رأي

من الخاص إلى العام وضرورة إعادة بناء معنى السياسة والتنظيم

هشام المسالمة- مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب

في الذكرى التاسعة لتأسيس الحزب الدستوري السوري (حدْس)، تبدو لي ضرورة الكتابة عن السياسة بوصفها عملاً تنظيمياً تراكمياً أكثر من مجرد احتفاء بالتجربة، على أهمية ما في هذا الاحتفاء من ضرورة أيضاً، أي الاحتفاء بتجربة سياسية حزبية في لحظات من أقسى ما مرّت به البلاد منذ تأسيس الدولة للمرة الأولى في عام 1920.

الكتابة عن تجربتي في (حدْس)، وكيف وصلت إلى قناعة تامة بأن العمل الأكثر إنتاجية وطنياً هو العمل السياسي التنظيمي، هي كتابة عن معنى السياسة، هذا المعنى الذي وصل إلى حالة من الاضمحلال والتآكل، في بلد عاش ولا زال يعيش في حالة فوضوية كارثية، بسبب الحرب السورية، والتي لم تنته كلياً بعد، ولذلك وجدت أن من واجبي كشخص، وقطعاً من واجب كثيرين من العاملين في الشأن العام أن يعيدوا بناء معنى السياسة في بلد ممزق مثل بلدنا سوريا.

حملت الثورة السورية آمال كبرى لقطاعات واسعة من السوريين، لكنها حملت في تحولاتها انكسارات كبرى، خصوصاً أن نهاية النظام الذي ناضل ملايين السوريين لتغييره، وانتهى بهروب رأسه بشار الأسد، أتت بقوى لا تشبه في بنيتها وسياساتها وتاريخها ما يشبه تلك الآمال التي ناضل السوريون من أجلها.

ولادتي في مدينة درعا لعائلة من العائلات الكبيرة نسبياً، وفي بيت يحترم التعليم والفن والثقافة والرياضة، وضعني بشكل من الأشكال في ساحة العمل بالشأن العام، وقد اكتسبت في سنوات النشأة وعياً أولياً لكن مهماً بضرورة أن يكون العمل في الشأن العام عملاً جماعياً، كما في الفرقة الموسيقية التي يؤدي أفرادها عملاً متناغماً مشتركاً وتكاملياً، محصلته قطعة موسيقية يسمعها الجمهور ويتأثر بها.

كان لي حوالي خمسة عشر عاماً في مهنة المحاماة، حين اندلعت الانتفاضة السورية، فوجدتني كما كثر منحازاً إليها، قولاً وفعلاً، وقد كلفني هذا ما كلف آخرين، وربما أقل بكثير من آخرين، وهو الخروج كلياً من البلاد، بعد أن أصبح البقاء الشخصي مهدداً، وقد بدأت منذ تلك اللحظة رحلة أخرى، بملامح فيها الكثير من الاختلاف عما سبقها، فليس سهلاً على المرء أن يبدأ حياته في مكان آخر من جديد، وأن يبقى مهتماً وفاعلاً في قضيته الوطنية.

قبل انضمامي إلى الحزب الدستوري السوري، انخرطت في تجارب قانونية وسياسية، وخصوصاً تجربة توثيق الانتهاكات وجرائم الحرب، من خلال التعاون مع منظمات مجتمع مدني، وكذلك تواجدت لفترة قصيرة مع إحدى المجموعات السياسية المحسوبة على التيار الديمقراطي، لكنني كنت أشعر بأن ثمة ما هو غائب في التجارب المدنية والحقوقية التي خضت فيها، إلى أن تعرفت إلى الأصدقاء في الحزب الدستوري السوري، وأخذت القرار في الانضمام إلى الحزب، ولا أزال منذ حوالي ست سنوات مستمراً في التجربة، لقناعة ازدادت رسوخاً مع الوقت، وهي أن لا مهرب من العمل السياسي المنظم، هذا العمل الذي حورب بقوة سابقاً في عهد الأسدين، وتتهرب سلطة الأمر الواقع من الاعتراف به، وتحاول القفز من فوقه ومن فوق ضروراته إلى التمثيلات الطائفية والمدنية.

طالما آمنت بالعمل المنظم في مسيرتي المهنية والمجتمعية، لكن في السياسة التنظيم هو أهم قاعدة للاستمرار والبقاء والتطور، في (حدْس) كمؤسسة سياسية وحزبية وجدت مشروعاً تنظيمياً واضحاً، والأهم لدي كان الاحتكام العقل السياسي البارد الذي يحلل ويتفكر ويربط تطور الصراع الدولي بالإقليمي والمحلي، ما يساعد على التحليل السياسي العميق المبني على الواقعية لا على الرغبة.

إذا كان ما سبق قد قادني إلى القناعة بضرورة العمل السياسي المنظم، فإن السنوات الست التي أمضيتها ضمن الحزب الدستوري السوري (حدْس) كانت كفيلة بتحويل هذه القناعة من فكرة عامة إلى تجربة معاشة، تتجسد يومياً في الممارسة، وفي طريقة التفكير، وفي فهم السياسة بوصفها عملية تراكمية لا تقبل الارتجال.

لم يكن انتمائي إلى الحزب مجرد انتقال تنظيمي، وإنما انتقال في الوعي السياسي نفسه. فحدْس، رغم حداثة تأسيسه في عام 2017، قدّم لي نموذجاً مختلفاً للعمل السياسي، يقوم على وضوح الرؤية، وصلابة البنية التنظيمية، والالتزام بمجموعة من القيم المؤسسة للدولة الحديثة، والمتمثلة بالديمقراطية والعلمانية والمواطنة والتنمية والسلام لا كشعارات، بل كمرتكزات فكرية وسياسية تحكم السلوك والموقف.

ضمن هذا الإطار، لم تعد السياسة بالنسبة لي تفاعلاً مع الحدث فقط، بل أصبحت عملية تحليل مستمر، تستند إلى قراءة متماسكة لتداخل المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، وإلى عقل سياسي يوازن بين المبادئ والواقع، من دون أن يسقط في أسر الرغبات أو الانفعالات. وهو ما منحني، مع الوقت، قدرة أكبر على التمييز بين ما هو ممكن وما هو متخيل، بين العمل السياسي المنتج، والعمل الذي يستهلك نفسه في الخطاب.

في حدْس، لم يكن التنظيم مجرد بنية إدارية، بل، بل مساحة لإعادة بناء الذات السياسية. فالعلاقة الرفاقية داخله تجاوزت الأطر التقليدية، لتصبح مساحة للنقاش، والمراجعة، والنقد الذاتي، وهي عناصر أساسية في أي تجربة سياسية تسعى إلى الاستمرار. ومن خلال هذا التراكم، بدأت ملامح تحول حقيقي في شخصيتي، حيث لم أعد أنظر إلى القضايا الوطنية من زاوية جزئية، بل من موقع أقرب إلى التفكير بعقل الدولة، بكل ما يحمله ذلك من مسؤولية وتعقيد.

كما التقيت مع الحزب في مقاربته لقضايا الإنسان، المستندة إلى مفاهيم سياسية ودستورية وقانونية، في انحياز الحزب الواضح والمباشر لقضايا العدالة الاجتماعية، وقضايا المرأة، ومنظومة حقوق الإنسان، وعدم التمييز في عملية التضامن مع الضحايا على أساس هوياتي، وإنما بوصفهم بشراً في المقام الأول، ومواطنون سوريون في المقام الثاني، الذي لا يقل عن الأول في الأهمية، فقد تضامن الحزب خلال سنوات ما قبل سقوط سلطة بشار الأسد مع ضحايا المجازر التي ارتكبتها قواته بحق السوريين، وقد تضامن مع الضحايا المدنيين الذين قضوا في مجازر الساحل والسويداء، وفي كلتا الحالتين، كان المعيار واحداً، والمبدأ ثابتاً، وهو أن الجريمة تطال مواطنين سوريين أبرياء، بعيداً عن هوية الضحايا المناطقية أو الطائفية.

في العام ونصف العام الماضيين، ازدادت وتغيرت تحديات العمل السياسي الحزبي، حيث انزاحت بعض القوى التي كانت محسوبة تاريخياً على التيار الديمقراطي إلى موقع التأييد لسلطة الأمر الواقع، أو لم تظهر ما يكفي من صلابة في الموقف والإدانة الضرورية لانتهاكاتها الجماعية، واستئثارها بالسلطة، ومحاولة بناء استبداد جديد بطابع سلفي، وهذا ما يدفع نحو إعادة التذكير بضرورة إعادة بناء معنى السياسة من جهة، ومعنى التنظيم السياسي من جهة أخرى، فقد أظهرت التجربة السياسية، أن ما سمي لدينا بالأحزاب، كان معظمها عبارة عن مجموعات لا تمتلك بوصلة سياسية أو تطابق بين المبادئ والخطاب.

في النهاية، لم تعد المسألة بالنسبة لي مرتبطة بحزب أو تجربة بعينها، بقدر ما أصبحت مرتبطة بفكرة أعمق: أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم إلا عبر عمل سياسي منظم، طويل النفس، ومحصّن برؤية واضحة. وهي القناعة التي أجدها اليوم أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، بعد تسع سنوات على تأسيس حدْس، وست سنوات من الانخراط في تجربته.

ولذلك، فإن الرسالة التي أؤمن بها اليوم لا تتوجه إلى من خاضوا التجربة فحسب، بل إلى الجيل السوري الجديد، الذي وُلد في قلب الحرب أو تحت ظلالها، ويبحث عن معنى للسياسة خارج الفوضى والشعارات والانقسام. إن هذا الجيل هو الأكثر قدرة على إعادة تعريف الفعل السياسي، إذا ما أدرك أن التغيير لا يصنعه الغضب وحده، بل يصنعه التنظيم، والمعرفة، والإيمان بأن الدولة ليست حلماً بعيداً، بل مشروعاً يُبنى خطوة خطوة، وبإرادة جماعية واعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق