صوت الشعب يتجدّد

في الثالث عشر من الشهر الماضي، وإثر إعلان وزارة الطاقة رفع أسعار المحروقات بنسبة 40 في المئة، شهدت البلاد أكثر من ثلاثين تظاهرة، تركز معظمها في بلدات ومدن الشمال والشمال الغربي وحماة. وقطع المحتجون طرقاً رئيسية، من بينها أوتوستراد حلب – دمشق، وأحرقوا الإطارات في عدد من المناطق، وطالبوا بإقالة وزير الطاقة محمد البشير، وحمّلوا السلطة مسؤولية تردّي الأوضاع المعيشية ووصول الفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
لم تكن هذه التظاهرات من فعل «الفلول»، وهي الصفة التي اعتادت السلطة وإعلامها إطلاقها على كل من يعارض سلطة الأمر الواقع في دمشق، بذريعة أن المعارضين ليسوا سوى بقايا من أتباع سلطة بشار الأسد المنهارة. كما لم يكن المتظاهرون من أبناء الأقليات التي عملت السلطة، منذ وصولها إلى الحكم، على وضعها في مواجهة أغلبية دينية تزعم أنها تمثلها، في محاولة لتعويض افتقارها إلى الشرعية الدستورية والسياسية.
لقد خرج المحتجون، هذه المرة، من بيئات ظنت السلطة أنها مضمونة الولاء، وأنها ستبقى خارج دائرة الاعتراض مهما تدهورت أحوالها. ولهذا، فإن أهمية هذه الاحتجاجات لا تكمن فقط في عددها أو اتساعها الجغرافي، وإنما في سقوط رواية سياسية كاملة، حاولت اختزال السوريين في انتماءاتهم الطائفية، وتصنيف اعتراضاتهم وفق هوياتهم الدينية والمناطقية، بدلاً من الاعتراف بهم مواطنين لهم حقوق ومطالب ومصالح، ومن حقهم محاسبة من يتولى إدارة شؤونهم وموارد بلادهم.
كان لا بد لهذه اللحظة أن تأتي، وقد توقعناها في الحزب الدستوري السوري. فقد انطلقت رؤيتنا، ضمن ما انطلقت منه، من أن سياسة الشحن الطائفي، واستخدام المجازر والخوف وسيلة لحشد التأييد وإسكات الاعتراض، لها صلاحية محدودة، وأن مفعولها سيتراجع مع انجلاء الوقائع وظهور الحقائق. كما رأينا أن هذه الورقة لن تبقى صالحة إلى ما لا نهاية للتغطية على مساعي السلطة لبناء استبداد جديد، أو لحجب ممارساتها في وضع يدها ويد الموالين لها على الموارد العامة والتحكم بها، وفي إدارة المال العام بعيداً عن الشفافية والمساءلة، وفي بناء صورة «كاريزمية» للسلطة ورجالاتها عبر مظاهر بذخ باتت فظة ومستفزة للسوريين.
منذ استلامها الحكم، روّجت السلطة لأوهام كثيرة، وأطلقت وعوداً وأرقاماً عن استثمارات ضخمة ستتدفق إلى البلاد. بل إن أسعد الشيباني، وزير خارجية السلطة، ذهب في مبالغته إلى حد القول إن سوريا ستصبح مثل سنغافورة خلال بضع سنوات. وأقامت السلطة مهرجانات لجمع التبرعات، وأعلنت عن ملايين الدولارات، ليتبيّن لاحقاً أن جزءاً مهماً من هذه المبالغ لم يُدفع أساساً. كما وقّعت مذكرات تفاهم مع هذه الدولة أو تلك، والتقط مسؤولوها الصور مع الوفود التجارية، وقدّمت كل مذكرة وكل زيارة على أنها فتح اقتصادي كبير، مع أن السلطة تعلم أن مذكرات التفاهم ليست عقوداً ملزمة، وأن معظمها كان أقرب إلى الدعم السياسي والإعلامي منه إلى دعم مالي واستثماري حقيقي.
كان المطلوب من السوريين أن يصدّقوا الصورة، لا أن يسألوا عن النتائج، وأن يصفقوا للإعلان، لا أن يحاسبوا على التنفيذ، وأن يتعاملوا مع الوعود كما لو أنها إنجازات تحققت. لكن الفارق اتسع مع مرور الوقت بين المشهد الذي تصنعه المنصات الإعلامية للسلطة وبين الواقع الذي يعيشه المواطن يومياً، حيث تتراجع القدرة الشرائية، وترتفع أسعار الغذاء والدواء والطاقة والنقل، ويصبح تأمين الضروريات الأساسية عبئاً يفوق قدرة معظم الأسر.
إن أي خبير في اقتصادات الدول الخارجة من الحروب والنزاعات يعلم أن قدوم الاستثمارات مرهون بالاستقرار السياسي، وبوجود بيئة تشريعية واضحة وقضاء مستقل ونزيه، ومؤسسات يمكن الوثوق بها، وقوانين مالية وضريبية مستقرة، وبنى تحتية حديثة، وقوة عاملة مؤهلة، وآليات شفافة لحماية الملكية ورأس المال. وهذه كلها شروط لم تعمل السلطة على توفيرها، بل فعلت الكثير مما ينفّر المستثمر الحقيقي، ولا سيما المستثمر السوري الذي يعرف خلفيتها الأيديولوجية، وبنيتها الفصائلية، وشبكاتها المالية غير الشفافة، ويدرك خطورة الخطوات السياسية والتنفيذية التي اتبعتها لوضع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد جهة واحدة.
ولا يمكن بناء اقتصاد وطني مستقر في ظل إدارة مغلقة للموارد، أو في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، أو حين يكون القرب من مراكز النفوذ أهم من الكفاءة والقانون. كما لا يمكن مطالبة المواطنين بتحمل المزيد من الأعباء، بينما لا تقدم السلطة حساباً واضحاً عن أوجه الإنفاق العام، ولا عن موارد الدولة، ولا عن مصير الأموال التي جُمعت باسم إعادة الإعمار أو دعم الخدمات. فالناس لا تعترض على ارتفاع الأسعار وحده، وإنما على الطريقة التي تُتخذ بها “السلطة” القرارات، وعلى غياب العدالة في توزيع الأعباء، وعلى شعورها بأنها مطالبة دائماً بدفع ثمن الفشل، بينما تبقى الامتيازات محصورة في دائرة ضيقة من أصحاب السلطة والنفوذ.
يبدو أن السلطة تصورت، في «عقلها» السياسي، أن أغلبية السوريين ستتجاهل تردّي أوضاعها الخدمية والمعيشية والصحية، وستواصل الحمد والشكر لمجرد أن السلطة تدّعي تمثيل الأغلبية السنية. وربما تصورت أيضاً أن السوريين تعبوا من الاحتجاج والرفض، وأنهم باتوا مستعدين للتنازل عن حقوقهم كمواطنين مقابل الحصول على الأمان وما تسميه نعمة «الحاكم السني».
وإذا كان هذا هو «عقل» السلطة، وهو كذلك بالفعل، فإنه يعبّر عن قصور عميق في فهم المجتمع السوري، بل وفي فهم معنى المجتمع والدولة والسلطة أساساً. كما يكشف عن بنية ذهنية متأخرة في وعيها للتركيبات الاجتماعية والاقتصادية، ولمسؤوليات الحكم العامة، ويجسد استعلاءً مكشوفاً على عامة الشعب. ويظهر بعض رجالات السلطة كمن لم يعرف يوماً معنى القيمة العامة، فيستمد قيمته من المواكب الطويلة والسيارات الفارهة التي تجوب قلب العاصمة والمدن الأخرى، من دون أدنى إدراك للأثر النفسي الذي تتركه هذه المشاهد لدى شعب يعيش أوضاعاً كارثية، وقد أصبحت أمامه مشاهد التسول المباشر والمقنّع، والبحث عن بقايا الطعام في حاويات القمامة، أمراً مألوفاً ومؤلماً.
لا يمكن لسلطة أن تدعو الفقراء إلى الصبر، بينما يستعرض مسؤولوها امتيازاتهم، ولا يمكنها أن تطالب الناس بالتضحية، بينما ترفض هي تقديم حساب عن الموارد والنفقات، ولا يمكنها أن تطلب الثقة من المواطنين، في حين تحرمهم من حق المشاركة والرقابة والمحاسبة. فالتقشف، إن كان ضرورة وطنية، يجب أن يبدأ من أصحاب القرار ومؤسسات الحكم، وأن يقوم على عدالة واضحة، لا أن يتحول إلى سياسة تُفرض على الفقراء وحدهم.
ما جرى في الثالث عشر من الشهر الماضي، كان تعبيراً عن تراكم الغضب والشعور بالخذلان. فالمحروقات كانت الشرارة، أما أسباب الاحتجاج الحقيقية فهي أوسع وأعمق: الفقر والبطالة وانهيار الخدمات وغياب العدالة، إلى جانب احتكار القرار وانعدام الشفافية، ومحاولة تحويل السوريين من مواطنين أصحاب حقوق إلى جمهور مطلوب منه التصفيق والطاعة.
لقد أثبت السوريون مجدداً أن الانتماء الديني لا يلغي المصلحة الاجتماعية، وأن الشعارات الطائفية لا تطعم جائعاً، ولا تؤمّن دواءً لمريض، ولا مقعداً لتلميذ، ولا عملاً لشاب، ولا تحفظ كرامة أسرة. وعندما يصل التدهور إلى لقمة العيش، تسقط الأقنعة والخطابات، ويصبح السؤال بسيطاً ومباشراً: ماذا فعلت السلطة بالبلاد ومواردها، ولماذا يدفع المواطن وحده ثمن سياساتها؟
إن صوت الشعب الذي حاولت السلطة تجزئته بين أكثرية وأقليات، وتصنيفه بين موالٍ و«فلول»، يعود اليوم متجاوزاً هذه التقسيمات. إنه صوت المواطن الذي يريد دولة لا غنيمة، ومؤسسات لا فصائل، وقانوناً لا مزاجاً، وحكماً يخضع للمساءلة بدلاً من أن يطالب الناس بالخضوع له.
وصوت الشعب، حين يتجدّد، لا يعود بالضرورة بالشعارات نفسها، بل قد يبدأ من رغيف الخبز، أو من أجرة النقل، أو من فاتورة الكهرباء، أو من دواء لم يعد في متناول اليد. لكنه سرعان ما يصل إلى أصل المسألة: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وكيف تُدار موارد البلاد؟ ومن يحاسب أصحاب القرار؟
إن الشعوب قد تصمت تحت وطأة الخوف أو الإنهاك، لكنها لا تتخلى عن حقها في الكرامة والعدالة. وحين يعود صوتها، لا تستطيع سلطة أن تختزله في مؤامرة، أو أن تخنقه بتهمة، أو أن تبدده بخطاب طائفي. لقد تجدّد صوت الشعب، وهو يقول اليوم إن شرعية أي حكم لا تُصنع بالمواكب والصور والوعود، بل بقدرته على صون حقوق الناس، واحترام إرادتهم، وتأمين شروط حياتهم الكريمة. ومن لا يسمع هذا الصوت في بدايته، سيضطر إلى سماعه حين يصبح أعلى وأوسع وأكثر قدرة على فرض التغيير.
صوت الشعب يتجدّد ويقول: الشعب يريد …