البرلمان السوري: من صناعة التشريع إلى ترويض المواطن
هوازن خدّاج
رغم الضرورة الملّحة لنقاش واقع التعليم في جلسة مجلس الشعب السوري، لتبيين حجم الكارثة التعليمية وعدد الأطفال الذين ينتظرون العودة إلى مقاعد الدراسة، والمدارس التي تحتاج إلى بناء وترميم، وملايين الطلاب الذين تحتاج الدولة إلى استيعابهم، والأوضاع التي يعيشها الطلبة من الناحية المعيشية والنفسية كونها تؤثر على تعليمهم/ن، وغيرها، تبدو المفارقة واضحة بين ما جرى طرحه من قبل أعضاء في المجلس حول إعادة الضرب للمدارس وتأنيث التعليم، وبين دور مجلس الشعب باعتباره المؤسسة المعنية التي يفترض أن تشرّع للدولة وتراقب سياساتها، ويفترض أن يكون مجلس الشعب المكان الذي تُناقش فيه فلسفة التعليم، وتُراجع فيه نتائج السياسات، وتُبنى فيه القوانين على المعرفة والخبرة والأبحاث، لا أن يتحول إلى مساحة لعرض آراء المجتمع، أو الآراء الشخصية حول قضايا تحتاج إلى معرفة تخصصية.
ومع ذلك، يبدو طرح إعادة الضرب إلى المدارس، وزيادة عدد النساء في التعليم أقل غرابة إذا وضعناه في سياق الخلل الناتج عن طريقة تشكيل مجلس الشعب نفسه، كمجلس انتقالي لا يقوم على انتخاب شعبي كامل ومباشر، إذ يُنتخب ثلثا أعضائه عبر هيئات ناخبة، بينما يعيّن الرئيس الانتقالي الثلث المتبقي. وهذه الصيغة تطرح بالضرورة أسئلة حول كيفية ممارسة هذا المجلس لدوره كمؤسسة مهمتها تحوّيل مشكلات المجتمع ومطالبه إلى نقاش عام وقواعد قانونية وسياسات قابلة للمساءلة. وبالتالي لا تسمح بإيجاد مبرر ديني مقابل الضرب عرض الحائط بالتزامات الدولة في اتفاقية حقوق الطفل وما صدر عن الهيئات الأممية المختصة بشأن حماية الأطفال من العقاب البدني، وبما راكمته علوم التربية وعلم النفس والتعلم من معرفة حول علاقة الطفل بالتعلم والسلطة والعقاب التي أسهمت في نقل مركز الاهتمام من المعلم بوصفه سلطة مطلقة إلى الطالب بوصفه مشاركاً في عملية التعلم.
إخراج البرلمان من وظيفته في تمثيل المجتمع، وصناعة التشريع، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، جعل هذا المجلس يتحول من مجلس شعب إلى مجلس أولياء أمور يناقش اختلاف الأساليب التأديبية لتقديم خلاصات ضرورية حول “أن الضرب يروّض ولا يربي” وربط اللجوء إليه بفشل المعلم والمنظومة التعليمية في إيجاد وسائل تربوية بديلة، ويقدم مؤشراً طريقة التفكير بكيفية إعادة بناء الدولة وإنسانها عبر استخدام ” العصا لمن عصا”. خاصة أنه بعد الحروب لا يكون الطفل مجرد طالب عاد إلى مقعده الدراسي، قد يكون طفلاً عاش الخوف، أو النزوح، أو فقد أحد أفراد أسرته، أو انقطع عن التعليم سنوات، أو نشأ في بيئة انقسمت فيها السلطة والقانون والمجتمع. ولذلك فإن إعادة هذا الطفل إلى المدرسة هي عملية بناء وإعادة بناء تحتاج لأسس وأدوات تتجاوز كونها عملية إدارية فقط.
أما “تأنيث التعليم” فهو لا يشكل سابقة في مسار آليات تعامل سلطة الأمر الواقع مع النساء، ومحاولتها لإعادة ضبط المجتمع من خلال عزل النساء، فحضورهن في مجال التعليم باعتباره المجال الذي دُفعت إليه النساء دفعاً، كونه يتناسب مع مهامهن في مجال التربية والرعاية لأنهن يستطعن التوفيق بينه وبين عملهن في خدمة الأسرة، صار إشكالية لا تقوم بأساسها على كيفية تحقيق التوازن بين الرجال والنساء في قطاعات العمل في مجال التعليم لضمان الجودة؟ إنما عبر ربط زيادة نسبة المعلمات بضعف شخصية الطلبة وبالتالي تراجع هيبة المدرسة، واقتراح علاجها من خلال زيادة الذكور في الكادر التدريسي حتى ممن تجاوز سنهم 60 عاماً، باعتبار الهيبة جزء من السلطة الذكورية التي لا تملكها النساء، وفقا للتصنيف التقليدي للذكورة والأنوثة، القوة والضعف، وذلك رغم أن قيمة التعليم وجودته لا تقاس من خلال عدد الرجال والنساء في الجهاز التعليمي، وإنما من خلال جودة العملية التعليمية، وتأهيل المعلمين، والبيئة المدرسية، والمناهج، وأساليب التدريس، والقدرة على التعامل مع احتياجات الأطفال المختلفة. وغيرها من معطيات لا تتعلق بجنس المدرس.
ويأتي طرح ضعف شخصية الطلبة ليفتح باباً آخر لمُساءلة الدولة في آليات استثمارها في التعليم وتطويره لردم الأسباب المؤدية لضعف شخصية الطلبة، خاصة بعد أن عاشوا/ن سنوات من الحرب والنزوح والتفكك الأسري والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وكلها تحتاج إلى تدخل الدولة وصياغة خطط تتعلق في مهنية التعليم ومعالجة الخلل لإنقاذ الأجيال بدل رده جزافاً إلى زيادة عدد النساء في سلك التعليم.
في النتيجة ترافق طرح استخدام العصا مع تأنيث التعليم في جلسة لمجلس الشعب يقدم مؤشراً حول طريقة تعامل السلطة مع المرأة والطفل بما تحمله من تصورات عن المواطن وعن السلطة، وتشكل جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة السلطة التي نريد بناءها داخل المؤسسة التعليمية والمجتمع. كما تبين العلاقة بين السلطة والمعرفة التي يتحدد من خلالها آليات تحول التلقي إلى تفاعل والمعرفة إلى مجال لإنتاج معرفة جديدة تعيد النظر في العلاقات اليومية للسلطة، خصوصاً أن المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل للمرة الأولى معنى القانون، والسلطة، والاختلاف، والحق، والواجب، والعدالة. وبالتالي هي المجال الأول لإلغاء هوامش التبعية الناتجة عن الترويض، وإن إعادة سلطة العصا والذكورة إليها يتماشيان مع انتاج المتلقي المطيع والخائف التي تضمن أن تكون المدرسة مساحة يتعلم فيها أن السلطة تعني الخوف عوضاً عن المسؤولية، وإن القانون أداة للإخضاع بدل أن يكون وسيلة لحماية الضعيف، وإن الاختلاف سبباً للعقاب أكثر منه فرصة للتعلم.
تكشف هذه الطروحات عن وعي بالسلطة يستمد تصوره للنظام من إخضاع الناس، ويقيس نجاح المؤسسة بقدرتها على فرض الطاعة. ففي هذا الوعي، تصبح شخصية الطالب القادر على السؤال والاعتراض مشكلة تأديبية، ويغدو حضور المرأة موضع اشتباه حين لا ينسجم مع توزيع تقليدي للقوة والهيبة، فيما تتراجع مسؤولية الدولة عن توفير شروط التعليم والحياة الكريمة خلف تحميل الأفراد مسؤولية فشل المؤسسات. وحين يجد هذا المنطق مكاناً له داخل مجلس يفترض أنه يصنع التشريع ويراقب السياسات، فإنه يكشف عن انتقال تصورات السيطرة اليومية إلى المجال الذي تُصاغ فيه علاقة الدولة بالمجتمع: فالمعلم يستمد سلطته من العصا، والرجل من ذكورته، والحاكم من موقعه، ويُطلب ممن يقع تحت هذه السلطات أن يمتثل قبل أن يسأل عن حقوقه.
ومن هنا تكتسب مناقشة المدرسة دلالتها السياسية الأوسع، فالسلطة التي تتصور الطفل كائناً يحتاج إلى الترويض تهيئ، عبر التربية، المواطن الذي تتوقعه لاحقاً: قليل الاعتراض، معتاداً على تراتبية لا يشارك في تحديدها، ومحمّلاً بواجبات لا تقابلها ضمانات فعلية لحقوقه. وقد يؤدي هذا المسار إلى إعادة إنتاج البنية الاجتماعية والنفسية للاستبداد، حتى مع تغير أسماء الحكام والمؤسسات، لأن العلاقة الأساسية تظل قائمة على احتكار القرار وتطبيع الخضوع. لذلك فإن السؤال الذي تثيره هذه الجلسة يتصل بقدرة السلطة على مراجعة وعيها بنفسها وبالمجتمع: هل ترى صلاحياتها مسؤولية محددة بالقانون وخاضعة للمساءلة، وهل تعترف بأن للمواطن إرادة مستقلة ومعرفة وصوتاً، أم تتعامل مع استقلاله بوصفه تهديداً لهيبتها؟ إن بناء الدولة بعد الحرب يقتضي مؤسسات تساعد الناس على استعادة قدرتهم على الفعل والمشاركة، ويبدأ ذلك من مدرسة يحضر فيها القانون بوصفه ضمانة للكرامة، ومن برلمان يحوّل حاجات المجتمع إلى التزامات على السلطة. أما اختزال أزمات التعليم في غياب العصا أو تراجع الحضور الذكوري، فيكشف مدى انشغال هذا الوعي باستعادة أدوات الضبط، وعجزه عن مساءلة الشروط التي جعلت حياة السوريين وتعليم أبنائهم على هذا القدر من الهشاشة.