أخبار سورية

المرأة السورية بين الدين والدولة

هوازن خداج

شكّل تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة نوعاً من التنظيم المجتمعي الذي بني على اختلافات بيولوجية وفيزيولوجية، فرضتها مسلّمة “الإنجاب” بوصفها اختصاصاً كلياً للمرأة، في مقابل فرضية “القوة العضلية” للذكر، وترسيخها معياراً للسيادة عززته الأديان منذ قصة الخلق الأولى، و”الضلع الذي سحبه الرب من آدم ليبني امرأة”، وما تركته هذه القصة من أثر في تراجع المكانة الرمزية للنساء وحصرهن في رمزية “الضلع والرحم”، بما تنطوي عليه من أفكار تحدد “التابع والمتبوع”، ومن معايير ثقافية تقوم على “النوع الاجتماعي” وتقسيم الأدوار، ولا سيما في المجتمعات التي تعتبر المرأة جزءاً هامشياً تابعاً للذكورة وبُنى الأسرة، وترفض الانتقال إلى نموذج الدولة الحديثة، الذي يقوم جوهره على انتقال الفرد من كونه عضواً في جماعة اجتماعية أو دينية أو عائلية، إلى كونه مواطناً يتمتع بحقوق أصيلة لا تُستمد من موقعه داخل الأسرة أو من انتمائه الاجتماعي.

وبالنسبة إلى الدولة السورية، فإن الصراع بين حدود الدين وحدود الدنيا، متمثلاً في بناء دولة لجميع المواطنين والمواطنات، لا يزال جزءاً أساسياً من الصراع على وضع النساء وموقعهن، وكيفية التعاطي معهن على صعيدَي الدولة والمجتمع. إذ تتضح جلياً، على مستوى الدساتير والقوانين، تناقضات الخطاب بين حفظ الحقوق وعدم التمييز بسبب الجنس، وبين إعادة التحجيم وفرض القيود بسبب القوانين الدينية، ولا سيما قوانين الأحوال الشخصية، التي تحكم النساء وتجعلهن تابعات لرجال الأسرة بدل كونهن مواطنات في الدولة.

كما يجري غض الطرف عن تقدّم المجتمع على القوانين، تبعاً لما قطعته المرأة السورية من أشواط في الخروج من الحياة الخاصة إلى المشاركة في الحياة العامة، وما أحرزته من تقدم على صعيد التعليم والعمل والاستقلال الذاتي، وهو ما يفترض أن يُلغي صفة التبعية في الإعالة المادية، وصفة الخضوع لما يقرره الرجال، وأن يحوّل العلاقة إلى علاقة تقوم على الندية في الحقوق والواجبات، مع تغيير جميع القوانين التي تعيد إنتاج مفهوم “بيت الطاعة” بوصفه أساساً للعلاقة الأسرية، مهما كان مصدره.

وهو ما يدفع إلى التساؤل: على أي زمن تُقاس القوانين السورية؟ وكيف نقيّم قوانيننا وفقاً لتطور الفكر القانوني والتشريعي الخاص ببناء الدولة؟ ونظراً إلى أن قوانين أي عصر هي نتيجة للخبرات والتطورات، فمن المفترض أن تكون بعيدة النظر، بحيث لا تعجز عن حل أي أزمة، وأن تغلق جميع الثغرات التي قد يقرر الأفراد استغلالها من أجل تثبيت أوضاعهم الخاصة وتدعيمها.

فالتفسيرات الدينية والتشريعات المستندة إليها هي نتاج سياقات تاريخية محددة، وغير قابلة للتعميم على جميع الأزمنة، ويُفترض أن تخضع بدورها لإمكان المراجعة والاجتهاد وفق تحولات المجتمعات. إلاّ أن إهمال الأسس الجوهرية للانتقال إلى الدولة وقواعدها أنشأ خللاً بنيوياً متأصلاً في تشكيل الدولة، باعتبارها بنية مؤسساتية تستبقي منطق الجماعات الأولية، الطائفية والدينية، في تنظيم الحقوق والواجبات، وتستبقي كذلك بُنى ما قبل الدولة القائمة على التسلسل الهرمي بين الجنسين، وتقسيم الأدوار والمحظورات.

وهذا ما يجعل قضية المرأة مؤشراً إلى طبيعة الدولة ذاتها، فمدى استقلال المرأة القانوني يمثل معياراً لمدى انتقال الدولة من منطق الجماعات والوصايات إلى منطق المواطنة.

وضمن هذا الواقع الدولتي المتأرجح بين دولة الجماعة والفكر الديني السائد، وبين بنية الدولة التي تحتاج إلى الاستثمار والاستمرار من خلال قدراتها السكانية ورأس مالها البشري، وإضافةً إلى ضغط الحاجة إلى الظهور بمظهر حداثي، سُمح للنساء بالعديد من الحقوق، مثل التعليم والعمل وحق التصويت والترشح للانتخابات. وكانت سوريا من أوائل الدول التي منحت هذا الحق، عقب العديد من المناقشات في “البرلمان السوري” الذي تأسس بعد الاستقلال، حول مختلف القضايا المرتبطة بفصل الدين عن الدولة، وقضايا النساء وعلاقتهن بالدين والمجتمع، والعكس.

غير أن هذه النقاشات طُويت من دون اتخاذ موقف واضح يقدّم أحد الطرفين على الآخر. ومع ذلك، استطاعت نساء سوريات اختراق العديد من الجدران، وإعلاء صوت مطالبهن بالمساواة والعدالة، والوصول إلى مناصب في الدولة، والتصدي لحالات التهميش على الصعيد المجتمعي، وأداء دور فاعل في العديد من المجالات. إلا أن كسر حلقة الوصاية المفروضة على نصف السكان بقي خاضعاً للسلطة وآلية تنظيم المجتمع وطرائق السيطرة عليه.

وفي المرحلة الحالية، وبعد ما يقارب مئة عام على تأسيس الدولة السورية، تعود قضية النساء وسؤال الدولة وحدود الدين إلى الواجهة، ليس فقط عبر النصوص القانونية، وإنما أيضاً عبر سؤال: من يعرّف شكل الدولة الجديدة؟ إنهم القوى السياسية الذكورية، والقوى الدينية، والفصائل المسلحة التي تقود المرحلة، إلى جانب تصرفات السلطة وإصرارها على تغييب جوهر الدولة لمصلحة بناء دولة الجماعة المتدينة، التي تعيد إنتاج السيطرة على المجتمع والنساء.

فقد كان واضحاً، منذ تسلّمها السلطة، أن قضية النساء تمثل الحد الفاصل في إعادة ضبط المجتمع ضمن أطره التقليدية، وإعادة إدخال المرأة في الدولة باعتبارها “ملفاً اجتماعياً”، بدل كونها شريكاً سياسياً. وقد بدأ ذلك من ترتيب الفضاء العام الذكوري على مستوى السلطة والتشكيل الوزاري الذي ضم امرأة واحدة، مروراً بالتعيينات الشكلية للنساء، ووصولاً إلى ظهور خطاب رسمي وشبه رسمي يعيد إنتاج التسلسل الأبوي التقليدي، الذي تتصدره عبارة “حماية المرأة” بدل “حقوق المرأة”.

وتسوّق السلطة الحالية لهذا الخطاب من خلال إعادة تعريف المرأة وتحجيمها ضمن “دور وظيفي داخل الأسرة”، بدل تعريفها مواطنةً كاملة الحقوق. ويضاف إلى ذلك سلسلة طويلة من إجراءات ضبط النساء وتحديد حضورهن في المجال العام، والتدخل في حياتهن الشخصية وأجسادهن، من خلال فرض معايير مثل “اللباس المحتشم” والحجاب بوصفهما معياراً للهوية الاجتماعية المقبولة.

كما انتشرت حالات الخطف بوصفها وسيلة لإخضاع المجتمع والنساء، إلى جانب التشهير بالنساء الناشطات وتصويرهن بوصفهن خارجات عن الأطر المقبولة، وغيرها من التصرفات والقرارات والخطب التي تشكل انقلاباً على ما نالته النساء من حقوق، وما حققنه من مكتسبات خلال العقود الماضية. وهذه كلها مؤشرات إلى صراع أعمق يتعلق ببناء الدولة.

إن قضية المرأة لم تكن يوماً قضية حقوق منفصلة عن سؤال الدولة، فهي مرآة لطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي، وحدود الانتقال من منطق الجماعات والوصايات إلى منطق المواطنة. والصراع حول النساء هو صراع حول شكل الدولة ذاتها: هل تكون دولة مواطنين ومواطنات متساوين، أم دولة تحدد مواقع الأفراد وفق النوع الاجتماعي والانتماء الجماعي؟

إن أي مشروع لبناء الدولة لا يمكن أن ينجح عبر تغييب نصف القوة الفاعلة، أو اختزال المرأة في دور الرعاية الأسرية. فبناء الدولة وصناعة مستقبلها يتطلبان اعتبار المرأة شريكاً كاملاً في التأسيس، لا موضوعاً إشكالياً ينبغي استهدافه والسيطرة عليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق