أخبار سورية

متى ترحل سلطة الأمر الواقع في دمشق؟

لا يخفى على أي مشتغل في الشأن السياسي السوري أن سؤال توقيت رحيل هذه السلطة، أو الأصح سؤال: كم من الوقت ستحكم؟ كان مطروحاً منذ اليوم الأول لإيصالها إلى سدّة الحكم، وظل هذا السؤال حاضراً خلال العام والنصف الماضيين، لكن خلال الشهرين الماضيين، أصبح السؤال أكثر حضوراً، ليس فقط في دوائر المشتغلين في الشأن العام، بل على لسان كثر من السوريين، الذين أصبحت معاناتهم تفوق طاقاتهم على الاحتمال، خصوصاً مع الارتفاع الهائل الذي شهده قطاع الطاقة والمحروقات، والذي انعكس بشكل فوري على مختلف مناحي الحياة للمواطنين.

إنّ أي سلطة تصل إلى الحكم بعد انهيار نظام بشار الأسد، ومن أجل أن تكون قادرة على إدارة الدولة، وتأمين تحول تدريجي نحو الاستقرار والتعافي، كان عليها أن تبدأ منذ اليوم الأول بتقييم شامل لمختلف الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن تحدد مستوى خطورة المشكلات التي وصلت إليها البلاد، كي تتمكن من وضع خطط عاجلة، لتلافي الانهيار نحو الأسوأ، وأن تكون مدركة أن حجم المشكلات القائمة يحتاج إلى إشراك أوسع طيف ممكن في العمل على إيجاد حلول واقعية وممكنة، لوضع جميع المشاركين أمام مسؤوليتهم الوطنية، بما في ذلك الإخفاق في التخطيط والتنفيذ.

السؤال الأساسي الذي كان ينبغي طرحه: هل تستطيع جهة واحدة مهما بلغت من الكفاءة أن تنهض بأعباء بلاد خارجة للتو من حرب داخلية طويلة، أتت على معظم مقدرات البلاد، وهجّرت الملايين، ومن ضمنهم كفاءات وطنية في مختلف المجالات، وانهيار الاقتصاد الوطني بكل قطاعاته، وانقسام اجتماعي غير مسبوق، واستفحال الأميّة في أوساط الجيل الجديد، وانتشار السلاح، وانهيار المنظومة العسكرية، وغير ذلك من أزمات حفرت عميقاً في جسد البلاد؟

لم تقم السلطة بأي تقييم موضوعي لما آلت إليه البلاد، ولم تواجه نفسها بسؤال الكفاءة وضرورة المشاركة وتحمل المسؤوليات، بل على العكس من ذلك، اعتبرت أن إيصالها أو وصولها إلى سدّة الحكم كافٍ لمنحها الشرعية، والأسوأ منحها الحق في إدارة البلاد بشكل منفرد، على اعتبار أن السلطة غنيمة للجهة المنتصرة في الحرب، مراهنةً بذلك على الإنهاك الذي أصاب السوريين خلال فترة الحرب، والذي سيجعلهم يشعرون بأن أسوأ وضع في ظل السلطة الحالية هو أفضل من الأوضاع التي كانت سائدة خلال حكم بشار الأسد بعد عام 2011.

عوّلت سلطة الأمر الواقع على ما اعتبرته دعماً سياسياً أمريكياً، سيفضي بشكل آلي إلى دعم إقليمي، يُترجم إلى مساعدات مالية كبيرة، من شأنها أن تبث حالة ارتياح شعبي عام، يصبح بمثابة تفويض، يساعد السلطة في تهرّبها من استحقاقات سياسية داخلية، في مقدمتها تحديد طبيعة النظام السياسي الذي سيعتمده السوريون في نهاية المرحلة الانتقالية، لكن ما عوّلت عليه السلطة، سرعان ما تكشف أنه حساباتٌ خاطئة، في منطقة تعجّ بالأزمات والمشكلات والملفّات الشائكة والمعقدة.

ولئن كان صحيحاً نسبياً، وإلى حدّ كبير، أنه في بلد مثل سوريا، لا توجد فيه ثقافة سياسية عامة، ولا اهتمامٌ واسعٌ بالشأن العام، فاقمته الأوضاع الكارثية في سنوات الحرب، ما يجعل من مستوى الأوضاع المعيشية معياراً أساسياً في مدى قبول الناس للسلطة، إلا أن هذا الأمر نفسه، يجعل من التردي السريع للأوضاع المعيشية سبباً في مقارنة العامة بين أوضاعهم المعيشية اليومية قبل انهيار نظام بشار الأسد وبين أوضاعهم الحالية في ظل سلطة الأمر الواقع.

قبل هروب بشار الأسد، كان المواطن يدفع أقل من دولار واحد تكلفة حصوله على ساعات قليلة من الكهرباء، لكن مع الزيادة الهائلة لأسعار شرائح الكهرباء، أصبح متوسط ما يدفعه ربّ الأسرة عن فاتورة الكهرباء، حوالي 80 دولاراً، وهو ما يعادل معظم راتب الموظف في القطاع العام، كما ارتفعت مادة الخبز من 400 ل.س إلى حوالي 5000 ل.س، أي بزيادة 12 ضعفاً عن السابق، في الوقت الذي انفتحت فيه السوق المحلية على البضائع الصينية والتركية، التي وجهت ضربة قاضية لما كان قد تبقى من بعض الصناعات الوطنية.

هل هناك مستثمر خارجي أو محلي فعلي يمكن أن يستثمر في بلد خارج من الحرب؟ هذه هي المعضلة التي وجدت سلطة الأمر الواقع نفسها في مواجهتها، فقدوم الاستثمارات إلى بلد انتهت فيه الحرب، أكانت خارجية أم داخلية، رهن وجود وثيقة فعلية تعلن انتهاء الحرب، كما جرى في لبنان بعد اتفاق الطائف، الذي مهد الطريق أمام مؤتمر المانحين في الكويت، وفتح الباب أمام مساعدات وتمويلات كبيرة للبنان بعد انتهاء الحرب، لكن سلطة “من يحرّر يقرّر” اعتبرت أنه لا حاجة لها بوثيقة من هذا النوع، كان يمكن أن تتأسس انطلاقاً من مؤتمر حوار وطني سياسي حقيقي، يبلور تصوراً واضحاً للمرحلة الانتقالية، وما ستفضي إليه.

الأسوأ من كل ذلك، أن سلطة الأمر الواقع، وبدلاً من العمل السريع على تصفير المشكلات الداخلية، قامت بمفاقمتها، عبر مجزرتين ضد المدنيين العلويين والدروز في الساحل والسويداء، أحدثت المزيد من الشروخ في الجسد الوطني السوري، وهو المثقل أساساً بهذه الشروخ، وهذا وحده كافٍ لفهم قصور وعي السلطة بماهية الدولة والسلطة معاً، وبقصور وعيها بما نشأ وتراكم من معضلات وطنية كبرى خلال 15 عاماً من الحرب، وقد كان عام ونصف العام من حكمها كفيلاً بإظهار رجحان عقلية الأمير والفصيل على عقلية الدولة، التي غابت تماماً مع كل خطوة اتخذتها هذه السلطة.

إن رحيل هذه السلطة بشكل أو بآخر معروف ومبتوتٌ فيه عند القوى التي أوصلتها للحكم، لكن السؤال: هل ستواجه سوريا قبيل رحيلها فصلاً أو فصولاً دموية جديدة من العنف والدماء، أو أن رحيلها نفسه سيكون مقدمة لفصول عنف جديدة، أم أن السوريين سيكونون قادرين على العمل لبناء بديل سياسي وطني ديمقراطي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق