أما آن للأوهام السورية أن تنتهي؟

حسام ميرو – الأمين العام للحزب
يرفع السوريون أوهامهم في وجوه بعضهم بعضاً، كل منهم يجعل من وهمه حقيقة، وعلى الرغم من وجود براهين كثيرة دامغة على أن معظم السرديات التي تداولها السوريون منذ 2011 كانت أوهاماً، أو تصوراً زائفاً للواقع، أو مجرد أيديولوجيا باهتة، إلاّ أنهم استمروا بها، بالغوا في تكبير حجمها، وجعل بعضهم من تلك الأوهام أيقونات مقدسة لا تقبل الشك أو النقد، حتى غدت تنتمي إلى عالم المقدّس لا إلى واقع البشر والتاريخ.
لا تقتصر أوهام السوريين على تفسير الوقائع الداخلية وحسب، بل تمتد إلى الوقائع الإقليمية والدولية، كما أنها لا تقف عند حدود تفسير الصراع، وإنما ذهبت إلى التاريخ واستحضرته، وإلى صراع العقائد فيما بينها، وعظّمت في بعض الحالات انتماءات معينة لتجعل منها رافعة أيديولوجية، وكل تلك الأوهام دفع السوريون أثمانها من الدم والعمران والاقتصاد ومن الحاضر والمستقبل.
فرّ بشار الأسد من السلطة، فارتفع صوت من يقول إن الثورة انتصرت.
هل كنا بحاجة إلى إضافة وهم آخر إلى أوهام السوريين بهذا الوهم الجديد، فكيف لثورة أن تنتصر بمجيء فئة لم تعلن يومها انتماءها لـ«الثورة»؟
لكن هذا الوهم الجديد والمضاف إلى الأوهام الكثيرة التي سبقته هو نتيجة طبيعية، أو محصلة، لبلد دخل في حرب تغذّت على السرديات والأوهام، وكأنه يعزّ على السوريين أن يقفوا عراة أمام الحقائق لشدة قسوتها، كمن يستنجد من الرمضاء بالنار.
السوريون مولعون بالأوهام؟ لا، ليست المسألة على هذا النحو المطلق، لكن شيئاً من هذا الأمر موجود، يتكئ على شرعية أوهام اجتماعية وثقافية بقيت حاضرة وفاعلة طوال الوقت، وقد أصبحت خلال الحرب أشد حضوراً وشرعية من وجهة نظر من يقدمونها على أنها حقائق مطلقة.
نكاد لا نعثر على فئة سورية واحدة لم تحارب بالوهم أو تلوذ به، فليس مهماً في الحروب أن تكون السردية صحيحة أم خاطئة، بل أن تؤدي الغرض المطلوب منها، وأن تدفع المزيد من الناس للإيمان بها وتصديقها، لكن لحظة انتهاء الحروب يتكشف عمق الخراب الذي أحدثته تلك السردية. لا يعني هذا أنه لم يكن هناك من ينتقد ويفنّد تلك السرديات، لكن إعلام المتحاربين لا يكترث بها، وكذلك معظم العامة من الناس، الذين تحولت تلك السرديات بالنسبة لهم إلى ملاذات وجودية.
المنتفعون والخائفون من سقوط سلطة الأسد كانوا يرددون مقولة الدفاع عن الدولة! أي دولة تلك التي يقرر فيها فرد واحد مصير كل شيء، فرد غير مستعد لتقديم أية تنازلات من أجل الدولة نفسها، متمسك بمقولة «المؤامرة الخارجية»، وهي موجودة، لكن ألا يتطلب وجود مؤامرة خطوات وطنية إصلاحية لمواجهة هذه المؤامرة، تلك الخطوات التي كانت مطلوبة منذ عام 2003، حين غزت القوات الأمريكية العراق، لتعيد هندسة المنطقة، وفق «الفوضى الخلاقة» بحسب تعبير كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في عهد جورج بوش الابن.
وكذلك فيما سُمّي بـ«الثورة»، روّجت شخصيات تصدرت المشهد لـ«الجيش الحر»، ولم يكن سوى خلطة عجيبة من فئات مناطقية لا تنسيق فيما بينها، يبحث كل فصيل منها عن تمويل خارجي، ويتنافس مع الآخرين على إرضاء الدول الخليجية الداعمة، حتى تحولت عمليات الحصول على الدعم إلى عمليات تتطلب تصفية المتنافسين، والقيام بعمليات عسكرية دعائية، لا هدف عسكرياً لها بالمعنى العملي، وقد جلبت الدمار على المدنيين.
ووسط هذه الحرب، كان واضحاً الدفع الإعلامي عبر القنوات الداعمة للأطراف المتحاربة بسرديات طائفية، غاص بعضها في قاع التاريخ الإسلامي وفِرَقه، ليستجلب أسوأ ما فيه من وقائع وسرديات، ويعيد إنتاجها وكأنها بنت الحاضر المعاش، وقد انخرطت في هذه التفاهة شخصيات من نخب يسارية وشيوعية سابقة، لم تجد أي تناقض بين تاريخها الفكري والسياسي الذي يستوجب تحليلاً مختلفاً، وراحت تبحث عن تموضع شعبوي رخيص.
وفي الساحة السورية الكردية، رفعت معظم القوى والأحزاب مطالب راديكالية، بل إن بعضها ذهب نحو خلطة عجائبية، تجمع بين اليسار والديمقراطية وأمريكا واللامركزية السياسية وأحياناً الفيدرالية، ودفع بآلاف الشباب إلى قتال «داعش»، تحت راية التحالف الغربي لمحاربة الإرهاب، ليتبين لاحقاً أن قيادات هذا التيار أصبحوا في ليلة وضحاها جزءاً من سلطة أمر واقع كانوا يصنّفون فصائلها «إرهابية»، من دون أن يصارحوا الناس حول الحيثيات التي دفعتهم إلى هذا الموقف، وما الضغوط التي تعرضوا لها، وماذا يحققون من مطالب قومية لشعبهم الذين ادعوا تمثيل قضاياه في هذا «الاندماج»، وكأن الناس الذين ذهب أبناؤهم للدفاع عن «القضية» لا يستحقون أن تُقدّم لهم تفسيرات، أو يُصارَحوا بالحقائق.
ومن الأوهام المستجدة بعد انهيار سلطة بشار الأسد أن عدداً لا يُحصى من الأحزاب والقوى راحت تطلق وهماً جديداً، مفاده أن هذه السلطة مدعومة دولياً وإقليمياً، وأنه ينبغي عدم مواجهتها، وأكثر من ذلك التعامل معها كسلطة شرعية، وليس كسلطة أمر واقع فرضت نفسها على السوريين، وحتى لو ارتكبت مجازر، ينبغي التعاطي بحذر في توصيف ما جرى، والاكتفاء باعتباره انتهاكات، وأحياناً… ويا للمهزلة، مطالبة «السلطة» بإجراء تحقيقات نزيهة… مع من تلك التحقيقات، مع قادتها!
الأشهر الأخيرة التي وصل فيها السوريون إلى وضع كارثي على المستوى المعيشي، كشفت وبسرعة، ومن دون كثير احتياج لمرور وقت كبير، أن هذه «السلطة» غير قادرة على إدارة الدولة والمؤسسات والمجتمع، وأن وهم «سنغافورة» الذي بشّرت به السوريين تبخّر.
على الرغم من الآلام الكبيرة التي عاشها عامة السوريين ولا يزالون، إلاّ أن فتح صفحة جديدة مع الواقع والمستقبل غير ممكن إلاّ بانكسار الأوهام، وانكشاف هشاشة السرديات، وإذا كان من ضوء في نهاية النفق فإن ما يبشر به هو أن قسماً كبيراً من السوريين يعبّر اليوم عن استيائه ورفضه للواقع، ويدرك بأن «السلطة» الحالية لا تختلف عن سابقتها، وأن ما تغيّر هو اسم الحاكم، والخطاب الذي يروّجه، والشخصيات التي تظهر في الشاشات، وكلهم يشبهون بعضهم بعضاً في استلابهم للشعب وسرقة ثرواته وزيادة أرصدتهم، وأن المواطن العادي ليس موجوداً في قائمة أولوياتهم، ولا حتى في ذيل القائمة.
إن النقطة الفارقة والأساسية التي ينبغي أن تكون الفيصل في وضع حد للأوهام السورية التي سادت، ولا يزال بعضها قائماً، تتمثل في ضرورة الفصل بين سقوط سلطة الأسد وإنجاز التغيير الذي تحتاجه البلاد، وإحداث قطيعة مع منطق التبرير: تبرير القمع باسم الدولة، وتبرير التبعية للخارج باسم الثورة، وتبرير التضحية بالناس لمصلحة شعارات يرفعها قادة انتهازيون، وتبرير منح الوقت لـ«السلطة» بحجة أن البلد كانت منهارة، في الوقت الذي بات فيه الجميع يعلم كيف يتقاسمون المشاريع كغنائم حرب.
إن أي مشروع لبناء نخب سياسية جديدة تطمح لأن تكون جزءاً فاعلاً في الحراك الاجتماعي وأن تكون مؤثرة فيه، عليه أن يأخذ على عاتقه كشف مدى الخراب الذي أحدثته ولا تزال تلك الأوهام، بشجاعة وقيادية يحتاجهما مشروع وطني سياسي يتجاوز منطق الحرب ويؤسس للدولة الديمقراطية الحديثة.