تحقيقات

(الدستوري) في ذكرى تأسيسه التاسعة: شهادات في البدايات والمسيرة والمواقف

حدْس – هيئة التحرير:

تأتي الذكرى التاسعة لتأسيس الحزب الدستوري السوري (حدْس) لتستعيد معها محطات عديدة مرّت بها البلاد، وعاشها الحزب بتفاصيلها وتفاعل معها، في إطار الالتزام بوثيقته التأسيسية ومبادئه (الديمقراطية، العلمانية، المواطنة، التنمية، السلام)، وفي إطار خطه السياسي المناهض للحرب السورية، التي حولت العديد من الأطراف إلى سلطات أمر واقع، من بينها نظام بشار الأسد، وأفرزت بعد هروبه سلطة أمر واقع، يقودها فصيل عسكري، من خلفية سلفية جهادية.

في هذه المناسبة، نقف على شهادات عدد ممن عاشوا التجربة من داخلها، أو تفاعلوا معها من مواقعهم كمثقفين وسياسيين، في محاولة للإضاءة على تجربة الحزب خلال مسيرة قاربت العقد من الزمن.

إن جمع هذه الأصوات في لحظة واحدة لا يهدف فقط إلى توثيق التجربة، بل إلى فتح أفق للحوار حول المستقبل، واستشراف ما يمكن أن يكون عليه العمل الوطني، فالتجارب السياسية لا تُقاس بعمرها الزمني فقط، بل بقدرتها على التأثير، وإنتاج الأفكار، وإلهام الفاعلين، وهذه الشهادات هي إحدى مرايا هذا التأثير.

محمد حلّاق الجرف، عضو مؤسس رئيس في الحزب، وهو الآن صديق للحزب وكاتب مختص بالشأن الثقافي في صحيفة “حدْس”، قال في شهادته: مرت تسع سنوات على الإعلان التأسيسي للحزب الدّستوري السّوري (حدْس)، لكن هناك حوالي الأربعة عشر شهراً سبقت إعلان الولادة ذاك، حين بدأت محادثات ثنائية بيني وبين الصديق حسام ميرو، وانضمّ إلينا لاحقاً الرفيق السّابق عبد الله الحسن،  كانت عبارة عن عصف ذهني للبحث عن مبادرة تجمع السّوريين، وخلال تلك الأثناء بدأنا بكتابة أوراق لتجميع خيوط ما نفكّر به،  ومن تلك  الأوراق انبثقت فكرة أنه من الضروري أن يحمل حزب سياسي ما هذه المبادرة، وهكذا وُلد الحزب.

كان هناك إصرار على (الحزب) لا على تيار أو منصّة أو مبادرة، بمعنى أننا كنّا نسعى إلى هيكلٍ منضبط لا إلى هيكل فضفاض. وكانت الفكرة أن يكون هناك حزب على صعيد عددي ضيّق على أن يُعوّض ذلك بالمبادرات والاتصال مع منظّمات المجتمع المدني التي اعتُبرت وقتها بأنّها بمثابة أجنحة الحزب وحامله الأساسي.

كانت هذه رؤيتنا باختصار لآلية عمل الحزب في ظرفٍ سوري معقّد جدّاً، ورافض للسّياسة بمعنى الممارسة اليومية، أما رؤيتنا الأيديولوجية فقد حاولنا العمل باتجاه (الليبرالية اليسارية) بمعنى تبنّي القيم الليبرالية لكن من منظور مصالح المهمّشين. وأعتقد أنّ الحزب بأوراقه التي ضمّت مبادئه الخمسة كان سبّاقاً إلى ثلاثة أمور: أولها أنّه تبنّى العلمانية بشكلٍ لا لبس فيه ومن دون أي مواربة، وكان هناك حرص شديد، حتّى عند اللّقاء والتّشاور مع الإسلاميين، أنّ الحزب هو حزبٌ علماني، ولكنّها علمانية لا تعادي الإسلام ولا أي دين آخر بوصفه إسلاماً، بل معارضتها الأساسية هي محاولة تقييد الحرّيات الشخصية باسم الدّين.

والأمر الثّاني هو قوله الصّريح بوجود “شعوب سورية” في نفي يكاد يكون راديكالياً لمقولة “المكوّنات السّورية”، مع الانتباه إلى أنّ مفهوم الشّعب يستند إلى العِرق لا إلى الطائفة، ومن هنا، وبقدر ما كان الحزب حريصاً على الاعتراف بالقومية السّورية المختلفة، بقدر ما كان شديد الخصومة لكل خطابٍ طائفي.

الأمر الثّالث هو القول بأنّ أحد الأسباب الرّئيسة للتّأخر والفوات السّياسي في سورية هو في عجز السّوريين عن بناء نموذج دولة – أمّة، ولذا نظر الحزب إلى سورية بحدود سايكس – بيكو كوطن نهائي لكل السّوريين، ولتحقيق ذلك لابدّ، من وجهة نظر الحزب، من بناء هذا النّموذج والقول بأنّ سوريا هي أمّة – مواطنة يعيش فيها السّوريون جميعهم متساويين في القانون، وأمامه.

وبقي أمرٌ مهم لم يأخذ حقّه من الشغل التّنظيري برأيي، وهو تبنّي الدّيمقراطية التّشاركية، وعلى الرّغم أنّ الحزب قد تبنّى الدّيمقراطية بمعناها التّشاركي، إلّا أنّ أوراقه تحتاج إلى عملٍ أكبر برأيي.

أنا الآن خارج الحزب، لأسباب تتعلّق بي، بقلّة صبري إذا صحّ التّعبير، ولأسباب تتعلّق بالحزب أيضاً، لكنّي بالتّأكيد أتمنّى للحزب، ولرفاقه وأصدقائه، وأنا منهم بالطّبع، دوام الاستمرار والنّجاح فيما يصبون إليه.

أما سوسن زكزك، الناشطة السياسية والنسوية، فقالت: لم أعد أذكر بالتحديد في أية سنة تعرفت على الحزب الدستوري السوري، عندما شاركت في ورشة عمل افتراضية له، ولكن ما أذكره تماماً هو أن شعاراته لفتتني: ديمقراطية، علمانية، مواطنة، تنمية، سلام، فأحسست بداية أنها تشمل كل ما أريده، وأعمل على تحقيقه، في بلدي، خاصة شعار العلمانية الذي تتردد الكثير من الأحزاب بالتصريح عنه علانية، ومع ذلك سألت نفسي: لماذا وقع الحزب في الخطأ الشائع عند معظم القوى السياسية السورية، وهو غياب شعار المساواة عن شعاراته؟! فللأسف، يعتقد الجميع أن شعار المواطنة سيمكن الجميع من التمتع بالمساواة، متناسين التحديات الكبيرة التي يمكن أن تجعل مواطنة الرجال تختلف عن مواطنة النساء، من خلال قوانين تمييزية ضد النساء، قد يتعاملون معها على أنها جزء من الخصوصية الثقافية، التي يجب احترامها، دون تمحص كافٍ بآثارها المختلفة على كل من النساء والرجال.

كانت، وما زالت، تقارير الحزب تصلني دائماً، فأُعجب بتشميلها لقضايا متنوعة، كما أُعجب بالتقارير الخاصة بموضوع محدد، مثل القطاع الصناعي والتعليم وغيرها.

أتفق مع الحزب في موقفه من الإسلام السياسي بأشكاله كافة، وأختلف معه عندما يساوي بين المشروع الصهيوني الاستيطاني، الذي يمثل آخر شكل من أشكال الاحتلال المباشر في العالم، وبين المشروعين التركي والإيراني، مع أنني أتفق مع الحزب على رفضها، جميعها.

أما بعد سقوط نظام الأسد ومجيء السلطات السلفية الجهادية، باتفاقاتها واختلافاتها الآنية، فقد بقي الحزب متمسكا بمبادئه، وطالب السلطة الرسمية، الحكومة، بأن تعلن عن مواقفها في الديمقراطية والتعددية السياسية والمواطنة، وأعلن موقفاً واضحاً مما سمي بالحوار الوطني، وعجز هذا الحوار عن القيام بالمهمة المطلوبة منه.

ولعل موقف الحزب من قضية التعيين، ورفضه المطلق لها، وتطبيق هذا الرفض بشكل حقيقي، من أهم القضايا التي تشير إلى مبدئية الحزب، وعدم استعداده للتضحية بأي مبدأ، حتى ولو أدى ذلك إلى خروج كوادر من الحزب من صفوفه.

وأضاف إعلان الحزب عن تواجده داخل البلاد، ونشاط أعضائه في مختلف الاحتجاجات والاعتصامات، ورفعهم/ن للافتات تتضمن مطالب الناس المعيشية والسياسية، كل ذلك، أضاف نجاحاً جديداً للحزب، وعكس تمسك عضوات وأعضاء الحزب بالعمل العلني، الذي يكسر رهبة الناس من العمل بالشأن العام، خصوصاً في القضايا السياسية.

أما الآن، وفي ظل التحديات الكبيرة التي تعيشها البلاد، ومن أجل مواجهة المشروع السلفي الذي تتبناه سلطات الأمر الواقع، أنتظر من الحزب الدستوري مع بقية الأحزاب الديمقراطية العلمانية، أن تتوافق على برنامج حد أدنى، من أجل الوصول بسوريا إلى مرحلة انتقالية حقيقية تشاركية، تؤسس لاعتماد دستور عصري لسوريا، يتناسب مع طموحات شعبها في عيش كريم تضمنه سلطة القوانين العادلة، وتداول السلطة.

كل عام والحزب ثابت على مبادئه، قادر على تطويرها لتشمل حقوق السوريين جميعاً، نساءً ورجالاً، وفاعل في بناء تحالفات وطنية، نحن بأشد الحاجة لها.

محمود عيسى، الناشط السياسي والحقوقي والمعتقل السابق، قدم شهادة موسّعة، قال فيها: بدأت علاقتي بالحزب الدستوري منذ تأسيسه وشاركت في أكثر من ندوة أقامها الحزب، واستمر تواصلنا حتى سقوط النظام الديكتاتوري، وتوطدت علاقتي مع قيادة الحزب وكوادره وحضرت جميع الندوات واللقاءات التي أقامها الحزب بدءاً من الندوة التعريفية بالحزب، والتي طرح فيها رؤيته لنظام الحكم وخارطة الطريق للمرحلة الانتقالية في مقهى الاصيل في جرمانا بدمشق.

وجرى كذلك  نقاش العديد من المسائل المهمة وقرارات القيادة الجديدة ودور الأحزاب السياسية في المرحلة السورية  الجديدة، ثم أعلن عن إطلاق تحالف “دعم الديمقراطية والحريات” في 23 يناير/ كانون الثاني 2025، وكذلك دعيت إليه ولمست القيام بخطوات جادة لنقاش الوضع السوري الجديد بعد سقوط ديكتاتورية نظام الاسد، وتقديم رؤيته التي تحاول أن تقدم قراءة موضوعية تهدف إلى ابتداع اشكال فعالة في علاقة القوى السياسية الديمقراطية وإطلاق مبادرات مثل مبادرة “المنتدى الدستوري”،  كمنصة حوار بين السوريين، وكذلك الندوات المهمة التي عقدها الحزب  مثل “الدولة في العمل السياسي”.

حاول الحزب جاهداً أن يكون حزباً سورياً غير طائفي، في فكره ومبادئه وأعضائه على مساحة البلاد من الرجال والنساء، يتوجه نحو جيل الشباب ويستقطب منه القوى والطاقات الحيوية في مسعى حقيقي لدولة ومجتمع وطنيان يقومان على المبادئ التي تتجاوز الانتماءات الفرعية والهويات الاهلية الضيقة التي تُسيس وتهدد بتفتيت البلاد.

لذلك فإن حزباً يؤمن بالديمقراطية والتعددية ويرفض إقصاء الآخر من حقل السياسة والتعبير، هو نموذج مصغر عن سوريا القادرة على معالجة مشكلاتها وأزماتها واختلافاتها من خلال لغة الحوار والسياسة والتنافس المنتج.

الحزب الدستوري حزب يؤمن بالمواطنة، التي تمنح الحقوق بالتساوي لكل المواطنات والمواطنين من دون أي تمييز على أساس العرق والدين والمذهب والجندر، وبذلك هو نموذج مصغر عن سوريا التي تنظر لكل مواطن بأنه شريك في صنع القرار، وشريك في القيادة، وشريك في المسؤولية.

وأود أيضاً أن أضيف بأن صحيفة “حدْس” ليست لسان حال الحزب، بل إنها تشكل منبراً سورياً يستقبل العديد من المواد والمحاور المهمة، بدءاً من العدد الأول، لتكون منصة إعلامية تعنى بمواقف الحزب وتحليلاته الفكرية والسياسية، وتناوله لملفاّت حيوية راهنة، تمس حياة السوريين في مختلف المناحي، حيث كانت افتتاحية العدد الأول بعنوان “حَدْس … نحو بديل ديمقراطي علماني مواطني”، أما ملفّ العدد فتناول مستقبل الدولة السورية، واحتمالات ذهابها من حالتها الهشّة الراهنة إلى التصلّب أو المزيد من التفكّك.

مروراً بالأعداد التالية وصولاً إلى العدد السادس من صحيفة “حدْس” لشهر يونيو/ حزيران 2026، حيث حملت افتتاحيته عنوان “متى ترحل سلطة الأمر الواقع في دمشق؟”، أما ملف العدد، فخصص لنشر وقائع الندوة التي أقامها الحزب الدستوري السوري حول النساء المختطفات في سوريا، وكانت الندوة قد أقيمت في 17 مايو/ أيار الماضي.

كما سجّل الحزب حضوراً سباقاً في تواجده في ميدان الاحتجاجات، مثل الاحتجاجات المطالبة بالتراجع عن أسعار الكهرباء الجنونية التي لا تتناسب مع دخل المواطن السوري، ومشاركته في الاعتصامات التي دعا إليها وساهم بتنظيمها بالتعاون مع تجمع ١٧ نيسان وقوى أخرى، في نهج واعٍ وحريص على قرن القول بالفعل.

أهنئ الرفاق والاصدقاء في الحزب الدستوري بذكرى تأسيس الحزب وإصرارهم على العمل والمشاركة في بناء الدولة السورية العلمانية الديمقراطية والتي تضيف على الحياة السياسية السورية بصمة جادة وقدرة ومرونة على تأكيد الحرص والجدية في العمل السياسي الديمقراطي، على أمل أن تتحقق أهداف الحزب التي تشكل برنامج عمل يشمل أهداف الحركة السياسية السورية الباحثة عن بناء دولة المواطنة الديمقراطية الحديثة التي تقطع مع كل اشكال الاستبداد.

وبكل تأكيد هناك الملاحظات في التقارير السياسية التي يقدمها الحزب، لكن ذلك لا يؤثر كثيراً على زخم العمل والرغبة في تقديم الجديد والتغيير.

الكاتبة والسياسية المستقلة ديما الخطيب قالت: بدايةً أود أن أبارك للصديقات والأصدقاء في الحزب الدستوري السوري بمناسبة مرور تسع سنوات على إطلاق الحزب، متمنيةً للحزب الاستمرار والنجاح في هذه التجربة السياسية، وأود أن أنوه بأن الحزب، كانت مواقفه السياسية واضحة تماماً من طبيعة سلطة الأمر الواقع الحالية في سوريا، ومن الممارسات التي انتهجتها منذ لحظة توليها السلطة في دمشق، وفرض سلطتها المطلقة على كل الهيئات التشريعية التنفيذية وسياستها في مسار العدالة الانتقالية وكل الاتفاقيات التي وقعتها، والمجازر التي مارستها، الانتهاكات التي مازالت مستمرة.

لا بد من القول إن مواقف الحزب كانت من المواقف المشرفة، كذلك طبيعة الأنشطة التي يقوم بها من المشاركة في تنظيم التظاهر وفتح مسارات النقاش في كل القضايا الحاضرة في المشهد السوري وكذلك محاولة بناء وعي سياسي، وختاماً أود أن اشكر جهود الحزب، وأتمنى له ولأعضائه النجاح في طريقهم نحو سوريا التي يأملون ويسعون لها.

سنحريب ميرو، عضو المكتب السياسي في الحزب، قال: جاء تأسيس الحزب في سياق تاريخي معقّد، اتسّم بتحول الصراع السوري من مسار سياسي إلى عسكري، وتراجع دور القوى الديمقراطية، وانحسار المجتمع المدني ضمن أُطر إغاثية مرتبطة بشروط التمويل، إضافة إلى تفكك التشكيلات السياسية وعجزها عن إنتاج بدائل واقعية. في هذا السياق، تبلورت مراجعات فكرية عميقة بين عامي 2016 و2017، أكدت على مركزية المرجعية الدستورية، واعتماد مرتكزات المواطنة والديمقراطية والعلمانية والتنمية والسلام كأساس لبناء الدولة السورية الحديثة، ليُتوّج هذا المسار بالإعلان الرسمي عن الحزب في 11 يوليو/ تموز 2017.

خلال مرحلته التأسيسية (2017–2020)، ركّز الحزب على بناء هويته الفكرية والتنظيمية، وتشكيل كادر واعٍ ومستقل مادياً، قادر على مواجهة التشتت في صفوف القوى الديمقراطية. كما عمل على ترسيخ حضوره السياسي والإعلامي، وإقامة قنوات تواصل مع قوى ديمقراطية سورية، مع الحفاظ على استقلالية قراره.

في المرحلة الثانية (2020–2024)، انتقل الحزب إلى مرحلة التمكين، حيث عزز أدواته التحليلية والتنظيمية، وربط بين الفكر والممارسة السياسية، مع تركيز نوعي على بناء الكادر بدلاً من التوسع الكمي. كما نجح في تثبيت موقعه كتيار سياسي واضح الموقف من النظام والمعارضة التقليدية، ووسّع علاقاته مع جهات مدنية وحقوقية دولية، وأسهم في نشر الثقافة الدستورية عبر مبادرات فكرية مثل المنتدى الدستوري.

أما في المرحلة الراهنة، فقد أكد الحزب حضوره كقوة سياسية معارضة لكافة أشكال الاستبداد، بما في ذلك سلطة الأمر الواقع الجديدة، مستنداً إلى قراءة مبكرة لطبيعة هذه السلطة وعجزها عن تقديم حلول وطنية. وقد ترجم الحزب مواقفه إلى نشاط ميداني وسياسي داخل سوريا، عبر المشاركة في الحراك الشعبي، وتنظيم الفعاليات، وتقديم دراسات نوعية، وإطلاق منصات إعلامية، ما أسهم في توسيع قاعدته، خاصةً بين الشباب.

تختصر تجربة الحزب الدستوري السوري مساراً سياسياً يقوم على وضوح الرؤية، والاستقلالية، والالتزام بالمبادئ الديمقراطية، والسعي لبناء دولة وطنية حديثة قائمة على الدستور والمؤسسات. وقد استطاع، رغم التحديات، أن يثبت حضوره كفاعل سياسي محترم ومؤثر، يحمل مشروعاً واقعياً لمرحلة انتقالية ديمقراطية، ويؤكد التزامه المستمر بالدفاع عن حقوق السوريين وكرامتهم، والعمل مع القوى الديمقراطية لصياغة مستقبل سوريا.

يوسف هوشة، عضو اللجنة التنفيذية لحركة نستطيع 963+، قال: تسع سنوات مرّت على تأسيس الحزب الدستوري السوري، وهي فترة ليست طويلة في عمر الأحزاب السياسية، لكنها كانت كافية ليحجز الحزب مكانه في المشهد السياسي السوري كصوت ديمقراطي حر يدافع عن قيم المواطنة والدولة الدستورية وسيادة القانون.

من خلال متابعتي لتجربة الحزب خلال السنوات الماضية، أرى أن أهم ما يميّزه هو تمسكه بخطاب سياسي عقلاني ومتزن في مرحلة اتسمت بالكثير من الاستقطاب والتطرف والانقسامات. فقد حافظ على تركيزه في بناء دولة المؤسسات، وعلى فكرة المواطنة المتساوية باعتبارها الأساس الذي يمكن أن يجمع السوريين ويحميهم على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والسياسية.

كما أن تبنيه لمبادئ الديمقراطية والعلمانية والسلام والتنمية جعله يقدم رؤية متكاملة لسوريا المستقبل، تقوم على احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والثقافية، بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار أو الهيمنة الأيديولوجية.

ومن الجوانب التي تستحق التقدير أيضاً اهتمام الحزب بالعمل الفكري والسياسي الجاد، وحرصه على تقديم قراءات وتحليلات للتطورات السورية والإقليمية، إلى جانب تناوله ملفات استراتيجية كملف المياه في سوريا، بما يسهم في إثراء النقاش العام وتطوير الوعي السياسي.

ومن وجهة نظري، فإن من أبرز ما ميّز الحزب خلال المرحلة التي أعقبت سقوط النظام السابق هو حفاظه على استقلالية موقفه السياسي وعدم انجرافه وراء موجات التبرير أو الاصطفافات فوق الوطنية، ففي الوقت الذي فَضَّلتْ فيه بعض القوى السياسية السكوت أو التبرير، واصل الحزب التعبير عن مواقفه الناقدة والرافضة للانتهاكات وأعمال العنف التي شهدتها البلاد، والتي ترقى إلى المجازر، بما في ذلك الأحداث الدامية في الساحل السوري وريفي حمص وحماة، وكذلك في السويداء.

وقد عكس مواقفه تمسكه بمبادئه، وإصراره على أن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يقوم على الانتقائية في الدفاع عن الحقوق أو التغاضي عن معاناة أي فئة من السوريين، بل على بناء دولة الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، التي يسودها القانون وتحترم الحقوق والحريات والاختلاف.

ورغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، فإن استمرار الحزب وتطوير حضوره السياسي والتنظيمي يعكسان إرادة حقيقية للمساهمة في بناء حياة سياسية سورية حديثة تقوم على التعددية والعمل الديمقراطي.

ومن المحطات المهمة في مسيرته، انتقاله بعد سقوط النظام، من العمل السياسي في الخارج إلى ممارسة نشاطه رسمياً من داخل سوريا. وقد شكّل عقد مؤتمره في الداخل خطوة مهمة، عكست التزامه بالانخراط المباشر في الحياة السياسية الوطنية والمساهمة في بناء مستقبل البلاد من قلب الساحة السورية.

ورغم ما حققه الحزب خلال سنواته التسع، فإن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع حضوره الشعبي والتنظيمي، ولا سيما بين الشباب، وتعزيز انخراطه في القضايا المعيشية والاقتصادية التي تمس حياة السوريين، بما يجعل مشروعه الوطني أكثر قرباً من المجتمع وأكثر تأثيراً في الحياة العامة.

في ذكرى التأسيس التاسعة، أتمنى للحزب الدستوري السوري المزيد من النجاح والتطور، وأن يتمكن من توسيع حضوره المجتمعي وتعزيز دوره في دعم مسار بناء دولة المؤسسات والقانون التي يتطلع إليها معظم السوريين، وأن يواصل أداء دوره الوطني في ترسيخ قيم الديمقراطية والمواطنة والعيش المشترك.

مصطفى الدروبي، عضو الحزب الدستوري السوري (وحدة أوروبا)، وصاحب تجربة طويلة في العمل السياسي والحزبي تمتد لعقود، قال: في احتفالية الحزب الدستوري السوري بالذكرى التاسعة لتأسيسه لا بد من التوقف عند وثيقته، والتي حددت من خلالها أهداف الحزب عبر أقانيم خمس: الديمقراطية والعلمانية والمواطنة وتحقيق التنمية المستدامة والسلام.

لقد قيّم الحزب الانتفاضة السورية إيجابياً بوجه نظام الفساد والاستبداد واعتبر تفجًرها أمر حتمي بسبب نظام شمولي مغلق صادر الحياة السياسية عبر تغوّل الدولة الأمنية الباطشة والحامية لأوليغارشية نهبت مقدرات البلاد لعقود خلت فأحالت سورية لعزبة لأسرة آل الأسد وبطانتها الفاسدة.

نظر الحزب للشعارات التي رفعها الثوار بأنها اشتملت على مطالب السوريين التي طال انتظارها والمتمثلة بالحرية والعدالة والكرامة وبالتعددية السياسية والمواطنة الجامعة عناوين عريضة لانتقال سورية من دولة اللون الواحد والرأي الواحد إلى فضاء تعددية الرأي وبناء الدولة الحديثة، دولة المؤسسات وسيادة القانون والمساءلة والشفافية ومبدأ تحقيق فصل السلطات والتنمية المستدامة والعدالة بتوزيع الثروة.

لقد حدد الحزب الدستوري السوري (حدْس) أهدافه المبتغاة لبناء سورية الجديدة انطلاقا من الضرورة الوطنية الملحة والعاجلة، وذلك للعبور بسورية نحو بناء الدولة الحديثة القائمة على التداول السلمي للسلطة والمنضبطة وفق نهج دستوري يمثل عقداً اجتماعياً جامعاً لكل السوريين، وعلى اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية، ورأى بالتنمية المستدامة نهجاً يعتمد على الطاقات والثروات الوطنية المتنوعة الكفيلة بتحقيق العيش الرغيد لكل السوريين.

اعتمد الحزب على إصدار التقرير السياسي الشهري من أجل تقييم الأحداث على مستوى الوطن والإقليم والعالم عبر قراءة سياسية رصينة وموضوعية للمتغيّرات العاصفة، حيث كان سبّاقاً باستشراف القادم خصوصاً لمنطقتنا، والتي طالما شكّلت مطمع لقوى الهيمنة والنفوذ الدوليّين.

بإصدار الحزب لصحيفته المركزية (حدْس) مع مطلع العام الجاري، حقق نقلة نوعية في شكل الصحافة الوطنية الخارجة من سطوة الرقيب والرأي الواحد الأوحد، والمواكبة للمتغيرات المتسارعة، وكذلك الراصدة للحالة السورية من الداخل سياسياً واقتصادياً ومعيشياً وخدمياً.

يتطلع الحزب الدستوري السوري إلى المشاركة الأوسع لجيل الشباب في العمل السياسي، ودعوته للنضال من أجل إعادة السياسة للمجتمع، خصوصاً بعد فرار رأس النظام الأسدي واختطاف الوطن من قبل تيار سلفي جهادي وإرهابي يعمل على انتاج نسخة جديدة من الاستبداد بلون ديني هذه المرة، ويعمل على طمس الهوية الوطنية السورية عبر تمزيق وحدة السوريين وتقسيمهم لهويات طائفية، ودفعهم للاحتراب البيني الدموي، ما يهدد وحدة التراب الوطني السوري وتذريره.

إن المهام الوطنية الماثلة أمام الحزب في المرحلة القادمة كبيرة، وهذا يتطلب حضوره الواسع، خصوصاً في الداخل السوري والذي شهد في الشهور الماضية أكثر من اعتصام كان للحزب حضوراً مهماً فيه.

إن بلدنا سوريا، يمرّ بمرحلة خطيرة وغير مسبوقة تتطلب جهوداً استثنائية من قواعد الحزب وقيادته لتحقيق أوسع حضور بين أفراد مكوّنات الشعب السوري، والتنبيه للمخاطر المحدقة بالوطن والشعب، والعمل على خوض النصال السلمي من أجل التّخلص من سلطة الأمر الواقع التي أدخلت سوريا في مزيد من الفوضى والجوع والبطالة وفقدان السيادة الوطنية، والتأكيد لشعبنا أن الخلاص الوطني والانتقال بسوريا إلى ضفاف الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة لن يتأتى إلّا بلحمة السوريين جميعاً، في مواجهة أقلية سلطوية لا تشبه السوريين، حيث ديدنها العنف واللصوصية وغياب كل قدرة على إدارة الشأن العام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق