض على مكانتها الإقليمية، وهو ما تعزز مع استهدافها مروحة واسعة من الأهداف العسكرية والنفطية داخل دول الخليج.
4- انعدام الثقة البنيوي:
يشكل انعدام الثقة بين الطرفين أحد أكثر العوامل رسوخاً في الأزمة، فإيران تستند إلى تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2015 كمؤشر على عدم موثوقية الالتزامات الأمريكية، بينما ترى واشنطن أن إيران قد تستخدم أي تخفيف للعقوبات لإعادة بناء قدراتها الاستراتيجية، وهذا الانعدام المتبادل للثقة يحول أي اتفاق إلى التزام هش في نظر الطرفين، ويضعف القدرة على بناء ضمانات طويلة الأمد.
5- تعدد الأطراف المؤثرة:
لم يعد الصراع ثنائياً محصوراً بين واشنطن وطهران، بل أصبح شبكة إقليمية معقدة تشمل فاعلين مثل إسرائيل، وقوى إقليمية، خصوصاً دول الخليج، ودول وساطة متعددة.
هذا التعدد يزيد من تعقيد أي تسوية، لأن كل طرف إضافي يضيف حسابات جديدة، ويقلل من القدرة على إنتاج اتفاق شامل يحظى بقبول واسع أو قابلية للاستمرار.