تحقيقات

الغلاء والاحتجاج في سوريا: من لقمة العيش إلى سؤال السياسة

أعادت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات، وما أعقبها من احتجاجات، طرح العلاقة بين تدهور الأحوال المعيشية وطريقة إدارة البلاد. في هذا الملف، تستطلع «حدْس» آراء أربعة من المشتغلين بالشأن العام حول مسؤولية السلطة عن تفاقم الأزمة، ودلالات الغضب الشعبي، وإمكان انتقال الاحتجاجات من المطالب المعيشية إلى حراك وطني سياسي. وتقدّم المشاركات قراءات مختلفة لشروط هذا الانتقال والعقبات التي تواجهه.

السوريون من الأزمة المعيشية إلى استعادة الفعل السياسي

هشام المسالمة – مسؤول العلاقات الخارجية بالحزب الدستوري السوري:

لم تعد الأزمة المعيشية في سوريا انعكاساً لواقع رفع أسعار المواد التموينية والمحروقات والطاقة والخدمات، بل أصبحت مقدمة وعنواناً لأزمة أعمق تتعلق بعقلية إدارة المرحلة الانتقالية ومؤسسات الدولة والاقتصاد بشكل عام. فرفع أسعار المحروقات بنسبة وصلت إلى نحو أربعين في المئة لمادة المازوت، في بلد يعيش فيه الملايين من السوريين تحت ضغوط اقتصادية هائلة، لا يتعلق بارتفاع سعر مادة واحدة، بل ينعكس مباشرة على قطاعات أخرى في النقل والإنتاج والخدمات، وبالتالي على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوري.

ولذلك فإن الاحتجاجات المتزايدة التي تشهدها البلاد وفي مناطق متعددة من المحافظات والمدن والبلدات عقب القرار ليست مجرد رد فعل على زيادة سعر الوقود. إنها تعبير عن تراكم اجتماعي واقتصادي وسياسي، وعن شعور متفاقم بأن المواطن يدفع ثمن سياسات وقرارات لا يملك المشاركة الحقيقية في صياغتها أو مساءلة أصحابها، وقد تابعنا منذ 13 أيلول/سبتمبر العشرات من الوقفات الاحتجاجية في عدة محافظات سورية، احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات، في مؤشر يجب الوقوف عنده.

من المنطقي أن تواجه أي سلطة انتقالية ظروفاً اقتصادية صعبة، كما أن بعض الأسباب التي قدمتها وزارة الطاقة، في شكلها الإجرائي، لا يمكن تجاهلها، إلاّ أن هذه السلطة تتحمل المسؤولية عن عدم تقديم سياسات شفافة وعادلة، حيث يلاحظ المواطن العادي التخبط في قراراتها وسياسة التبذير وهدر المال العام والتمييز بين المواطنين في كافة قطاعات الدولة، حتى باتت آثار القرارات تمس الاحتياجات الأساسية للمواطن.

السؤال الأهم اليوم ليس فقط: هل ستستمر الاحتجاجات؟ بل: هل يستطيع السوريون تحويل الغضب المتفرق إلى حراك مدني منظم وسلمي، يتجاوز رد الفعل على قرار هنا أو ارتفاع سعر هناك؟

أعتقد أن البداية يجب أن تكون من المطالب المعيشية الواضحة: ضبط الأسعار، حماية القدرة الشرائية، ودعم الدولة لبعض المواد الأساسية وتأمينها، مراجعة أسعار المحروقات، تحسين الأجور، ومكافحة الفساد والهدر الحاصل. لكن هذه المطالب تحتاج إلى إطار أوسع يربط الاقتصاد بالسياسة، لأن الاقتصاد لا يعمل في فراغ، ولا يمكن معالجة الانهيار المعيشي من دون مؤسسات مسؤولة وشفافة وخاضعة للرقابة والمساءلة.

وهنا تكمن مسؤولية القوى السياسية والمدنية والمجتمعية: مساعدة هذا الحراك على الانتقال من الاحتجاج العفوي إلى العمل المنظم، عبر لجان مطلبية محلية، كما رأينا في قدسيا وبرزة وتل منين وجوبر والقابون، وتنسيق بين المناطق، وخطاب وطني جامع، وسُلّم واضح للمطالب، مع الحفاظ على سلمية الحراك واستقلاله عن المناطقية والطائفية والتخوين.

ولا يجب أن يكون الهدف مجرد إسقاط قرار اقتصادي أو تغيير مسؤول، بل استعادة السياسة إلى المجتمع، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون والحقوق والحريات والمساءلة.

قد يبدأ الحراك من سعر المحروقات وغلاء الأسعار، لكنه يستطيع أن يفتح نقاشاً أوسع حول شكل الدولة ومستقبلها وعلاقة المواطن بها. فالمواطن الذي يطالب بحقه في حياة كريمة اليوم، يطالب في جوهر الأمر بدولة تحترم كرامته وحقوقه غداً.

وسوريا لا تحتاج فقط إلى الخروج من أزمتها الاقتصادية، بل إلى الخروج من أزمة الدولة نفسها، وصولاً إلى دولة يكون فيها المواطن شريكاً وممثَّلاً تمثيلاً حقيقياً بأعضاء منتخبين في صناعة القرار الذي يحميه ويصون كرامته، لا مجرد متلقٍّ لقرارات هذه السلطة الانتقالية وغير المنتخبة.

رفع أسعار المحروقات

سوزان سالمة – صحفية وعضو في الحزب الدستوري:

رفع أسعار المحروقات في بلد تبلغ فيه نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر نحو 90%، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يجعل من الصعب توقع ألا يثير هذا القرار ردود فعل غاضبة. لذلك، ليس مستغرباً أن تُسجّل في 13 أيلول 36 مظاهرة احتجاجية في عموم سوريا عقب صدوره.

ووفق بيانات حديثة أوردتها الوكالة الأوروبية للجوء، كان الحد الأدنى الرسمي للأجور في شباط 2026 لا يغطي سوى نحو 31% من سلة الحد الأدنى للإنفاق لأسرة من خمسة أشخاص، التي تشمل الغذاء والخدمات والمرافق والاحتياجات الأساسية. وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الأسعار وحده، بل في اتساع الهوة بين الدخول وكلفة الحياة.

المشكلة أن هذه الأرقام الكارثية للواقع المعيشي للسوريين لا يبدو أنها في طريقها إلى التحسن، بل تنذر بتداعيات أكثر قسوة. أما الوعود التي يكررها مسؤولو سلطة الأمر الواقع بشأن مشاريع استثمارية ضخمة ستقفز بالاقتصاد السوري إلى مصافِ النمور الاقتصادية في العالم، فتبدو، في ظل الواقع الحالي، أقرب إلى قفزة بهلوانية قد تنتهي بارتطام أشد قسوة باقتصاد متردٍ ومنهك منذ سنوات، في ظل النظام السابق.

ويعلم حتى البسطاء من الناس أن زيادة أسعار الوقود تعني ارتفاعاً مباشراً في كلفة معظم احتياجات الحياة اليومية، من المواد الغذائية إلى الخدمات، بسبب ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج. وهذا يعني ببساطة أن الفقر سيجد طريقه إلى المزيد من موائد الأسر السورية.

لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن أن تتحول هذه الاحتجاجات، التي بدأت بمطالب معيشية، إلى حراك وطني سياسي ضد سلطة الأمر الواقع؟

لا يمكن إعطاء إجابة قاطعة بنعم أو لا، فأنا لا أؤمن بمسارات حتمية في التاريخ. لكن يمكن بالتأكيد النظر إلى هذه الاحتجاجات بوصفها مؤشراً مهماً على حالة من الغضب الشعبي، ليس بسبب سوء الوضع المعيشي وحده، وإنما أيضاً نتيجة استحقاقات أكبر كان ينبغي على السلطة أن تتحمل مسؤولياتها تجاهها، ومن أبرزها إشراك أصحاب الخبرات والكفاءات في إدارة البلاد، بما يساعد على انتشالها من واقعها المدمر.

وهذا بدوره يقودنا إلى سؤال الأسئلة: لماذا لم يتم إقرار نظام ديمقراطي يضمن المساواة بين جميع السوريين؟

فالفقر لا يميز بين الطوائف والمعتقدات، ولا يمكن معالجة الأزمات المعيشية بإثارة العصبيات الطائفية أو المناطقية. فالضيق الاقتصادي واقع مادي ضاغط، ويتقاطع مباشرة مع الحاجة إلى سلطة نزيهة ومنتخبة، قادرة على تحقيق قدر من العدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولعل الرسالة الأقوى التي تحملها هذه الاحتجاجات أن السلطة العاجزة أو المتقاعسة عن تأمين احتياجات المواطن الأساسية وقوته اليومي، ستجد صعوبة متزايدة في إقناعه بكفاءة أدائها ونزاهته. وهذا بدوره قد يطرح، عاجلاً أم آجلاً، سؤالاً يتجاوز سعر المحروقات، ليصل إلى مدى أحقية هذه السلطة وأهليتها للاستمرار.

المازوت أغلى من الصمت

هنادي الخطيب – صحافية سورية، تهتم بقضايا حقوق الإنسان والمرأة والتحولات السياسية والاجتماعية في سوريا:

في صباح اليوم التالي لرفع أسعار المحروقات في سوريا، لم يحتج أبو خالد إلى الاستماع إلى نشرة الأخبار كي يعرف أن تغييراً كبيراً حدث حوله.

عرف ذلك حين جاءه بائع الخبز وقال إن أجرة التوصيل ارتفعت، وعرفه مرة ثانية حين مرّ سائق السرفيس أمام الدكان، وبدلاً من أن يخفف سرعته ويقول، كعادته: “صباح الخير، عمي أبو خالد”، لوّح بيده وقال: “من بكرا، الأجرة ارتفعت”.

لم يكن قرار رفع أسعار المحروقات في سوريا مجرد قرار اقتصادي سيئ التوقيت، ولا مجرد رقم جديد في جدول وزارة الطاقة، وإنما كان قراراً يضع المواطن السوري أمام امتحان جديد، ففي بلد أنهكته الحرب، ويعيش أغلب سكانه على حافة الفقر أو تحتها، يدخل الوقود في كل تفصيل من تفاصيل الحياة: كلفة الخبز، وأجرة الطريق، وسعر الخضار، وري الأرض، وتشغيل المولدات، ونقل الدواء، وتدفئة البيوت.

ولهذا لم تكن الاحتجاجات التي خرجت في أيلول مفاجئة، خصوصاً أن الناس خرجوا في مناطق متباعدة جغرافياً وسياسياً، بعد زيادة تراوحت بين 25 و40% في أسعار مشتقات النفط، ولم يكن ضرورياً أن يتفق المتظاهرون على الشعارات، كما لم يكن مهماً أن يكون لهم تنظيم واحد أو قيادة واحدة، إذ كان كافياً أنهم اشتركوا في سؤال بسيط: كيف يمكن للناس أن يدفعوا أكثر، فيما رواتبهم لا تكفيهم أصلاً؟

في المساء، خرج علينا مسؤول بتصريحات جديدة، تحدث عن الضرورة، والظروف الصعبة، والحاجة إلى الصبر، وكانت كلماته مرتبة وهادئة، لكن في بيوت كثيرة، كانت الحسابات أقل ترتيباً.

المسؤول الذي تحدث باسم الحكومة قال إن دعم المحروقات مكلف، وإن الخزينة لا تحتمل، وإن الأسعار العالمية ارتفعت، لكن صحة الحجة الاقتصادية لا تجعل القرار عادلاً بالضرورة، والسؤال المطروح هنا: من يقرر أن يبدأ “الإصلاح” من جيب العامل، والمزارع، وموظف القطاع العام، وصاحب الدكان الصغير؟

المشكلة في سوريا ليست رفع السعر فقط، وإنما ترافق ذلك مع تزايد شعور الناس بأنهم آخر من يُسأل وأول من يدفع، ولا توجد، حتى الآن، صورة واضحة عن خطة حكومية لحماية من لا يستطيعون تحمّل الزيادة، مع غياب النقاش الحقيقي حول الاحتكارات، وشبكات الفساد، والامتيازات التي بقيت خارج حديث التقشف، كما لا توجد إشارات لزيادة دخل موازية.

في سوريا، لا يبقى المازوت مازوتاً، وإنما يصبح اسماً آخر للراتب الذي لا يكفي، وللسوق الذي يزداد غلاء، وللمدفأة التي ستبقى باردة، وللطريق الذي صار أطول لأن الوصول إليه أصبح أغلى.

ولكل هذه الأسباب الآنفة، لا يمكن التقليل من دلالة الاحتجاجات الأخيرة، وبالطبع لا نقول هنا إن كل مظاهرة هي بداية انتفاضة، ولكن الاحتجاجات، مهما كانت محدودة أو متفرقة، استطاعت التذكير بأن الناس يملكون حق الاعتراض، وأن السياسة ليست فقط ما تقرره الوزارات في البيانات، بل ما يحدث عندما يكتشف المواطن أن حياته تُدار من دونه.

والمشكلة التي ظهرت بوضوح، حتى الآن، أن رد السلطة جاء أقرب إلى إدارة الغضب منه إلى معالجة أسبابه، وكأنها تنظر إلى هذه التحركات باعتبارها ضجيجاً مؤقتاً، أي أنها يمكن أن تتراجع جزئياً، أو تقدم دعماً محدوداً، أو تعد بمراجعة القرار، لكن ذلك لا يغيّر شيئاً إذا عادت لاحقاً إلى طريقة صنع القرار نفسها.

السوريون اليوم مرهقون، موزعون بين مناطق نفوذ وخطوط خوف وانقسامات طائفية ومناطقية، ويفتقرون إلى نقابات مستقلة وأحزاب مدنية قادرة على تنظيم الغضب وتحويله إلى قوة تفاوضية وسياسية.

لكن الحراك الوطني، إن ظهر، لن يولد من شعار سياسي كبير، وإنما سيبدأ من سؤال صغير: لماذا أدفع أنا دائماً؟ لماذا تُرفع الأسعار من دون أن ترتفع الأجور؟ لماذا لا يسألنا أحد قبل اتخاذ القرارات التي ستحدد قدرتنا على الأكل، والتنقل، والتدفئة، والبقاء؟

عندما يتحول هذا السؤال من همّ فردي إلى سؤال جماعي، تتغير طبيعته، ولا يعود الحديث عن سعر لتر المازوت، بل عمن يملك الحق في اتخاذ القرار، ومن يتحمل كلفته، ومن يملك حق الاعتراض عليه.

وإن كان الفقر، تاريخياً، مادة مفضلة للكتّاب والشعراء، وركيزة ثابتة في خطب السياسيين والحكومات، فإن ما يفضله كل هؤلاء هو صمت الفقير، لا ضجيجه، ومع أن الفقير يصمت لأنه يعرف أن الكلام لا يملأ الخزان ولا يدفئ البيت، فإنه، حين يعجز عن دفع ثمن الطريق والخبز والدواء، يصبح الصمت ترفاً لا يقدر عليه.

رفع سعر المحروقات يشعل الشارع السوري.. إلى أين تمضي سلطة الأمر الواقع؟

مصطفى الدروبي – باحث ومحلل سياسي وعضو في الحزب الدستوري السوري:

لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا مجرد قرار اقتصادي عابر، بل تحوّل إلى شرارة جديدة كشفت عمق الأزمة المعيشية التي يعيشها السوريون، ووضعت السلطة المؤقتة أمام اختبار صعب لعدم قدرتها على إدارة بلد أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.

ففي 13 أيلول/سبتمبر، رفعت وزارة الطاقة أسعار المشتقات النفطية بصورة كبيرة، إذ ارتفع سعر المازوت بنحو 40%، والبنزين بنسب تراوحت بين 26 و28%، وذلك بالتزامن مع زيادة أسعار الغاز. وبررت الوزارة القرار بارتفاع كلفة الاستيراد عالمياً وبخروج مصفاة بانياس من التكرير مؤقتاً للصيانة.

لكن الشارع السوري لم يتعامل مع القرار باعتباره مجرد إجراء مالي. فقد سجلت منظمة ACLED، 36 تظاهرة احتجاجية في يوم واحد، فيما امتدت التحركات إلى محافظات ومناطق عدة بينها الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب ودرعا، وترافقت في بعض المناطق مع قطع الطُرق وإيقاف شاحنات نقل النفط.

والسبب واضح، إذ يتلخص الأمر في أن المحروقات ليست سلعة منفصلة عن حياة السوريين. فارتفاع سعر المازوت يعني ارتفاع أجور النقل، وكلفة الزراعة وتشغيل المولدات، وأسعار السلع الغذائية والخدمات والتدفئة. ومع اقتراب فصل الشتاء، تصبح المسألة أكثر حساسية، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر الفقيرة والنازحين وسكان المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات، بل غيابها.

وقد اضطرت الحكومة، تحت ضغط الاحتجاجات، إلى تقديم أسعار أقل للمازوت المخصص للتدفئة والزراعة وبعض القطاعات الإنتاجية في تراجع جزئي عن الزيادة الأصلية. وهذا التطور يكشف أن القرارات الاقتصادية لا يمكن فصلها عن قدرة المجتمع على تحمّل تكاليفها.

إن السؤال الأوسع اليوم ليس فقط: كم سيصبح سعر ليتر المازوت؟ بل: إلى أين تسير سوريا في ظل إدارة المرحلة المؤقتة؟

فالسلطة التي جاءت حاملة وعوداً كبيرة بإعادة بناء الدولة وتحسين الاقتصاد وتأمين الخدمات، تجد نفسها أمام أزمات متلاحقة، فيما تتزايد الانتقادات الشعبية المتعلقة بضعف الإدارة وتخبطها وغياب الشفافية وسوء توزيع الموارد، إضافة إلى اتهامات بالفساد والمحسوبية أصبحت تؤكدها الحقائق الملموسة على الأرض. وهذه الاتهامات أصبحت جزءاً من النقاش العام حول أداء هذه السلطة.

وتزداد خطورة الوضع عندما يشعر المواطن أن بلداً يمتلك موارد نفطية وزراعية ومائية مهمة لا يستطيع تأمين احتياجاته الأساسية، وأن عبء الأزمة ينتقل بصورة متكررة إلى جيبه، ويجد في المقابل تبذيراً وإنفاقاً استعراضياً واستفزازياً لأغلبية السوريين، الذين أصبحوا تحت خط الفقر بكثير.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستتسع الاحتجاجات أكثر فأكثر، تساوقاً مع حجم الفساد المتفشي، والتردّي المتسارع في المستوى المعيشي، وانكشاف السوريين، وصولاً إلى الدخول في مرحلة مجاعة حقيقية؟

كل المؤشرات تدل على أن هذه السلطة تسير نحو الفشل المطلق بخصوص تأمين أبسط متطلبات العيش اللازمة لبقاء السوريين على قيد الحياة، حيث أصبح المواطن يلمس انفصالها عن الواقع، بل أضحى لا يصدقها.

إن المؤشرات الأخيرة تظهر أن الاحتجاج الاقتصادي أصبح قادراً على الانتقال سريعاً من قضية مطلبية محددة إلى غضب أوسع مرتبط بمستوى المعيشة وبالقدرة على إدارة الدولة. وقد أظهرت احتجاجات المحروقات أنها لم تقتصر على منطقة جغرافية واحدة، بل ظهرت في شمال شرق البلاد وشمالها وجنوبها ووسطها.

ومع دخول الشتاء، فإن استمرار ارتفاع تكاليف التدفئة والنقل والغذاء من دون إجراءات اقتصادية واجتماعية قادرة على تخفيف العبء عن المواطنين قد يبقي أسباب الاحتجاج قائمة.

إن التحدي الحقيقي أمام السلطة الانتقالية ليس في إصدار نشرة أسعار جديدة، وإنما في بناء إدارة عامة فعالة وشفافة وقادرة على حماية المواطن من كلفة الانهيار الاقتصادي. فسوريا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر حاجتها إلى نتائج ملموسة: خبز وطاقة ونقل وتدفئة وفرص عمل وخدمات أساسية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على السوريين والسلطة معاً: هل تستطيع السلطة المؤقتة هذه تحويل وعودها إلى سياسات واقعية يشعر المواطن بنتائجها، أم أن أزمة المحروقات ستكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة أزمات مرشّحة للتفاقم، قد تفضي بسورية وشعبها إلى ما لا يُحمد عقباه؟

خاتمة:

تفتح هذه الآراء نقاشاً حول الصلة بين لقمة العيش وحق السوريين في المشاركة في تقرير شؤونهم ومساءلة من يديرها. وإذا كانت الأزمة المعيشية قد دفعت الناس إلى الاحتجاج، فإن تحوّل غضبهم إلى فعل سياسي مستمر يظل مرتبطاً بقدرتهم على التنظيم، وصوغ مطالب مشتركة، والحفاظ على سلمية تحركاتهم في مواجهة الخوف والانقسام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق